مجموعتك الأولى، “أترك ورقة باسمك وعنوانك ولونك المفضل”، لفتت إلى شاعرة تكتب التفاصيل بنبرة شعرية خافتة، وهي خارج المشهد الشعري العام في بيروت. استمر ذلك في مجموعتك الثانية. لماذا تصرّين على التفاصيل والأشياء الهامشية، علما بأنك تخوضين معتركاً ذاتياً قد لا يهتم كثر بقراءته؟

مجموعتك الأولى، “أترك ورقة باسمك وعنوانك ولونك المفضل”، لفتت إلى شاعرة تكتب التفاصيل بنبرة شعرية خافتة، وهي خارج المشهد الشعري العام في بيروت. استمر ذلك في مجموعتك الثانية. لماذا تصرّين على التفاصيل والأشياء الهامشية، علما بأنك تخوضين معتركاً ذاتياً قد لا يهتم كثر بقراءته؟
– ذلك لأنني مشغوفة بفهم نفسي، بأن أكتب أكثر عني، وبأن احاول تفسير شخصي. أحاول التوغل عميقا في داخلي، ومعاينة الملامح الملموسة والمجردة من شخصيتي، والأشياء التي تعجبني وأحبها. أجرب من خلال القصيدة أن أتفحص الأشياء التي تروقني وتلك التي لا أستسيغها. إنه همي الاول، واهتمامي. لا يمكنني القيام بأي عمل في الحياة من دون أن اكون قادرة على التوصل إلى خلاصة في ما يعني حياتي. عليَّ أن أعثر على ما هو واضح في شأني. هذا شغفي الاول ودافعي الذي يحرضني لتلمس محيطي العادي والهامشي. أكتب ما أرى، ويمكنني أن أقول إنني أخط نفسي على الورق.

أنت إذاً تستخدمين القصيدة كنظام رياضي لمعاينة أسئلتك الخاصة؟
– أجل، ولمعرفتها أيضا. كما أنني اكتشف بذلك حساسيتي حيال الأشياء التي تلفتني، والتي تدفعني للكتابة. سواء تعلق الامر بمفهوم بصري أو بإحساس ما او بصورة او تفصيل أو حدث. تلك الأشياء لا يسعني غض النظر عنها. فهي تسيطر في بعض الاحيان عليَّ بالمطلق ولا يمكن تجاهل قوتها وأثرها الفوري فيَّ. لبعض الأشياء والحوادث حضور قوي عندي، لا يمكنني أن اتعامى عنها. وعندما أعاينها، فإنني اعمل ربما لكي أخبئها أو لأحتفظ بذكراها عندي. لذا، أكتب الشعر. في البداية، لم يكن همي نوع النص الذي أكتبه، شعرا أم لا. لم أفكر في كيفية القصيدة وطريقة إنجازها على الورقة. كنت اكتب نصوصا قصيرة فقط. ولم يخطر ببالي حتى أن أسأل إذا كان النص شعريا، او أن ابحث عن الجانب الشعري في جملة معينة. لم يكن عندي مشروع شعري، وإلى الآن لا أملك مشروعا شعريا وربما ليس هذا الامر محل اهتمام لديّ. نشرتُ كتابي الاول باليد. كنت أريد تصريف ما كتبته لعدد محدود من الناس، لأسباب تقنية ومادية. هذا الرادار الداخلي عندي يعمل على التقاط الاشياء. عليَّ أن أهدئه وأضبطه وألا أجعله هائما في كل مكان.

قاموسك الشعري إذاً، على غرار الكثير من الشعراء الشباب، هو حياتك اليومية المقحمة بالشعر. أليس في ذلك انانية حيث الاولوية في كتاباتك هي أنت مقابل تغييب القيم المجتمعية الكبيرة والعامة؟
– أوافقك الرأي، فأنا أكتب حياتي شعرا. لكن بالنسبة إلى القيم العامة، فليس هناك محل لها في القصيدة. بالطبع تثير اهتمامي لكنني أعبّر عنها في مطارح أخرى، خارج القصيدة. في القصيدة، أهتم اكثر بالصورة والتفاصيل الصغيرة التي قد لا يلتفت إليها كثر. هذه القيم موجودة في قصيدتي لكن ليس بشكل مباشر، ولا بالمفهوم الذي يتوقعه البعض. يفهم القارئ في القصيدة أني لست امرأة تقليدية خاضعة للنظم الاجتماعية المتوارثة والمطبقة بدون مساءلة. أنا غير ملتزمة المعايير العامة التي لا أرى منها فائدة. تمردي على العديد من الملامح الاجتماعية والاعراف، ورفضي لها، يمثلان في قصائدي لكن ليس في مساحة خطابية ومنبرية، وإنما من خلال كلمات صغيرة قد تكون “عابرة”. أنا خارج العلبة الجاهزة التي يحاول الناس أن يضعوني فيها. آرائي السياسية وأفكاري الاجتماعية ومداخلاتي الخاصة لا تعرف لها سبيلا في الشعر. للشعر مستوى آخر من المعالجات عندي. لا أحب الخطابية ولا المباشرة. لكنني أعبر عن موقفي من هذه التراكمات الاجتماعية في مجال آخر كوني ناشطة سياسية أيضا. الفرد يحلّ أولا، ولا أستطيع ان اتيه في الجماعة، ولا ان أقيم تنازلات فقط لأمشي أموري. انا براغماتية حالما أقرر ذلك فقط. لا أعطي الناس الصورة التي يريدونها. يمكنني الإكتفاء بعدد قليل من الناس الذين يحبونني أو حتى لا أحد. على الآخرين أن يعوا حدود تعاطيهم معك.

أين ترين كائنك الفرد والمعزول في القصيدة والمتكلم بلسان أحواله العادية في ظل الثورات العربية التي اعادت إلى الواجهة العمل الجماعي، وأرست للهوية العربية كيانا طازجا وجديدا؟
– كائني المعزول هو من يختار عزلته بنفسه، ويختار توقيتها. وهو يختار ما يجب أن ينعزل عنه. أكتفي أحيانا بعزلتي ومقدارها وأقرر الظهور إلى العلن والمشاركة في الجماعة أيضا. عزلتي اختيارية ويمكن أن تكون ظرفية، وأحيانا اصبح متطرفة او شديدة الليونة. أحب عزلتي واطلبها واتوق إليها وأخسر الكثير من الاصدقاء بسببها. الناس لا يحترمون حقي فيها ويعتبرونني غريبة. مكان الانسان الحقيقي هو العزلة نفسها، وأحيانا يحتاج للخروج إلى العلن لا العكس. على الأقل هكذا اتعاطى مع نفسي. أنا بحاجة إلى الوقت الذي أمضيه مع نفسي. لكنني احتاج ايضا إلى الخروج لأعبر عن فكرة ما او لأشارك في عمل جماعي يتقاطع مع افكاري.

ألا ترين مجازفة في كتابة قصيدة “الحالة”، ذلك أن بعض كتاباتك تستنزف المتعة من القراءة الاولى؟
– لا افكر في هذا الموضوع. حين ارى أنه أصبح عندي مادة تتسع لكتاب انشرها. لم أتابع كتابي الاول وردود الفعل عليه. وضعت عنوان بريدي الإلكتروني استقطابا لردود الفعل التي لم تكن عظيمة بل عادية، وربما اعجب الكتاب البعض لكنهم لم يتواصلوا معي. عودتي إلى بيروت بيَّنت لي اناسا مهتمين بكتاباتي.

ماذا عن المصدر الأدبي لشعرك؟ لمن تقرأين وكيف ترين قصائد الجيل الشعري الجديد في بيروت عموما؟
– لست مطلعة كثيرا على المشهد الشعري الجديد. هناك البعض القليل ممن أقرأ لهم باستمرار. وربما أتعمد ألا أطلع على ما يُكتب. يعجبني الماغوط واقرأه باستمرار، كذلك الشاعر السوري الراحل رياض الصالح حسين، والمصري عماد أبو صالح. هذان الشاعران يكفيان بالنسبة إليَّ. لا يلمسني الشعر الذي يحوي طبقات لغوية عميقة. لا اريد شعرا أفكر فيه وأنا أقرأ. اريد قصيدة محمولة على الصور، كما في السينما حينما تشاهد فيلما وتشعر أن قدميك ارتفعتا فجأة عن الأرض. انا بعيدة عن الاستعراضات اللغوية في الشعر ولا يمكنني أن اكون قريبة او ان اعجب بشعر كهذا.

هناك تعابير ومفردات كانت شبه مفقودة في القصيدة الشبابية كـ”الحرية”، “العرب”، “التحرر”، “الطغاة”، “الديكتاتورية”… إلخ، ثم عادت من جديد. هل ستعود القصيدة العربية لمعالجة قيم وثوابت طرحت في أدب الخمسينات والستينات وحتى اواخر السبعينات، وهي قيم تتعارض مع قصيدة التفاصيل والغرفة والمكان الجزئي؟
– حتما سيؤثر هذا في الفن عموما وليس الشعر وحده. لأن هذا الحراك قريب منا جدا ومرتبط بالفرد. الجماعة في الشوارع أفراد يتشاركون مطلبا واحدا. يلقي هذا الحراك بظلاله على القصيدة التي اكتبها. أرى كل ما يحدث في العالم العربي شعرا. الثورات الحاصلة شعر. المفردات التي ذكرتها كانت كليشيهات، الآن باتت على قدر عال من القيمة. إنها المرة الاولى نختبر فيها طعم الحرية وتكوين الشعب العربي.

أنت من الفنانات التشكيليات اللواتي يتميزن بلغة بصرية قاسية ومتمهلة وعميقة الدلالات الإنسانية. لماذا تغيّبين الفنانة لصالح شاعرة التفاصيل الصغيرة؟
– لا شك في أن هذا تقصير. في مكان ما، فإن ظروفا معينة جعلتني لا أصدق أنني رسامة. لم اؤمن بنفسي كفنانة في هذا المجال. وكلما انتهيت من عمل اعتبرته عاديا وغير مكتمل ولا يبعث عندي شعورا بالرضى. الآن اختلف الوضع. أصدق نفسي لكنني لا انتج. أنجزت أعمالا بالحفر على الزينك وأخرى تشكيلية. شدة التآلف مع عملي جعلني لا ارى مستواه، ومدى قابليته للعرض. لكني أقف الآن على مسافة كافية، ما يتيح لي أن اعاين عملي كأنه لأحد سواي.

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *