هل تتظاهرون في الشارع أيضا؟ وان لم يكن كذلك، لماذا اخترتم أن تعبروا بالفن وليس بالنزول الى الشارع؟
علاء خنجر:

هل تتظاهرون في الشارع أيضا؟ وان لم يكن كذلك، لماذا اخترتم أن تعبروا بالفن وليس بالنزول الى الشارع؟
علاء خنجر:
حسنا، أنا لا أعيش داخل سوريا ويا ليتني كنت فلم أكن لأسأل هذا السؤال، فمن البديهي أنني سأنزل للتظاهر هذا كوني لا أرى ما هو أجدى في هذه المرحلة من ملء الشوارع متظاهرين في المستوى الأول، بنفس الوقت التظاهر لا يمنعني من إنتاج الفن بل بالعكس ستكون مظاهرة واحدة ضمن شكل التظاهر الحالي في جميع مناطق سوريا كافية كي تستخلص عدة أعمال فنية لذا فلا أجد للسؤال الثاني مكانا كون النزول للشارع والتعبير بالفن لا يتناقضان بل العكس فالعمل الفني النابع من تماس مباشر بالحدث اليومي في الشارع لا بد أن يكون أصدق وأقوى في تعبيره عن الحدث فكم بالحري لو كانت هذه التجربة علي تماس بالموت والحرية، وكوني أعيش في الجزء المحتل من سوريا فأنا أحاول الاقتراب قدر المستطاع من الحدث طبعا مع فارق بالغ الأهمية وهو رصاصة الشبيح التي لا يمكنها أن تطالني عبر شاشة الانترنت لذا فالتجربة الشعورية مختلفة تماما، هنا أشعر بصغر حجمي أمام هؤلاء الأبطال. من جهة ثانية وبشكل شخصي أجد أن الإنتاج الفني في هذه المرحلة أي في مرحلة حركة تاريخية حادة كالثورات أو كحرب أو تغيير اجتماعي حاد يكون الإنتاج الفني مختلفا بالضرورة أو لأعبر عن وجهة نظري بشكل أدق أجد أن عليه أن يكون مختلفا – وأقصد بـ”عليه” أن يكون قرارا واعيا – بالتعاطي مع مواضيعه فالمرحلة تحتم تكريس الفن لخدمه الهدف الذي يؤمن به الفنان الذي هو جزء من هذا الحراك ومن هنا وجدت نفسي أقترب أكثر إلى الملصق والغرافيك كتعويض عن العمل الفني لسبب سرعة وصول الملصق وقدرته على القول السريع بالإضافة لسهولة التحريض وطرح المقولة من خلال التصميم. هذا لا يتنافى طبعا مع إنتاج عمل فني لكن لا بد له أن يكون على علاقة مباشرة بالهدف.

حسين خزام:
لا قدرة لي للتظاهر في الشارع بسبب وجودي خارج سوريا لكني على يقين أنني لو كنت في سوريا لكنت الآن إما شهيدا أو معتقلا، أعتقد أن لا شيء يعادل التظاهر “فيزيائيا” في الشوارع والأمكنة التي طالما كانت رموزا للقمع والإسكات وتكميم الأفواه لا بل حتى العيون، لأن التحدي يكون مباشرا وحسيا، لكن التظاهر عموما كفعل إظهار ونقيض لأي إخفاء أو انخفاء فأشكاله عديدة (الوجود نفسه هو “كشف لإخفاء” كما كان يقول هايدجر )، انه في الجوهر عملية “تعبير حر” وفعل “إخراج” وهنا يلتقي مع الأشكال الفنية كافة.

ما الفرق بينهم، و ايهما أقوى؟ وكيف يؤثر الفن على الشارع و يتفاعل معه؟ ومن يؤثر بالآخر أولا؟
علاء خنجر:
بالطبع الفرق شاسع بين التظاهر في هذه الظروف وتصميم ملصق أو فيديو نحن هنا لا نتحدث عن تظاهرة من أجل توجيه رسالة أو رفع شعار أو احتجاج على ممارسة ما بل هي انتفاضة شعب يعيش تحت وطأة آلة قمع مخيفة تواجهه بالموت فلا يمكن مقارنتها بإنتاج عمل فني مهما ارتقى الفن في مستوياته فمن الصعب لو لم نقل مستحيلا أن يصل مستوى هؤلاء الذين يرفعون صوتهم أمام البنادق “الموت ولا المذلة”. مرسمي محمي باربعة جدران أما هذا المتظاهر فمحمي فقط بشجاعته، بقدرته على مصارحة الموت لأجل حرية غيره، هذه المعادلة يمكن أن يعبر عنها الفن بشكل ما لكن من المحال أن يصلها، بالنهاية المعادلة بين التعبير الفني والتظاهر ليست على حد مقارنة بل هي متكافلة فالفن لا يمكن أن يحيا بعيدا عن الشارع أو ربما قد يحيا ويكون مشهورا أيضا هذا صحيح لكن لا أجده فنا حقيقيا هو شيء من البصري ممزوج بالمال والموضة، هذا رأيي طبعا الذي يخالفني عليه الكثيرون لكن العلاقة المتكافلة بين الشارع والشكل الفني هي التي تقود لتأثر كل طرف بالآخر بالتالي تقود لتطور المجتمع بكليته. يمكن هنا طرح مثال مهم في علاقة الفن والفنان بالمجتمع هذا المثال ليس بالبعيد وقد كان في الثورة الفلسطينية، ولا يمكن ألا نتذكر هاني جوهرية المصور الشهيد وغيره طبعا كسلافة جاد الله ومطيع عمر وغيرهم. كان صناع السينما في “وحدة أفلام فلسطين” (١٩٦٨) مقاتلين حقيقيين كان الطاقم فدائيا بالمعنى الحرفي للكلمة كانوا يخرجون للعملية الفدائية الكاميرا والبندقية جنبا إلى جنب، طبعا الفارق مع الانتفاضة السورية هو البندقية. هذا النوع من الإنتاج الفني الذي هو على تماس مباشر بالشارع وبالعمل الثوري هو القادر على بلورة شكل فني متناسب مع المجتمع.

الكلمة الآن للانتفاضة وكما كان شعار الثورة الفلسطينية في ستينات وسبعينيات القرن الماضي: لا صوت يعلو صوت البندقية فاليوم في الانتفاضة السورية لا صوت يعلو صوت الانتفاضة. ودور الفن يأتي لإذكاء حماس الجماهير وتشجيعها على المضي والصمود والكفاح ومدها بثقافة سياسية لمواصلة الكفاح كذلك تحريض المترددين ومدهم بالثقة للالتحاق بالانتفاضة. الانتفاضة هي من تعطي الفن مقاييسه الصحيحة مثلما نفخت فيه النفس القوي للظهور والوقوف على مضامينه الحقيقية والتي ستتضح أكثر مستقبلا وكما أن التظاهر في الشارع بكافة أشكاله السلمية إلى حد العصيان المدني هو أقوى من جيش مدجج بالسلاح. كذلك العمل الفني عليه أن يكون سلاحا في يد المتظاهرين ولا أجد عبارة أدق من التي صاغها المخرج الفرنسي جان لوك غودار عن السينما: “الكاميرا التي تطلق 24 لقطة (أو ربما طلقة) في الثانية” معتبرا الفيلم السينمائي يمكن له أن يكون سلاحا فاعلا وأنا بدوري أجد أن على الفن أن يكون طلقة في يد المنتفضين في الشارع يستخدمونها ليعلو صوتهم أكثر ويستخدمونها ليسمعوا صوتهم كذلك.

حسين خزام:
لن أحدد بداية التأثير كما اختار ارسطو ان يفعل مثلا في سؤال الدجاجة و البيضة، لأنني ببساطة أعتقد أنها عملية ديالكتيك، فهي فاعلة ومنفعلة في الوقت نفسه.

سؤالي الكبير منذ أن بدأت الثورة كان عن “الحتمية”، فهل هناك هدف ما (ما يجب أن يكون) هو من يقوم بالتأثير على اختياراتي واعمالي، أم أنه انطلاق حر، من مبدأ ما، ومفتوح الإحتمالات؟

شغلني السؤال كثيرا وما زال يشغلني، ولم أرد في أي لحظة أن اشبه الواقعية الستالينية التي كانت تفترض وجود نظرية ناجزة وتامة لما يجب أن يكون عليه المجتمع، وسخّرت الفن الذي أصبح “مجرد أداة” للتعبير عن هذا الهدف الحتمي، أي أن الفن أصبح يقسر الواقع.

إن كانت هذه الثورة هي لأجل الحرية، فإن ميكانيزماتها وأدواتها هي بالدرجة الأولى “الحرية نفسها”. مبدأي في الفن، تحديده نفي: ضد الإستبداد، أي استبداد.

الفن بالنسبة لي لا يمكن الا ان يكون حرا وتحرريا ينحاز الى الجمهور والمجال العام كتعبير عنهم وكتعبير عن المستقبل، الفن نبوءة.

الفن بهذا ضد الإستبداد مرتين، لأن الإستبداد هو ضد كل تعبير بالمطلق، ولأن الإستبداد ضد المجال العام أي تبادل التعبير داخل الجماعات البشرية.

لا أخفي تأثري بالرومانسية ونظرتها للذات صانعة العالم والفن لأجل الفن، لكن الثورة قلبت كثيرا من مفاهيمي وجعلتني أدرك أن “الحرية” هي مطلب الذات والموضوع معا ولا تنفصلان.

ما هي الأشياء التي تهمكم أن تصل للناس؟ و هل فنكم موجه للناس في الداخل أم أن همكم يتركز على نظرة العالم ككل؟ وهل تستطيعون التأثير على الرأي العام العالمي بالفن؟ هل خلقت الثورة فيكم شيئا جديداً وكيف ساهمت بالإبداع وتطور الحركة الفنية برأيكم؟
علاء خنجر:
شخصيا أجد أنني في هذه المرحلة مهتم بالشارع السوري أكثر من الرأي العالمي، القضية السورية هي قضية السوريين بالدرجة الأولى، همي في أن يكون العمل الفني داعما بقدر المستطاع للشارع معبرا عنه ومقدما له ما يحتاج من وسائل للنضال وهذا بالضرورة سيصل الرأي العالمي. الفن هو لغة بصرية يفهما أي شخص ولو تحدث العمل الفني عن الانتفاضة ببساطة وعمق فسيفهمه الأجنبي. قد يكون هنالك فرق في التعاطي مع نوعية الجمهور الذي أود أن أطرح أمامه عملي الفني وهذا تفصيل صغير إذا كنا نتحدث عن عملية إنتاج فن أعم في هذه المرحلة، غير أنني لا أجد أن من مهمة الفن الخوض في هذا السؤال بل إن هذا السؤال قد يكون معيقا للعمل الفني.

أعتقد بأن الفن يمكنه أن يؤثر بالرأي العالمي، لكن دعينا نعيد صياغة السؤال بشكل أدق: ما الذي نريده من الرأي العالمي حتى نؤثر به؟ بالدرجة الأولى حاليا نحن نريد من العالم الالتفات لانتفاضة الشعب السوري، وهل يا ترى باستطاعة عمل فني أيا كان حجمه لفت الانتباه أكثر من لقطات فيديو لثلاثة شبان يحاولون تحت زخ الرصاص سحب جثة صديقهم من منتصف الطريق عبر مد قضيب حديد وسحبه نحوهم وهم يصرخون “عميتنفس بعدو عايش” فيقتل الذي يحاول سحب الجثة وتستقر رصاصة أخرى في المصور ليستشهد هو أيضا. لا أعتقد أن عملا فنيا أيا كان أبلغ وأكثر قدرة على التأثير مما نشاهده في اللقطات المصورة التي تصلنا بكميات على اليوتيوب.

حسين خزام:
كان من المهم دائما كما أسلفت سابقا، التعبير عن الجمهور و الأفق، لذلك كانت الأعمال تتوزع بين تعبير مباشر عن أحداث ووقائع يومية و بين رسم آفاق.

من جمالية الأفق هو أنك تراه لكنك لا تستطيع أبدا الوصول اليه، فهو بهذا لا يعتبر حدودا بل انفتاحا، كما أن الأفق هو فصل بين عالمين الأول هو أرضي طبيعي والآخر هو سمائي ميتافيزيقي، و لذلك أحيانا كنت أصرف يومين كاملين في تصميم كلمة حرية أو ثورة لأنني أردت التعبير بها عن “المطلق” الذي هو بالمفهوم الهيجلي نقطة الجمع بين العالمين.

تلك النقطة الجامعة وجدتها في الثورة السورية والمتظاهرين الأسطوريين، الذين خرجوا في العالم الطبيعي غير آبهين بالموت الذي كان استمرارية وليس قطعا. إذاً فجأة وجدت نفسي أمام “المطلق” يدعوني لأعبر عنه.

ولأن الحرية هي قضية انسانية بامتياز،كان طبيعيا جدا الإستفادة من كل التراث العالمي وثورات الإنسان في كل مكان حتى في الأسطورة، فتجدون تصاميم هي عبارة عن تعديلات على لوحات من عصر النهضة، لوحات اخرى متأثرة بفنون الخط الإيرانية، لوحات أخرى تقتبس من أعمال كبار التجريديين والإنطباعيين والواقعيين وأخرى تستلهم أساليب مصممي الغرافيك الكبار.

نلاحظ عدم وجود امضاء واضح لأسمائكم، و كل انسان يحب ان يرى امضائه تحت اعماله، أليس لديكم حلم شهرة؟ خصوصا ان أعمالكم تنتشر بكثرة!
علاء خنجر:
لا أعتقد أن أحد لا يحب الشهرة فضلا عن أهمية انتشار العمل واتساع رقعة مشاهدته بالنسبة للفنان، لكن بربك هل هذا وقت الشهرة أو البحث عنها، من يبحث عن الشهرة في هذه الفترة لا يمكن وصفه سوى بالمتاجر في تضحيات الشعب. نحن ننتج للثورة باسم الثورة. هذا غير أن عملية الانتاج مختلفة جدا فهي تتم غالبا بشكل جماعي وهنالك من لا علاقة لهم بالفن يشتركون بالإنتاج من وضع الفكرة حتى إخراجها النهائي وهذه الطريقة بغاية الأهمية وبالنسبة لي شخصيا أجد في طريقة العمل هذه متعة تغنيني عن زيف الشهرة. إن من أهم إفرازات الثورات العربية أو ما نرى منها على الأقل هي القدرة على تغيير بعض الأفكار النمطية كالزعامات والنخبوية حتى بات الشارع أخيرا مصدر الشرعية والمحرك الأساس بما فيه من كافة شرائح الشعب.

حسين خزام:
من ناحية أنا أعد نفسي طارئ على “الفن”، أقصد الفن الأكاديمي، ولا أميل الى العمل بالفن مقابل أجر، و طبعا لا يهمني أن يكون لي اسم فيه، فإذا كان الفن كما أسلفت تعبير حر فأنا ضد كل من يقيم حدودا له (مثلا في الشركات أو الورشات الخاصة عندما يكون عليك أن تقوم بتصميم او عمل فني لخدمة حملة اعلانية ما…)

ومن ناحية أخرى، لدي مشكلة مع مفهوم الشهرة، فإذا كانت الأعمال لاقت نجاحا في الثورة وتفاعلت معها وأثرت وتأثرت بها وستستمر بذلك بعد سقوط النظام (لأن الثورة الحقيقة ستبدأ مع سقوطه)، فأي معنى لشهرة صاحب الأعمال؟

إن كان المبدأ هو الحرية نفسها فأنا لا أريد أن تتقيد الأعمال بمعرفة و شهرة صاحبها، فليتكلم العمل عن نفسه بحرية و ليس بإسم صاحبه المشهور أو المغمور …. أقدر دائما نموذج “الجندي المجهول” لأنه اولا: الأكثر حضورا و لو أن لا اسم له، و لأنه ثانيا: “كل” جندي و “أي” جندي في نفس الوقت. أعمالي كلها موقعة و ستوقع بإسم “الشعب السوري عارف طريقه” هذا الشعب، هو “أي” سوري و “كل” سوري الآن و في المستقبل.

معركتي أيضا، هي ضد جماعة “جميع الحقوق محفوظة”، فنحن ليس عندنا ثقافة الكوبي ليفت، والتي تسمح لك بالاقتباس والاستلهام من أعمال الفنانين الآخرين والتعديل عليها مع ذكر المصدر، وكأن العمل الفني ليس عمل موجه للإنسانية كلها وملك للجميع (تخيلوا كل مرة نريد أن نقرأ محمود درويش علينا ان تشتري ديوان محمود درويش لأن جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة محمود درويش أو لمحمود درويش نفسه). في هذا السياق أدعو الجميع إلى اخذ كل أعمالنا والتعديل والتبديل والخلق إذا أمكن .. لنغذي هذا الديالكتيك المتواصل بين الذوات الفنية الخلاقة.

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *