نالت حكومة سعد الحريري ثقة لا سابق لها، إذ بلغت نسبة تصويت النواب ٩٤.٥٪، وذلك بعد بيان هُجِّئ أمام النواب ووسائل الإعلام، ومسألة عدم القدرة على القراءة كانت ضرورية لمعرفة جيداً ما ستحضّره حكومة الوفاق الوطني.

هذا البيان الذي توافقت عليه الطبقة الحاكمة لن تتغيّر نبرته التحاصصية لو قرأه خطيب من الطراز الأول، إلا أن التركيز على الشكليات يخفي ما هو أعظم. حيث أن وقاحة الحكومة لن تعر أهمية لكيفية تقديم البيان إلى الشعب، إنما ستقدم له الخصخصة عارية حتى من ورقة التين: لنبدأ.


نالت حكومة سعد الحريري ثقة لا سابق لها، إذ بلغت نسبة تصويت النواب ٩٤.٥٪، وذلك بعد بيان هُجِّئ أمام النواب ووسائل الإعلام، ومسألة عدم القدرة على القراءة كانت ضرورية لمعرفة جيداً ما ستحضّره حكومة الوفاق الوطني.

هذا البيان الذي توافقت عليه الطبقة الحاكمة لن تتغيّر نبرته التحاصصية لو قرأه خطيب من الطراز الأول، إلا أن التركيز على الشكليات يخفي ما هو أعظم. حيث أن وقاحة الحكومة لن تعر أهمية لكيفية تقديم البيان إلى الشعب، إنما ستقدم له الخصخصة عارية حتى من ورقة التين: لنبدأ.

١) تتوجه الحكومة إلى “السير في تطبيق سياسة الإصلاح الاقتصادي التي تقدم بها لبنان إلى مؤتمر باريس٣ وتطويرها بهدف تحديث بنية الاقتصاد الوطني والحفاظ على استقراره وتعزيز فرص نموّه … وإجراء عمليات الخصخصة، وفق القوانين – المرعية والسياسات القطاعية التي تضعها الحكومة، وتشجيع اللبنانيين على المساهمة فيها”. وهنا عبارة الخصخصة هي من فضل الحكومة مجتمعة. عندما انعقد باريس٣ كانت المعارضة السابقة تتظاهر مطالبة بالمشاركة. اليوم تحققت “المشاركة” عن طريق الخصخصة.

٢) حكومة التهجئة الوطنية تريد أن تؤمن الكهرباء على مدار الساعة وبطريقة عادلة لكل المناطق، هدف عظيم، ولتحقيق ذلك تستغني عن عبارة “الخصخصة” وتستبدلها بـ”إشراك القطاع الخاص” أو “التشركة”. بالطبع، كاتبو هذا البيان لا يهدفون إلى إصابة المواطن بالملل، إنما ينوّعون في العبارات، لأن الحقل المعجمي لعبارة “سرقة” متنوع، وهذا خير دليل.

٣) في الاتصالات، ستسير الحكومة “بهيكلة القطاع وتحريره بما يتلاءم مع قوانينها (قوانين الخصخصة)، ولا سيما القانون ٢٠٠٢/٤٣١ بما يعطي الاتصالات دورها كاملاً في نمو الاقتصاد الوطني ويفسح المجال لاستثمارات القطاع الخاص على أسس تعزيز مساهمته في الإنتاج بعيداً من منطق الريع والضريبة”. الجملة الأخيرة هي من فضل المعارضة السابقة كما أصبح معلوماً، ولكن “إفساح المجال لاستثمارات القطاع الخاص”، فهي نقل البقرة الحلوب من ملكية القطاع العام إلى القطاع الخاص، طبعاً بهدف الربح وليس بهدف التنمية.

٤) في التربية، تهدف الحكومة إلى تحقيق إلزامية التعليم حتى ١٥ سنة، بالطبع عبارة مجانية التعليم لم تسقط سهواً، لأن الحكومة ترغب بزيادة تسليع التعليم وعدم إقلاق أصحاب اللحى والعمائم حتى لا تتهم بمخالفة النص المنزل من السماء السابعة (المادة العاشرة من الدستور التي تتحدث عن “حرية” التعليم).

٥) أما من ناحية البند السادس الذي استغرق وقتا أطول، باعتبار أن ما سبق ذكره اتفق عليه بسرعة، وبالأخص لأن كلمة خصخصة لها رنين خاص في جيوبهم. أتت عبارة “مقاومة” لتؤرق نوم الهانئين فوق جرّة العسل. فأخرجت عبارات من نوع “ارتداء القميص كالبنطال والعكس”. فأكدت الحكومة على “حق لبنان بشعبه وجيشه ومقاومته في تحرير أو استرجاع مزارع شبعا وكفرشوبا والغجر” (بعد تقسيم الأخيرة إلى جزأين لبناني وسوري). يحل الانفصام هنا بأبهى صوره بالفصل بين “الشعب” و”المقاومة” إذ كيف يمكن للمقاومة أن تقبل بهذه القسمة؟ هل تعتبر المقاومة أنها ليست جزءاً من هذا الشعب، الأمر الذي “يسمح” لأعدائها الداخليين باتهامها بأنها جسم منفصل عن المجتمع اللبناني، ناهيك عن ارتهانها للخارج كما يدّعون. هذا ليس مصيراً مشرفاً للمقاومة، حتى على صعيد النص، وإخراجاته اللغوية. لا مجال للمساومة، والخط البياني الذي يربط المقاومة الحالية بمقاومات أحزاب أخرى ضد العدوان الإسرائيلي، أصبح في هذه الحالة غير منسجماً. المقاومة لا تسمّى إلا باسمها، فقط، مقاومة. وهي لتحرير الأرض وليس لاسترجاعها (سقطة أخرى للمقاومة لأنها سمحت بهذه العبارة). فتلك الأرض لم توهب إلى إسرائيل (اللهم إذا فعل ذلك عملاء جيش لبنان الجنوبي الذين تدعوهم الحكومة في بيانها العتيد إلى العودة) إنما احتُلّت، وهي، لذلك، ينبغي تحريرها. كما جرى التوافق على مبدأ إقرار “استراتيجية وطنية شاملة لحماية لبنان والدفاع عنه تقر في الحوار الوطني”، مرة جديدة تقبل المقاومة التفاوض على المقاومة، ولكن في جلسات الحوار “الوطني” المزمع عقدها في قصر بعبدا، هذه الجلسات ينبغي عقدها في مزارع شبعا، المكان الطبيعي للمقاومة وليس أي مكان آخر.

ما إن نالت الحكومة الثقة حتى جاهر، على سبيل المثال لا الحصر، وزيران فيها بضرورة استكمال الخصخصة عملا بـ”التزامات” باريس٣. فأشار وزير السياحة الصناعي فادي عبود إلى أن “فرنسا مددت لمدة سنة قرضاً” لأن لبنان لم يلتزم بباريس٣ والفرصة متاحة أمامه الآن وخاصة بعد الموافقة على البيان الوزاري للعمل بـ”موجبات” هذا المؤتمر.

أما وزيرة المال ريّا الحسن فأكدت من جهتها على المضي بـ”البرنامج الإصلاحي” لمؤتمر باريس٣ ومن ضمنها الخصخصة، وهددت، إرضاءاً لوزيرة الاقتصاد والصناعة والعمل الفرنسية كريستين لا غارد الذي تحوّل اسمها سبة في المظاهرات العمالية في فرنسا، قائلة: “سيتضرر بشكل أكبر في حال عدم المضي” في هذه الإصلاحات وخاصة في قطاعي الكهرباء والاتصالات.

قد يكون هذين المثلين نموذجاً لسماع ورؤية مشاريع خصخصة ستبدأ بالتطبيق، إلا أن نموذجاً آخر وقف بوجه هذه المحاولات، ينبغي على فادي وريّا أن يسألا هيئة التنسيق النقابية كيف أسقطت “مشروع التعاقد الوظيفي”، وأن يضطلعا على أبرز التحركات النقابية المناهضة للخصخصة التي تجوب المناطق اللبنانية (مراجعة صفحة التحركات العمالية والنقابية).

في الوثيقة السياسية لحزب الله
من جهة أخرى، صدرت “الوثيقة السياسية لحزب الله” التي نصّت على وجهة نظر هذا الحزب لهذه المرحلة، وهي، إلى بعض النفس الإيجابي في اعترافه بالمشاكل الاجتماعية والاقتصادية خاصة عندما تدعو الوثيقة إلى الاهتمام بالمدرسة الرسمية والجامعة اللبنانية وتطبيق إلزامية ومجانية التعليم، ولناحية توفير الخدمات من تعليم وطبابة وسكن، ومعالجة مشكلة الفقر، وتوفير فرص العمل، بالإضافة إلى تطبيق مبدأ الإنماء المتوازن بين المناطق، والعمل على ردم الهوّة الاقتصادية والاجتماعية بينها. إلا أنها لم تتضمن أي خطّة عمل أو استراتيجية لمواجهة الخصخصة. فلم تعتبر، مثلًا، أن المشروع الرأسمالي الإمبريالي الداعم للكيان الإسرائيلي متلازم مع مشاريع الخصخصة هنا، التي ينبغي مواجهتها.

معركة تحرير الأرض ومواجهة الاستعمار متطابقة مع مواجهة الطبقة البرجوازية الحاكمة. السؤال هنا كيف سيبرر حزب الله موافقته على المشاريع الخصخصة علماً بأن هذه المشاريع اثبت فشلها حول العالم ونتائجها الكارثية في زيادة الفقر وفي حجب الخدمات عن الناس وخاصة الفقراء؟

في مكان آخر، وتحت عنوان لبنان والعلاقات اللبنانية- الفلسطينية، يرى الحزب ضرورة “إعطاء الفلسطينيين في لبنان حقوقهم المدنية والاجتماعية، بما يليق بوضعهم الإنساني ويحفظ شخصيتهم وهويتهم وقضيتهم”. السؤال الذي يطرح نفسه هنا هل أن إعطاء الحقوق المدنية والاجتماعية لن يحفظ هويّتهم وقضيتهم؟ بمعنى آخر، هل سينسون هويتهم مثلاً ويتخلّون عنها؟ هل في هذه العبارة ما هو تطميني لحليف الحزب، التيار الوطني الحر، بأن ذلك لن يؤدي إلى التوطين؟ الجواب يمكن أن يكون نعم، بدليل سقوط ضرورة الاعتراف بالحقوق السياسية والاقتصادية من وثيقة الحزب السياسية، واقتصاره على الحقّين المذكورين. هذا من جهة، أما من جهة أخرى، فإن الحزب في وثيقته لم يرى في فلسطينيي لبنان أي مكان في تدعيم المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي. فعنوان “يا قدس نحن قادمون” لربما أصبح جزء من ماورائيات الحزب، وأصبح المطلوب اليوم هو الحفاظ على التوازن القائم ما بين المقاومة والإمبريالية، لا التخلص منها!

في إلغاء الطائفية السياسية
بعد نومة كهف استمرّت ١٩ سنة، استفاق الرئيس نبيه بري من صومه الكلامي ليخرج من قبّعته مشروع تشكيل “الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية”. بالطبع، لم يُعجب هذا الأمر العديد من القوى وخاصة لأنه، بطبيعته، قنبلة دخانية لحركة تخفي أموراً أخرى، فالبطريرك يريد أن يلغيها من النفوس قبل النصوص. عظيم، لماذا لا يلغيها من نفسه أولا؟

أما العماد عون، فيريد أن يعلّم العلمانية في المدارس لكي يتربى الأولاد على هذه “الثقافة” بحسب تعبيره. من سيعلّم هذه الثقافة يا عماد؟ هل هي مدارس الطوائف المتّحدة التي تحميها المادة العاشرة، السابقة الذكر، من الدستور؟ بالطبع، إذا أريد درس هذا المشروع فهو لن يكون على طريقة الحركة الوطنية وطائفتها- الطبقة، إنما في إطار مشروع علمنة شامل يتخلص من سياسات تقسيم الطبقة العاملة الذي تبنيها سلطة المال والطوائف.

في الواجبات الاجتماعية
إثر وفاة مجد شقيق الرئيس السوري بشار الأسد، أصبح واجب التعزية الاجتماعي معياراً لـ”وطنية” هذا الرئيس أو ذاك. بالطبع، يستحق زعماء ١٤ آذار ذلك لأن النزول عن الشجرة ليس كتسلّقها. إلا أن القرب من النظام السوري، ومن أي نظام عربي ومن ضمنه لبنان، ليس معياراً “للوطنية والاستقامة”. فخروج الجيش السوري، وبالطريقة التي حصل فيها ذلك، لم يعط مجالاً لمحاسبة الطبقة السياسية السورية واللبنانية بكافة أطيافها على مآل الأمور من فساد مشترك ومديونية كبيرة.
إن زوال الأنظمة العربية الحاكمة ضرورة لإسقاط العنصرية القائمة بين شعوب هذه الدول، وتجاه العمّال الأجانب. إن زوال الأنظمة العربية الحاكمة هو ضرورة أمام الحركة الثورية القائمة (وستقوم) في هذه المنطقة.

إن تحطيم هذه الأنظمة هي ضرورة ليكون هناك مستقبل فعلي لشعوب هذه المنطقة. وهذا هو واجبنا.

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *