في الجمعة اللاحقة، أصر إسلام الدباس، على تجاوز خط الفصل وتقديم الورود بشكل مباشر للجنود وعناصر الأمن. كان يهدف إلى تحقيق نوع من الالتقاء بالأعين بين الشباب وبين من أتوا لقتلهم وقمعهم. هذا اللقاء الذي يكسر الحواجز النفسية ويتيح للآخر رؤية ما لا تتيحه الحجب التي تقيمها دعايات النظام وأكاذيبه. هذا أمر صعب التحقق على اعتبار أن الأوامر عادة تقضي بإطلاق النار عن بعد وعدم حصول أي تماس مع المتظاهرين إلا عن طريق السلاح. إسلام اختفى بين عناصر الأمن الذين اعتقلوه، هو والورود التي ذهب لتقديمها لهم. ولا يزال حتى اللحظة في إحدى زنازين المخابرات الجوية.


في الجمعة اللاحقة، أصر إسلام الدباس، على تجاوز خط الفصل وتقديم الورود بشكل مباشر للجنود وعناصر الأمن. كان يهدف إلى تحقيق نوع من الالتقاء بالأعين بين الشباب وبين من أتوا لقتلهم وقمعهم. هذا اللقاء الذي يكسر الحواجز النفسية ويتيح للآخر رؤية ما لا تتيحه الحجب التي تقيمها دعايات النظام وأكاذيبه. هذا أمر صعب التحقق على اعتبار أن الأوامر عادة تقضي بإطلاق النار عن بعد وعدم حصول أي تماس مع المتظاهرين إلا عن طريق السلاح. إسلام اختفى بين عناصر الأمن الذين اعتقلوه، هو والورود التي ذهب لتقديمها لهم. ولا يزال حتى اللحظة في إحدى زنازين المخابرات الجوية.

قصة إسلام بالذات لفتت نظري، لأنني اعتقدت أن دعاة السلمية قد يراجعون منهجهم عندما ينالهم ألم شخصي. لكن اعتقال والد إسلام منذ عدة أسابيع لم يثنه عن الاستمرار في ما بدأ به. يقول يحيى: أن أكون مقتولاً أفضل من أكون قاتلاً.. وحتى بعيداً عن هذه القناعة، فإن ولاءه في البداية والنهاية هو لانتصار الثورة، ولا يرى في دفاع الناس عن نفسها مؤشراً على ازدياد فرص نجاح الثورة.

يبدو لي يحيى حالماً إلى درجة ما، وليس مثالاً يمكن تعميمه، بل استثناء من بين استثناءات قليلة. لا أخفي أنني لا أستطيع النظر إلى تجربته ورفاق دربه بحياد، فقد تعاملت مع عشرات المجموعات الناشطة ميدانياً منذ بداية الثورة. صحيح أن معظمها متمسك بالسلمية كممارسة، لكنها على الصعيد الفكري، وفي أوجه عديدة، تشبه سوريا ما قبل الثورة! هذا هو الأقرب إلى الطبيعي في الواقع.. على عكس يحيى الذي يرى أن الثورة يجب أن تغير وجهات نظرنا عن كل شيء، عن الدين والمجتمع والسياسة…. يجب أن تتحقق الثورة في داخلنا قبل أن تتحقق على الأرض، يقول. خطاب العقل والمحبة يحضر بقوة في ثورته على الصعيد الشخصي. وهو يتوجه باللوم إلى المثقفين والمعارضين لأنهم لا يقومون بما يجب لمخاطبة الناس في كثير من الأمور التي يحتاجون فيها إلى خطاب جديد ومجدد أثناء ثورتهم.

استطاعت داريا نقل جانب من تجربتها ورؤيتها إلى بعض المناطق الأخرى في ريف دمشق. في جمعة «صمتكم يقتلنا» على سبيل المثال، قام المتظاهرون في منطقة التل بتوزيع الماء مع حلوى التمر للجنود، في استلهام لتجربة داريا وبعد نقاش معهم.

يقول أحد المنسقين في لجنة داريا، بأن النظام، بتصاعد قمعه وأعماله الاستفزازية، يرغب بجر الحراك إلى منزلق العنف، فضلاً عن تضليل رجال الجيش والأمن حول ماهية المظاهرات والمشاركين فيها. كان يجب أن نقوم برد فعل ما. قدمنا لهم الماء لأنهم عطشى وقت الظهيرة، والحلوى لأن معظمهم كان جائعاً وأوضاعهم المادية أسوأ من أن يقوموا بشراء الطعام على نفقتهم! بعد بداية المظاهرة بنحو ساعة، توجه المتظاهرون إلى مكان تجمع الأمن فاستعد هؤلاء لمهاجمة المتظاهرين الذين بادروا بالجلوس على الأرض قبالتهم.

وقام بعض الشباب بصف قوارير الماء على عرض الشارع وعلى كل منها قطعة «عجوة « كتب على غلافها عبارة «كلنا سوريون .. لماذا تعتقلوننا.. رمضان كريم»، وأثناء ذالك تمت مخاطبة رجال الجيش والأمن عبر مكبر الصوت بعبارات محبة وسلام، وأن المظاهرة ستنتهي اليوم باكراً، كهدية لكم حتى تنالوا قسطاً من الراحة! بعدها تم ترديد هتاف «الجيش والشعب يد وحدة» ثم النشيد الوطني وإنهاء المظاهرة بهدوء. بينما قام أحد رجال الأمن بجمع قوارير الماء و»العجوة»، ولا نعرف إن كان قد تم فيما بعد توزيعها على الجنود أم إتلافها!

يقول المنسق إن التجربة كانت مذهلة، خصوصاً وأن طرح الفكرة قوبل باستنكار كبير من قبل بعض الشباب في البداية. واحتاج الأمر إلى كثير من النقاش والجدل لإقناعهم بها. فالبعض يرى أن عناصر الأجهزة الأمنية بشكل خاص قد أقفلوا قلوبهم دون الناس، ولا فائدة من محاولة مخاطبتهم بأي وسيلة. والواقع يثبت أن هذا ليس صحيحاً، كما يقول، حيث كانت هناك العديد من الحالات التي ساعد فيها عناصر أمن بعض المتظاهرين على الهرب. وبطبيعة الحال، كلما كانت هناك استجابة أكبر من عناصر الجيش والأمن لمثل هذه المبادرات، ساعد ذلك على ترسيخ هذا النهج لدى الشباب، كما يقول.

قد يستغرب الكثيرون الحديث عن تجربة داريا والتل في هذا التوقيت بالذات، حيث عنف النظام ضد الناس قد بلغ أقصاه، وفي الوقت الذي تمتلئ فيه لحظاتنا بعبارات الغضب والألم.. لكنني أرى في تلك التجربة نقطة ضوء تجعل المستقبل أقل قسوة مما نتوقع أن يكون. هنا من يتحدث عن المحبة، وهنا من يتحدث عن التغيير، ليس فقط على مستوى النظام، إنما على مستوى ما خربه النظام فينا طيلة عقود.. هنا من يدرك أن هناك أشياء أخرى يتعين علينا أن نثور ضدها قبل أو بعد سقوط النظام..هؤلاء ليسوا أغلبية، هم حتى اللحظة الاستثناء، لكن للمرة الأولى، الاستثناء الجميل.

الجزء الأول هنا

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *