تم التعرف أخيراً على مواصفات سيادة مصر: طولها وسمكها وعرضها. فسيادة مصر لا تتعلق باستقلاليتها وقدرتها على اتخاذ قرارتها بعيداً عن وصاية العم سام، أو قدرتها على حماية شعبها داخل وخارج الدولة، أو حتى وزنها الإقليمي وقيمتها في المنطقة. إنّ عمق سيادة مصر لا يتجاوز الـ٣٠ متراً تحت الأرض و بسمك ١٥ سنتيمتراً، وعلى طول الحدود مع قطاع غزّة، وهي مصنوعة من الفولاذ. مثلما كانت، منذ أسابيع قليلة، كرامة مصر عبارة عن عدد من المصريين تمّ ضربهم على يد عدد من الجزائريين، بينما لا علاقة لكرامة هذا الوطن في تعذيب المصريين على يد الشرطة والقمع والتنكيل الذي يتعرّض له كافة أفراد الشعب والنشطاء السياسيين.


تم التعرف أخيراً على مواصفات سيادة مصر: طولها وسمكها وعرضها. فسيادة مصر لا تتعلق باستقلاليتها وقدرتها على اتخاذ قرارتها بعيداً عن وصاية العم سام، أو قدرتها على حماية شعبها داخل وخارج الدولة، أو حتى وزنها الإقليمي وقيمتها في المنطقة. إنّ عمق سيادة مصر لا يتجاوز الـ٣٠ متراً تحت الأرض و بسمك ١٥ سنتيمتراً، وعلى طول الحدود مع قطاع غزّة، وهي مصنوعة من الفولاذ. مثلما كانت، منذ أسابيع قليلة، كرامة مصر عبارة عن عدد من المصريين تمّ ضربهم على يد عدد من الجزائريين، بينما لا علاقة لكرامة هذا الوطن في تعذيب المصريين على يد الشرطة والقمع والتنكيل الذي يتعرّض له كافة أفراد الشعب والنشطاء السياسيين.

هكذا نجح النظام الحاكم بحملات إعلامية يقنع بها الشعب، الذي يعيش أكثر من نصفه على خطّ الفقر أو تحته، بأن مشكلته ليست في الفساد ولا في النظام البوليسي الديكتاتوري السافر، بل هي في الأنفاق التي لجأ إليها أهالي قطاع غزّة لتهريب الأطعمة والأدوية، وربما القليل من الأسلحة لمقاومة العدو الصهيوني. وأن عدوّهم ليس أجندة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي بل فتح المعبر، أي “تدفّق” مئات الآلاف من الفلسطينيين، وهو ما يعني عبء إضافي على خزينة الدولة، وأنّ التهديد الحقيقي لأمان الحدود هي حماس التي يساعدها حزب الله المدعوم من إيران، فيصبح العدو هو إيران وحزب الله و حماس و ليس إسرائيل و قوى الإمبريالية.
الغريب هذه المرة ليس ما قامت به الحكومة المصرية، التي أصبحت تتباهى بالعمالة إلى الحدّ الذي يجعلها تستعين بالمهندسين الأميركيين والفرنسيين بالإضافة إلى شركة المقاولين العرب لتركيب الجدار الذي تمّ تصنيعه في أميركا، ولا بمنعها قوافل المساعدة الآتية من بلدان العالم المختلفة بل وضربها للمتضامنين، لكن الغريب هو ما لم تفعله المعارضة المصرية حتى الساعة، أي إن أي من تيارات المعارضة المصرية لم تستغلّ ذلك القرار الذي يفضح عمالة النظام بشدّة.

سقطت ورقة التين عن كلّ التيارات السياسية. فالإخوان المسلمون، وهم أكبر فصيل سياسي مصري، والذي يتمّ حساب حماس على أنها فصيل تابع له، لم يقوموا بأي ردّة فعل. فهي جماعة تعاني الآن من حالة كبيرة جداً من الانقسام، على عكس ما حدث أيام حرب غزة السنة الفائتة حيث قامت خلالها بحشد مئات الآلاف في مظاهرات. ولكن حتى أثناء المظاهرات لم تكن شعارات الإخوان وهتافاتهم موجهة ضد النظام المصري المشارك في الحصار والمتواطئ بصمته مع الإسرائيليين. أما في حالة الجدار الفولاذي، ولأن الخصم المباشر هنا هو النظام المصري وحده، وبسبب الطبيعة الوسطية والانتهازية الناجمة من كون الإخوان تنظيم يتشكّل بالأساس من البرجوازية الصغيرة، فإنه يوائم ما بين مصالحه الذاتية ومدى معارضته للنظام.

فكلّ ما استطاعت أن تفعله أكبر قوة سياسية في مصر، في قضية من المفترض أنها من أهم القضايا على أجندتها، هي إصدار بيان يطالب بوقف بناء الجدار والسماح لقافلة شريان الحياة بالمرور. وعبر التعاون مع باقي المستقلّين وبعض المعارضين داخل مجلس الشعب قاموا باستجواب الحكومة، وهو أمر غير مجد مع حكومة أصبح وزراؤها يسبّون شعبها بالدين. أما الليبراليون فلم يصدروا أي موقف ولن يصدروا، ما خلا بعض الشباب المتحمس للقضية الفلسطينية، حيث إن أفكار كلّ الأحزاب الليبرالية تتقاطع بشكل مباشر مع فكرة الجدار، وأجندتها لا تختلف كثيراً عن الأجندة الأميركية، ولكنها لا تستطيع التصريح بمواقفها جهاراً لما سيجلب عليها من سخط شعبي وسيظهرها، لهذه القوى الليبراليـة، بمظهر المتواطئ أو العميل المستقبلي الذي يريد الإطاحة بالعملاء الحاليين.

أما اليسار في مصر فهو من أضعف التيارات بمختلف توجهاته. لا يستطيع أن يشكّل بعد قوة ضغط. بالإضافة إلى أن بعض الأفكار التي يطرحها اليسار، من مثل أن “تحرير فلسطين يبدأ بتحرير القاهرة”، وعلى الرغم من أنها، بالتحليل العلمي والمنطقي، هي الأكثر صحة، لكن شعاراً كهذا يجعل الناس تشعر بالعجز لعدم دنوه منهم. إلاّ أن الأنشط الآن هم شباب كلّ تلك التيارات والأحزاب والقوى.

والمتابع الجيّد لدور مصر يجد أنها فقدت دورها الإقليمي منذ زمن، وأصبح دورها مغايراً بعد اتفاقية كامب ديفيد. فسيناء، التي دائما ما تباهى النظام المصري بأنها عادت كاملة عبر المفاوضات (بما هي الطريق السليم)، فإن شبه الجزيرة مقسمة اليوم إلى ٣ مناطق، والمنطقة (ج) الممتدة لا وجود للجيش فيها، ولكن توجد قوات حرس الحدود. وكانت قد سرت شائعات منذ عدة أشهر بأن مصر طالبت برفع عدد قواتها في هذه المنطقة. وقد قال رئيس لجنة الشؤون العربية والخارجية والأمن القومي بمجلس الشورى محمد بسيوني، سفير مصر الأسبق في إسرائيل، في تصريح لا سابق له حول طلب زيادة أعداد الجيش لمواجهة الأنفاق والتهريب منها: “لا تعديل في اتفاقية كامب ديفيد.. لا نحتاج لزيادة القوات (المسلحة) المصرية هناك.. لدينا فوجان من حرس الحدود في المنطقة “ج” عن طريق بروتوكول إضافي تّم توقيعه مع إسرائيل عقب انسحابها من قطاع غزة عام ٢٠٠٥، وبهذين الفوجين نحن قادرون على تأمين حدودنا مع قطاع غزّة”.

أي أنهم و منذ أقلّ من شهرين كانوا يستطيعون تأمين الحدود أما الآن فلا، مما يجعلنا نفكر في الأسباب الحقيقية وراء بناء الجدار وفي هذا التوقيت. يبدو أنّ هناك أسباب تتعلّق بشأن داخلي مصري وأخرى بشؤون دولية وأقليمية. بالنسبة للشأن الداخلي المصري، فإنّ الحكومة تتعامل مع حماس على أنها جزء من الاخوان المسلمين وأنّ أية ضربة تتلقاها حماس هي ضربة بالوقت عينه لجماعة الإخوان. ونحن على أعتاب انتخابات برلمانية تاريخية لأنها ستحدد من سيكون الخليفة في وراثة العرش عام ٢٠١١، بالإضافة إلى تحويل أنظار الشعب لعدوّ وهمي فيما يتمّ تمرير عدّة سياسات داخلية منها قانون التأمين الصحّي الجديد وقانون الضرائب العقارية بالإضافة إلى توريث حسني مبارك الرئاسة لإبنه جمال، و أيضاً خلق عدو وهمي ينجح في عملية التطبيع، حيث تتحوّل إسرائيل إلى حليف ضد العدو “الأصلي” ألا وهو إيران.

وفيما يتعلق بالأسباب الخارجية، فقد فشلت مصر تماماً في عقد اتفاقيات مصالحة بين الفصائل الفلسطينية. ولكي تحاول الضغط على حماس للموافقة، قرر النظام المصري تجربة سلاح حصار قطاع غزة وتجويع أهله، هذا حتى لا تخفض الولايات المتحدة من المساعدات التى تعطيها لمصر.

إذاً، فنظام بمثل هذا الفساد، يبيع الغاز المدعوم لإسرائيل، ويستقبل نتنياهو في الذكرى الأولى لحرب غزة، لا ينفع معه الحوار، وتظلّ المقولة الصحيحة هي أن تحرير فلسطين يبدأ بتحرير القاهرة على يد الكادحين، ولكن ميزان القوى ما بين النظام والمعارضة يوضّح أنّ كفّة النظام أقوى بمراحل، وفي بلد فيها احتجاجات عمالية واجتماعية متصاعدة ولكن مازالت مطلبية فئوية، سيحتاج الأمر إلى وقت ومجهود وتظافر كافة المؤمنين بالقضية الفلسطينية.

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *