أدخلتنا التحولات الثورية الدائرة في منطقتنا في فوضى صراعاتٍ وفرزٍ وجدلٍ عميق.. وعند إمتداد رياح الإنتفاضة إلى سوريا، ظهر فرزٌ وتناقضٌ عميق وجدلٌ مدهش إحتدم بين “النخب”، الأردنية واللبنانية خصوصاً، حيث برز الكثير من اللّغط والتشويه والتخبّط في مفهوم “المقاومة” ودور المثقف والمناضل. ما دعاني إلى كتابة هذا المقال، علّه ينجح في تسليط الضوء على المفاهيم ووضعها في سياقها الطبيعي.


أدخلتنا التحولات الثورية الدائرة في منطقتنا في فوضى صراعاتٍ وفرزٍ وجدلٍ عميق.. وعند إمتداد رياح الإنتفاضة إلى سوريا، ظهر فرزٌ وتناقضٌ عميق وجدلٌ مدهش إحتدم بين “النخب”، الأردنية واللبنانية خصوصاً، حيث برز الكثير من اللّغط والتشويه والتخبّط في مفهوم “المقاومة” ودور المثقف والمناضل. ما دعاني إلى كتابة هذا المقال، علّه ينجح في تسليط الضوء على المفاهيم ووضعها في سياقها الطبيعي.

المقاومة فعلٌ طبيعي وأخلاقي، لأن المقاومة بكل أشكالها (المسلحة وغيرها) هي ردّة فعل يقوم بها الإنسان (وحتى الحيوان) لمواجهة خطر يتهدّد وجوده وحياته من إستغلال إنسان (أو حيوان) آخر.. المقاومة هي ردّة فعل إنسانية طبيعيّة على القهر والإستغلال الذي يمارس بحق الشعوب.. المقاومة هي وسيلة، لا أكثر، لتحرير الشعوب والإنسان من الظلم والإستغلال والإحتلال.

المقاومة لا يمكن أن تكون مبرراً لقهر الشعوب وتدميرها ونهبها وإستغلالها. المقاومة ليست مبرراً للإستبداد بالشعوب.. والمقاومة ليست محصورة بنظامٍ أو سلطة، بل هي فعل تنظيمي إجتماعي طبيعي تقوم به الشعوب للدفاع عن نفسها. ووجود المقاومة مشروط فقط بوجود أسبابها: الظلم والقهر والإستغلال، وليست مشروطة بوجود نظام، حتى لو كان هذا النظام يرعاها ويسمح لها بالحركة.

المثقف والمناضل هو شخص يسعى بإستمرار للوصول إلى الحقيقة والدفاع عنها، ويسعى إلى قراءة الواقع وفهمه من أجل تغييره لمصلحة الإنسان -أينما كان- ومساعدته على ردّ الظلم، من أجل التحرّر والتقدم. المثقف والمناضل لا يتلوّن ولا يكذب، ولا ينحاز إلى السلطة. ولا ينحاز إلا إلى جانب الشعوب والمضطهدين، وإلى جانب الحقيقة، دائماً.

في الحالة السورية، يعتمد المؤيدون والداعمون للنظام المجرم بحق شعبه الثائر على مبرر “ممانعة” النظام السوري للمخططات الإمبريالية في المنطقة، وعلى سماحه ودعمه للمقاومة اللبنانية والفلسطينية.. وذلك إن يؤشر على شيء، فإنه يؤشر إلى وجود إنحراف وأزمة عقليّة وأخلاقيّة عميقة، لا يمكن المساومة عليها، ممثّلةَ بالنقاط التالية:

1- المناضل والمثقف يقاتلان من أجل الحرية والعدالة والتقدم للشعوب والعالم أجمع، وليس لفلسطين ولبنان فقط!

2- المقاومة وسيلة نلجأ إليها من أجل تحقيق الحرية والعدالة للشعوب، لا لشيء آخر، لا لقتل البشر وإذلالهم وإخضاعهم. ولا لأجل تحرير أرض وشعب فلسطين ولبنان وقتل شعب سوريا!
لا يمكن أن تمارس القتل والظلم والإستغلال وتدّعي بأنك مقاوم. وإلا فإن هناك تناقضٌ كبير بين ما تدّعيه وما تمارسه، تناقضٌ يمسّ أخلاقيّة وصدقيّة المقاومة.
فالسلطة التي تدعم المقاومة التي تقاتل من أجل شعب تحت الإحتلال، وتقوم –تلك السلطة- بنفس الوقت بذبح شعب آخر وإستغلاله، ليست بسلطة مقاوٍمة، بل متاجِرة بقضايا الشعوب من أجل نفوذ ومصالح سلطتها الحاكمة.

3- المقاومة أنبل وأرفع وأوسع من أن تنسب لـ”سلطة”، مهما كانت تلك “السلطة”. فكيف بسلطة مزرعة الأسد؟!
الشعوب المضطّهَدة هي التي تفرز المقاومة، وشرط ذلك الإفراز هو وقوع التهديد والظلم عليها. وليست مشروطة بوجود “نظام”. هذا قانون الطبيعة، وليس بقانون “سلطة” أو “نظام”.

لقد سبّبت الثورة السورية جدلاً وفرزاً عميقاً ومهمّاً في صفوف “اليسار” و “النخب المثقفة”. فقد أظهرت أن تلك “النخب” التي تقف مع السّلطة السورية تعاني من أمراض عقليّة سلطوية، ورأسها محبوس بصندوق الأيديولوجيا، وبأنها متقوقعة في عالم السياسة المنفصم تماماً عن الواقع وعن الإنسان والشعب والحقيقة، ونمط تفكيرها مثالي متحجّر، ومريضةٌ بداء عقلي ونفسي مزمن إسمه “المؤامرة”.. فهي لا ترى الشعوب وما يحدث على الأرض، وتتوهم بأن الإمبرياليّة شبحٌ يتحكم بكل شيء، حتى الأفراد، كما أنها تدعي النضال من أجل الحرية والعدالة، بينما هي تدافع عن أنظمة الإستبداد والظلم.. لعلّ هذا الفرز هو أهم ما تقدّمه لنا الثورة السورية، ويجب الإنتباه إليه، ووضعه بعين الإعتبار في أي عمل مستقبلي.

بإختصار، لقد قامت النخب المتخبطة والخائفة والمنحرفة بتشويه الحقيقة، ولطّخت وشوّهت القضيّة الفلسطينيّة بالدم السوري! ومصيرهم مع أنظمتهم، إلى مزابل التاريخ، هم فيها خالدون.

وإلى أن يسقط الوهم، تبقى على الأرض حقيقتان بسيطتان:
حقيقة أن الثورة الإنسانية التي إنطلقت من تونس وعمّت العالم، هي ثورةٌ واحدة. ثورةٌ على أنظمة الإستغلال والفساد والإستبداد. ثورةٌ على سلطة القهر والإخضاع. ثورةٌ على الهرميّة والرأسماليّة! والشعب السوري جزء من هذا العالم، وليس من عالمٍ أو كوكب آخر!

والحقيقة البسيطة الأخرى، هي أن النظام الحاكم في سوريا، شأنه شأن كل الأنظمة الأخرى، الإمبرياليّة وغيرها، ليست سوى سلطة إستبداديّة مافياويّة فاسدة، تعتاش على نهب الشعوب. وتلك الشعوب التي رزحت لعقود تحت سلطة القهر والإخضاع، ثارت أخيراً من أجل حريّتها، فكيف نقف في وجهها؟!

تلك هي الحقائق التي تدفع الإنسان إلى الثّورة والتمرّد على عالمٍ كامل من الإستبداد والخداع الشامل.

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *