حتى هذه اللحظة، ثمة من يعتقد أن مصطلح «الجندر» هو مصطلح مستورد ومراوغ ومطاط وليس سوى محاولة لتدمير الأسرة المسلمة! وثمة أيضاً من لا يفهمه. وبين هذا وذاك، ثمة من يتساءل عن جدوى الدفاع عن حقوق المرأة في ظل نظام اجتماعي متخلف، قائم على الطائفية والعشائرية هنا، وعلى حكم عسكري ديكتاتوري هناك. «الجندر… ماذا تقولين؟ الشائع والواقع في أحوال النساء»، للباحثة عزة شرارة بيضون، كان من الكتب الأكثر مبيعاً خلال معرض بيروت للكتاب. كان لنا معها هذا اللقاء.


حتى هذه اللحظة، ثمة من يعتقد أن مصطلح «الجندر» هو مصطلح مستورد ومراوغ ومطاط وليس سوى محاولة لتدمير الأسرة المسلمة! وثمة أيضاً من لا يفهمه. وبين هذا وذاك، ثمة من يتساءل عن جدوى الدفاع عن حقوق المرأة في ظل نظام اجتماعي متخلف، قائم على الطائفية والعشائرية هنا، وعلى حكم عسكري ديكتاتوري هناك. «الجندر… ماذا تقولين؟ الشائع والواقع في أحوال النساء»، للباحثة عزة شرارة بيضون، كان من الكتب الأكثر مبيعاً خلال معرض بيروت للكتاب. كان لنا معها هذا اللقاء.

«الجندر… ماذا تقولين؟ الشائع والواقع في أحوال النساء»، كتاب أكاديمي، نخبوي، قراءته ليست سلسة وربما تكون صعبة في بعض الفصول. إلى من تكتبين؟ بمن تفكرين؟ هل يصل الكتاب بلغته الأكاديمية والصعبة إلى الشريحة المعنية به؟
كتابي عبارة عن مجموعة مقالات نُشرت، سابقاً، في مناسبات ثقافية مختلفة. ففي بعض الندوات، مثلاً، تطرح مقولات لا تتاح لي مناقشتها، فأتناولها لاحقاً في مقالات تنشر في صفحات الرأي أو الثقافة في الجرائد اليومية. هذه المقالات ليست «صعبة» كما تقولين- ولم تكتب «بلغة أكاديمية». لكن هناك بعض المقالات التي كتبتُها استجابة لطلب من جمعيات نسوية ، مثلاً، تناولتُ فيها مسألة معيّنة. إذا كانت هذه الجمعيات تتوجه إليّ كباحثة وجب عليّ تلبية تلك الدعوة من موقعي كباحثة؛ أي القيام بدراسة تلتزم بالمعايير العلمية. فإذا كنا بحاجة إلى أبحاث علمية لنفهم أوضاعنا بكل تعقيداتها، فإن التعبير عن تلك الأوضاع لا يمكن أن يكون بلغة تبسيطية. وأنا أزعم أنني أكتب بلغة ودودة للقارئ؛ ولعلّك لاحظتِ أنني أقدّم تعريفاً في الهوامش لكلّ مفهوم أفترض أنه غير مألوف لدى بعض القرّاء.

حماية المرأة
أين نعثر على قضية المرأة ومناصرة حقوقها في ظل الأنظمة الديكتاتورية أو الطائفية والعشائرية أو الدينية التي يعيش المواطن العربي في ظلها؟ عندما تتجاهل بلدان كثيرة مفهوم المواطنة بشكل عام، في ظل غياب مجتمع مدني، كيف يمكن الدفاع عن حقوق المرأة؟

التساؤل كان مطروحاً علينا نحن النساء – دائماً: أيهما أسبق؟ النضال بمواجهة الأنظمة التي وصفتِها أم النضال من أجل قضايانا؟ الحركة النسائية اللبنانية، مثلاً، لم تعد تقوم بالاثنين معاً. هي متحالفة مع الحركات المدنية الديموقراطية وتشارك في نشاطاتها وتحرّكاتها. فإذا كانت لقضايا المرأة خصوصية تفترض وجود منظمات نسائية، فهذا لا يعني على الإطلاق أننا غير مندمجات في القضايا ذات الصلة بالمواطَنة بشكل عام. لكن المسألة أعقد من ذلك. نحن النساء، كما بيّنتُ في أحد فصول كتابي، لا يسعنا أن نكون مواطِنات في النظام الطائفي. نحن نناضل حالياً نضالاً مريراً كي يُعترف بمواطَنتنا. أتكلّم، مثلاً، على مشروع «قانون حماية المرأة من العنف الأسري» الذي لا يزال في طور الدراسة لدى لجنة خاصّة في مجلس النواب. هذه اللجنة قامت باستشارة رجال الدين من المحاكم الشرعية والروحية، ويبدو أنها أخذت برأيهم وشوّهت القانون الذي تقدمت به الجمعيات النسائية. النواب لا يمرّرون مشاريع أخرى تتعلّق بأمن المواطنين وسلامتهم كالخطة الدفاعية، مثلاً- إلى المحاكم الشرعية والروحية قبل إقرارها، لكنهم يفعلون ذلك بقانون ذي صلة بالنساء تحديداً؛ ألا يعني ذلك أننا رعايا لدى الطوائف لا مواطِنات في هذه الدولة!

أقصد أن الأنظمة التي لا تعترف بالـ «مواطَنَة» أصلاً، كيف نطلب منها الاعتراف بقضايا مثل حقوق المرأة والمساواة؟
الواقع أن هذه الأنظمة مراوِغة؛ فإن كانت لا «تعترف بالمواطَنةّ» عامّة، فهي تقدّم للمرأة مكتسبات وهمية تجعلها تبدو دولاً «حديثة». همّها تبييض صفحتها أمام العالم. ما تقدّمه بيد تعود فتسترده باليد الأخرى. فإن أبرمت قانوناً لصالح المرأة فهي تفرّغه من محتواه. وحين تنشئ هيئة رسمية لشؤون المرأة تقوم بتعيين أعضائها وفق التوازن الطائفي،لا تبعاً للجدارة، وحين توقّع على مواثيق دولية تتحفّظ عن أهم البنود فيها… إلخ.

العدالة «الجندرية»
في عالمنا العربي، ثمة اعتقاد أن المرأة «المهمّة» تخسر مشروعها لدى ارتباطها برجل «مهمّ». تختفي وراء ظلّه وظلّ عائلتها. بينما يكمل الرجل مشروعه، غير مبالٍ بها. أين تقع مسؤولية المرأة في الدفاع عن كينونتها؟

هذه الشريحة من النساء اللواتي تصفين بالـ«مهمّات»، و«لديهن مشروع» يملكن إمكانية الاختيار. ثمة امرأة تختار أن تكون «ربّة بيت»، وهو «مشروعها». بالمقابل، ثمة امرأة تتأزم نفسياً عندما تقدّم هذا الكمّ من الجهود والتضحيات التي يفترضها إنشاء العائلة وصيانتها وتشعر بأن ذلك جاء على حساب «مشروعها» الخاص. وما تفعله بعض النساء حالياً هو الخيار المزدوج: ربة بيت وحاملة لمشروع خاص بها. والمجتمع اللبناني، كما بيّنتُ في أكثر من موقع في كتابي، لا يعترف لها بالجهود التي تبذلها. فلو كانت المرأة مواطِنة، فإن مسؤولية « الدفاع عن كينونتها» لا تقع على عاتقها وحدها، بل على عاتق المجتمع أيضاً؛ فحين تختار المرأة أن تكون ربة بيت، مثلاً، يتعيّن على المجتمع الاعتراف بأن ما تفعله عملٌ له قيمة توازي أيّ عمل آخر، وبأنه ضروري لبقاء المجتمع وأشخاصه. وحين تختار أن تكون، إضافة إلى ذلك، عاملة في مهنة خارج المنزل عليه أن يؤمّن للأسرة مؤسسات داعمة لرفاهها، لأن رفاه الأسرة مسؤولية المجتمع، لا مسؤولية المرأة لوحدها.

ما هو، برأيك، دور المؤسسات التربوية والقضائية والاجتماعية في لبنان في ترسيخ فكرة العدالة الجندرية؟
كما هو معروف، وقّعت الدولة اللبنانية على» اتفاقية إلغاء التمييز ضد المرأة». وحين تقرئين آخر ثلاثة بيانات وزارية، ستخرجين بانطباع أن الدولة اللبنانية تسعى إلى تحقيق العدالة «الجندرية». دورنا، كمجتمع مدني، أن نأخذ كلامها على محمل الجدّ ونساعدها على تطبيق ما تقوله بتوفير رؤيتنا التفصيلية لهذه العدالة، لأننا بادرنا قبلها إلى صوغ هذه التفاصيل. لكن يبقى أن المؤسسات الرسمية التربوية والقضائية والاجتماعية هي التي تترجم رؤيتنا على أرض الواقع، والتدابير التي تتخذها تعمل على ترسيخ فكرة العدالة الجندرية. دورها رئيسي ولا يمكن استبداله.

«نحو إسلام للمسلمات؟ كنّا 250 امرأة في كوالالمبور» هو عنوان الفصل الأخير من الكتاب. هل توافقين على أن الإسلام في جوهره، لا ينصف المرأة؟ مسألة تعدد الزوجات، الطلاق التعسفي، منع الحضانة والولاية عن النساء، جعل المرأة نصف شاهد ونصف وارثة؟
لدى إطلاق «حملة مساواه» في كوالالمبور، التقيتُ نساء مؤمنات بالدين الإسلامي ونسويات في الوقت نفسه؛ هؤلاء يرفضن الفقه التمييزي الذي صاغه الرجال وينظرن إلى جوهر الإسلام بوصفه رحمة وعدالة. أنت تتحدثين عن تطبيق الإسلام كما أوّله الفقهاء من الرجال. بينما تقول هؤلاء النساء إنهن قادرات على إعادة صياغة الفقه بطريقة تحقق العدالة الجندرية.

لكن الموضوع لا يتعلق بالفقه وحده! بل في ما ورد في القرآن!
نعم، لكن هؤلاء النسويات يعملْن على إعادة تأويل السوَر القرآنية نفسها بطريقة تتناسب مع حقوق الإنسان. ثمة سوابق لإعادة تأويل القرآن وسوره في سياقات اجتماعية حالية أفضت إلى إلغاء الرقّ والقبول بالربا والامتناع عن تطبيق الحدود العنفية، مثلاً. قياساً على هذه السوابق، يمكن، برأي الإسلاميات النسويات، منع تعدد الزوجات والطلاق التعسفي، والحكم بالمساواة بالإرث… إلخ. والبقاء، مع ذلك، تحت مظلّة الدين الإسلامي.

الحرية الجنسية في مجتمعاتنا هي، إضافة إلى أنها دعوة تحررية، قد تفضي إلى القطيعة مع المحيط. كيف تشرحينها بين الانتماء إلى الجماعة والقطيعة معها؟
لا تزال «الحرية الجنسية» في مجتمعاتنا قراراً شخصياً، والرأي حولها لا يُجهر به. الحركة النسوية عندنا لا تدعو إلى هذه الحرية لأسباب كثيرة قد لا يكون أهمّها «القطيعة مع الجماعة»، إنما تبعاً لترتيب في أولويات المسائل وإلحاحها. وكما بيّنتُ في كتابي، فإن النسويات اللواتي رصدن الخبث المقبول والمتعايش معه المتمثّل بممارسات كـ«رتق البكارة»، مثلاً، غير معنيّات باتخاذ موقف منها.

تهدين كتابك الأخير إلى شابات الثورات العربية وشبّانها. كيف تنظرين إلى دور الشابات في تلك الثورات؟ من كان يتوقع مثلاً أن تقود حركة الاحتجاجات في اليمن امرأة؟
أنا لم افاجأ. لطالما كان للمرأة دور في الثورات ضد الاستعمار والاحتلالات بدءاً من الجزائر مروراً بمصر وحتى شرقنا في سوريا وفلسطين وصولاً إلى اليمن. وهي كانت دائماً حاضرة إما بمشاركتها الصريحة في الأعمال الحربية وفي التحرّكات الجماهيرية أو بدعمها اللوجستي. الفرق أن الإعلام لم يكن ينشر المعلومة فوراً كما هو حاله اليوم، فكان طمس مشاركتها ممكناً؛ نحن حالياً نشاهد بأم العين النساء في الساحات متظاهِرات ومعتصِمات ومتعرِّضات للقمع تماماً كالرجال، وما عاد بإمكان أحد الادعاء أن الرجال هم صانعو الثورات وحدهم ولا تجاهل دور النساء في إنجاحها، فبات من الصعب تكرار سيناريو الثورة الجزائرية: إقصاء النساء عن مكتسبات الثورة بعد إعلان نجاحها.

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *