إذا نظرنا إلى جسم المجتمع في ظل النظام الديكتاتوري عبر البلورة السيكولوجية التحليلية، وجدنا أنفسنا أمام جسم معقد، ليس من السهل الدخول في عمل تشريحي لكل عضو من الأعضاء التي يحويها، نتيجة التداخل الفظيع بين وظائف مكوّناته، المرئية منها وغير المرئية.

إذا نظرنا إلى جسم المجتمع في ظل النظام الديكتاتوري عبر البلورة السيكولوجية التحليلية، وجدنا أنفسنا أمام جسم معقد، ليس من السهل الدخول في عمل تشريحي لكل عضو من الأعضاء التي يحويها، نتيجة التداخل الفظيع بين وظائف مكوّناته، المرئية منها وغير المرئية.
قد لا يؤدي الوصف التحليلي إلى نتائج واضحة إذا لم ترافقه نظرة ميتاسيكولوجية، تتعدى وصف الظواهر النفسية، لتعمل على تأويلها بحسب دينامية الصراع بين القوى النفسية، وتمظهراتها الكمية، ومواقع سيروراتها في الوعي واللاوعي. يتم تأويل الجسم الإجتماعي على ضوء نظامه، وتأويل النظام على ضوء المجتمع وخطابه النفسي الذي يتعاطى معه من خلاله. تتغير ماهية المجتمع في أطوار عدة، ولكن من المتفق عليه أنه ليس مساحة للأفراد بل للجموع، التي يجري تمييزها مورفولوجياً، كجموع متجانسة، غير متشابهة، طبيعية أو اصطناعية رازخة تحت الإكراه الخارجي، بدائية، متمايزة، منظمة، بلا قادة أو على رأسها قائد واحد. تتشابك التأثيرات بين خطاب الديكتاتورية النفسي والجموع والفرد غير الحاضر إلا ككائن آليّ، تسيّره شخصيته الجمعية غير الواعية، صاحبة العاطفة المتضخمة، والنشاط الفكري المنكمش. إذ يكون الفرد تحت تأثير الإيحاء الذي يلغيه ويذوّبه في الجمع، الذي يتصف باندفاعه وانفعاله السريعين، برغبته العارمة وغير المثابرة، وهي رغبة واحدة تتحكم بكل شخصية من شخصيات الجمع، التي تتلاشى غريزة البقاء عندها، وتصبح مقهورة، سريعة التأثر، تالياً سريعة التصديق بلا أي حس نقدي، وتبادر إلى التطرف بعد محو الحدود بين اليقين والشك، بين النفور والكراهية والحقد. هذا كله تحت غطاء خطابي له آلياته البسيكو لغوية التي يستخدمها النظام على مدار الساعة، اجتماعياً، عبر بوليسه وجيوبه الاستخباراتية، إعلامياً، من النشرة الإخبارية وصولاً إلى برامج الأطفال، مروراً بالأفلام والمسلسلات المعروضة على قنواته الرسمية.

يوجّه النظام مشاعر الجمع وأفكاره بطريقة الإيحاء، التي تعزز الميل لديه بتحويلها أفعالاً. لا تتطلب هذه العملية الإيحائية أي نسق منطقي. يكفي أن يكرر النظام بلا انقطاع مشهداً واحداً صارخاً ومبالغاً في تصويره، ويقدم الكلمات الغيبية الرنانة، والملفوظة بنبرة عالية أمام الجموع، حتى تنشأ الأعصبة الجمعية التي تقطع بين الوهم والحقيقة. تتمثل عصابية الجمع في عروضها الخيالية، وشعورها بالذنب المشحون بقوة وجدانية تلغي الواقع الفردي الموضوعي، ليحل محله النشاط النفسي بعناصره الانفعالية البحتة. هذا من ناحية الرابط الإيحائي العمودي بين النظام وشخص القائد من جهة، والجمع أو الجمهور من جهة أخرى. من الناحية الأفقية، يجمع رابط الإيحاء المتبادل بين مكوّنات الجمع المتشابهة، وتحافظ القوة الإيروسية على تماسكها وتلاحمها، تالياً يشعر الفرد المنضوي تحت جناحَي الجمع بالحاجة إلى أن يكون متوافقاً مع سائر أعضاء الجمهور، عازفاً عما هو شخصي لصالح التجانس الجمعي، الذي دخل إطاره بالإكراه، وإذا حاول الفرار منه عوقب بقسوة وصرامة، لأنه أخلّ بالبنية العصابية، والروابط الإيحائية بالرئيس، والليبيدوية التي تخترق الجمع المرصوص. كل خلل يصيب شبكته الإيروسية يؤدي إلى ظهور الهلع في صفوفه. فالهلع يفترض الزعزعة في بنية الجمع الليبيدوية، وهو شبيه بالحصر العصابي، أي الانفعال الذي يوقظ لدى الفرد فكرة مبهمة وقوية عن خطر مجهول يحدق به، بعد أن يتموضع الليبيدو داخل كل فرد منقطع عن الخارج الجمعي. في الحالتين، الهلع أو الخوف، يكون الجمع على وشك التحلل والتفكك.

لا ريب في أن النظام الديكتاتوري يزعزع هذه الروابط الليبيدوية ويعيد تشكيلها بحسب حاجته. يتبع نظام الأسد هذه العملية النفسية لمواجهة ثورة شعب خرج من إطار الجمع، الذي أبقى النظام قسماً منه تحت رقابته، متحكماً به مباشرةً. فالانفجار الذي استهدف دمشق، واتهم النظام “القاعدة” بتنفيذه، بثّ حالة من الذعر في صفوف جمهور النظام، الذي كشف عن الفاعل خلال نصف ساعة، وبطريقة الإيحاء الإعلامي، المكرر لمشاهد الجثث المحروقة والمباني المتفجرة. ربط جمهور النظام بين “القاعدة” والمنتفضين ورمى على عاتقهم مسؤولية كل عمل عنفي سابق أو لاحق. بعد أقل من ساعتين من الانفجار، تشكلت صفحات افتراضية حملت شعارات عصابية، عنوانها الرئيسي الانتقام من “أعداء الوطن”، أي المنتفضين، “من أجل راحة الشهداء”. فعدوّ الجمهور المؤيد هو الانتفاضة التي تطالب بحريته قبل المطالبة بحرية المنتفضين الذين تحرروا منذ بداية الثورة. غير أن نظام الأسد لن يتمكن من الاستمرار في تصوير الانتفاضة على أنها عدوّ جمعه، لأنه سيخسر روابط هذا الجمع، مهما سعى إلى تصويرها طائفياً أو مناطقياً أو قومياً. فموضوع الذعر الذي بثّه، مستغلاً الرابط الليبيدوي الذي يجمع بينه وبين الجمع، غير واضح، وحديثه عن “القاعدة” و”المجموعات المسلحة” يضخم العدو ويترك جمهوره يتخيّل شكله وكيفية مواجهته. خطوة بثّ الذعر في جمهوره، هي الأولى تحضيراً لشن حرب ضد هذا الجمهور الذي يؤيده، وليس ضد الانتفاضة التي قرر القضاء عليها منذ اللحظة الأولى. بعد انفجار دمشق، بات واضحاً أن النظام سيتخلص من “محبّيه” ليحافظ على نفسه، لكن الحظوة التي يمارسها على جمعه ستسقط أمام غريزة البقاء المهددة من قبله، وسيعرف المؤيدون أن النظام يستخدمهم كحطب لحروب يشنّها ضدهم، وأن الرئيس لا يكترث بهم، ولا “يحبّهم” كما “أحبّوه”.

لا يتوقف عمل النظام النفسي عند حد الإيحاء وبثّ الذعر والتلاعب بالروابط الليبيدوية. من خصائص الجمع توهّمه حضور الزعيم في صفوفه، ما يزيد من تعلق الأعضاء العاطفي به، خصوصاً في سياق التشكل العصابي، وتحت تأثير المكبوتات التي تتخلى عن مواضيعها، بسبب التحولات الليبيدوية. فيسكن الزعيم، موضوع التعلق الجديد، جسد المتعلِّق به، الذي يفتش عن سمات مشتركة أكثر أهمية وتعداداً ليكتمل ويتطابق مع شخص الزعيم المستبطن في ذوات محبّيه. تعتبر هذه الحالة الاستبطانية، في غالب الأحيان، الطريق إلى الإصابة بالسويداء وما يتبعها من إذلال ذاتي قاس. فإذا انتُقد الزعيم، دافع مؤيده عنه إلى درجة أنه ينهال على نفسه بأقسى الانتقادات والتأنيبات، كأنه يعاقب زعيمه، لكنه في الواقع لا يعاقب سوى ذاته. كما نلاحظ أن أي عضو في الجمع، كان قد استبطن الزعيم في ذاته، يريد، في وعيه، التحرر من خوفه لكنه غير قادر لأنه خاضع لقوة المكبوت داخلياً والنظام الجمعي خارجياً، الأمر الذي يجعله مشلول الإرادة والحركة. هذا الشلل ناجم عن علاقة نوامية يمارسها زعيم كليّ القدرة، منوِّم، على فرد عاجز، منوَّم، أساسها طاقة المحظور والخوف منه، بالإضافة إلى تثبيت أنظار الجمع على عيني الزعيم الذي تحضر صوره الضخمة في كل مكان. لا يرى المنوَّم صورة الزعيم إلا انعكاساً لصورة والديه. فالنوام نوعان، الأول أمومي، ينتج من إيحاء مسكّن، والثاني أبوي تهديدي. أمر الجمع بالنوام، أمومياً أو أبوياً، يعني انصراف اهتمامه عن وقائع العالم الخارجي، والانشداد نحو الزعيم والجمع فقط، أو نحو المثال الأعلى الذي يزعم أنه يمتلك قوة غامضة تفيض عنه وتعرّض الآخرين للخطر إذا تجرأوا وحدّقوا فيها. أمامهم خياران، إما النوم وإما الموت.

يحمل التراكم القمعي والحرمان المتفاقم خلال فترة زمنية طويلة عدداً من الأفراد على الانفصال عن الجمع واضطلاع كل واحد منهم بدوره الخاص المتمرد على آليات التفتيت والإيحاء والاستبطان، بشكل غير جمعي، وغير مرضي، يسمح بإعادة التوازن بين الرغبة والواقع، ويعيد البنية الليبيدوية إلى شكلها الموضوعي الطبيعي. كل ميل من الميول له موضوعه المناسب، غير المتعلق بمثال أعلى، الزعيم أو الجمع. هؤلاء الأفراد يشحذون خيالهم بالواقع، ويتقدمون بشاعرية فردية، ليست بطولية بالمعنى النفسي، أي التقدم ملحمياً في الخيال فقط، أو أن الفرد يصبو إلى أخذ مكان الزعيم، بل يكون التقدم متفلتاً من مثلّثات التنويم، ومنعتقاً من التطابق بين الحظوة الأبوية والحصر الأمومي، وما يولّدانه من ذعر وخوف جماعي غير واضح الموضوع. من هنا، في إمكاننا تفسير كل هذا الخيال العظيم في الشوارع، الذي يتجلى لغوياً وخارج اللغة في الثورات الشعبية، حيث يخرج الشارع شعرياً على الجمع، والأفراد يواجهون الخطر بخيالهم الذي يترك آثاره في كل مكان. كل فرد في الإنتفاضات والثورات هو شاعر انفصل عن الجمع وخلق لنفسه العالم الذي يرغب به، بطرق عصابية ربما، لكنها غير أعراضية، لا تجعله يفقد التوازن بين حاجاته الحيوية الكبرى وعوامل تطوّره السيكولوجي النفسي، التي كان يخيّل إلى النظام أنه يعالجها كأمراض سياسية واجتماعية. هكذا يخرج الأفراد في الثورة خروجاً شعرياً، يؤثر في ما بعد على أجزاء جمعية أخرى، لم تعد ترغب بهيمنة قوة غير محدودة عليها أو باستبدال المثال المهاب بموضوع مثالي آخر، والزعيم بآخر أقل أو أكثر قسوة. فالروابط بين هذه التجمعات الفردية الشعرية لا يحددها سلطان الإيحاء الإنفعالي، ولا القوة الإيروسية المتطرفة في إعاقتها إلى درجة التعلق بنظام مجرم.

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *