فكرة دولة الرعاية هي أفضل نماذج الدولة الرأسمالية كافة كونها ترتكز على العدالة الاجتماعية والمساواة، بعد كل التجارب التي وُلدت بعد الحرب العالمية الثانية، انطلاقاً من أن الإنسان قيمة فكرّست حقوق المواطنة، ومنها حق التنقل كحق من الحقوق الأساسية.


فكرة دولة الرعاية هي أفضل نماذج الدولة الرأسمالية كافة كونها ترتكز على العدالة الاجتماعية والمساواة، بعد كل التجارب التي وُلدت بعد الحرب العالمية الثانية، انطلاقاً من أن الإنسان قيمة فكرّست حقوق المواطنة، ومنها حق التنقل كحق من الحقوق الأساسية.

لكن ما زالت الفوضى هي السائدة في لبنان حتى اللحظة، وباتت معضلة النقل وتفاقمها عبئاً وطنياً يشكّل جزءاً من الأزمات القائمة، التي ازدادت تفاقماً بعد الطائف. وبعد إصدار قانون التنمير رقم ٣٨٤ الذي كرّس الفوضى ورفع من عدد اللوحات العمومية السياحية بما يزيد على ثلاثة أضعاف، حيث كان عدد اللوحات ١٠٩٤٩ ليصبح حوالي الـ٣٣ ألفاً بعد إعطاء كل مالك لوحة جديدة، ومنح الدولة حق إصدار ١٢ ألف لوحة جديدة.

الأمر ذاته طُبَق على الأوتوبيسات، فأضافوا لكل لوحة واحدة أخرى، كما أعطت الدولة لنفسها ألف لوحة، فارتفع بذلك عدد اللوحات من ٦١٨ ليصبح ٢٢٣٦ لوحة، إضافة إلى استحداث الفانات وتشريع ٤٠٠٠ لوحة، كما أضافوا لوحات إضافية للكميونات التي قفز عدد لوحاتها من ٣٤٤٣ إلى ١٥٠٠٠ لوحة.

حَصَلَ كل ذلك رغم معارضة اتحاد نقابات سائقي السيارات العمومية للنقل البري في لبنان، الذي طالب بتنظيم النقل على أساس دراسة ميدانية حسب حاجة كل محافظة، بحيث يعطى الحق للوحات الموجودة بالتنقل على كافة الأراضي اللبنانية. وكان قد بحث هذا الأمر وتمت صياغة مشروع للحل عام ١٩٨٦ في عهد وزير الداخلية جوزف سكاف سمّي مشروع التنمير التأجير، علماً أنه جرى التنبه إلى أن هكذا قانون سوف يزيد من تضرر مصالح العاملين ومداخيلهم.

يعدّ واقع الحال بعد هذا القانون العشوائي مأساوياً، فعدد اللوحات الرسمية يفوق حاجة البلد، إضافة إلى التعدّيات من أصحاب اللوحات المزوّرة التي تفوق بدورها هذا العدد بمرتين أو أكثر، والسيارات الخصوصية التي تعمل بالأجرة، وعدم الجدية في تطبيق قانون السير، والرسوم والضرائب، خاصة تلك التي تطال صفيحة البنزين. هذا وكانت الحكومة قد منعت السيارات العاملة على المازوت بحجة التلوث دون أن يطال هذا المنع السيارات ما فوق الـ٢٤ راكباً. لكن المقصود كان فرض المزيد من الضرائب والرسوم لتغطية عجز الخزينة وتسديد خدمة الدين العام بحيث يذهب القسم الأكبر هدراً وسرقة.

تمكّنت اتحادات ونقابات قطاع النقل البري، مع الاستمرار بالنضال النقابي المطلبي الديمقراطي، من وضع مشروع سياسة نقل وطنية بالتعاون مع وزير الأشغال العامة والنقل، وأعدت قراراً وقعه وزيرا الأشغال العامة والنقل والداخلية. ولكن، عندما حاول وزير الأشغال رفع المشروع إلى مجلس الوزراء، رفض رئيس الحكومة إحالته ولم يضعه على جدول الأعمال. إلا أن الحكومة الجديدة أدرجت هذا المشروع ضمن بيانها الوزاري.

يبقى علينا اليوم متابعة هذا الأمر لإقرار هذا المشروع الوطني، أولاً، ومتابعة تنفيذه ثانياً، عبر ما يلزم من قرارات وقوانين ومراسيم لوضع هيكلية تحل هذه المعضلة التي لم يتم التطرق إلى معالجتها منذ تأسيس الدولة اللبنانية، بل على العكس من ذلك قامت الدولة بنشر الفوضى.

إن تحقيق سياسة عامة للنقل هي مسؤولية وطنية بامتياز وتقع في صلب حقوق المواطن من ناحية تأمين نقل منظم، وحل مشاكل متعددة، اقتصادية، اجتماعية، بيئية، والتخفيف من عبء زحمة السير التي تخنق الناس. كما يساعد على تخلّي أعداد كبيرة من المواطنين عن فكرة شراء سيارة، لما في ذلك من أعباء كبيرة من مصاريف وتكلفة صيانة لكل سيارة ناهيك عن ثمنها.

إن هذا الإنجاز يشكل ركناً من أركان الدولة المرجوة لتشكّل المرجع والراعي لشؤون المواطنين، عبر القانون والمؤسسات وعبر الاستفادة مما أُنجِز من صناعة نقل متطورة، بحيث نرتقي إلى مستوى نقل أفضل. ولتحقيق كل ذلك، ينبغي القيام بإصلاحات عديدة أهمها: إعادة بناء وهيكلة الحركة السياسية والنقابية ومؤسسات المجتمع المدني، إعادة النظر بأدائها كأطر وطنية ديمقراطية تحدد أهدافها وتناضل من أجلها عبر ثقافة وآليات متابعة تعبر عن مصالح الناس وتواجه المحاصصة والانقسامات الطائفية والمذهبية، وتسلط الضوء على حيتان المال وعلى رأسهم الشركة السياسية القابضة.

من واجبنا ومسؤوليتنا إطلاق حركة نضالية لإعادة بناء حركة شعبية ديمقراطية تستعيد الثقة من خلال إنتاج مصداقية بقيم إنسانية.

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *