قرابة السادسة صباحاً جاءني ذلك الاتصال..إنه صديقي المخرج المهند فرزات نجل الفنان علي فرزات، ورغم معزة هذا الشاب المبدع كأبيه على قلبي، إلا أنه كان من الطبيعي جداً أن أفاجئ بالاتصال في مثل هذا الوقت، سيما وأنه قبل ليلة واحدة فقط كنت أسهر مع مهند برفقة والده في اوتيل الشام حيث اعتاد علي فرزات ان يبقى للثانية عشرة ليلاً هناك قبل أن يذهب إلى مكتبه في شارع الباكستان لينشر رسومه ويرد على أسئلة أصدقائه الفيسبوكيين حتى وقت الفجر.


قرابة السادسة صباحاً جاءني ذلك الاتصال..إنه صديقي المخرج المهند فرزات نجل الفنان علي فرزات، ورغم معزة هذا الشاب المبدع كأبيه على قلبي، إلا أنه كان من الطبيعي جداً أن أفاجئ بالاتصال في مثل هذا الوقت، سيما وأنه قبل ليلة واحدة فقط كنت أسهر مع مهند برفقة والده في اوتيل الشام حيث اعتاد علي فرزات ان يبقى للثانية عشرة ليلاً هناك قبل أن يذهب إلى مكتبه في شارع الباكستان لينشر رسومه ويرد على أسئلة أصدقائه الفيسبوكيين حتى وقت الفجر.

قلت في نفسي خير انشالله، وفتحت الخط، فجاءني ذلك الصوت المرتعب المرتعد: “إياد خطفو بابا” ودونما تفكير أجبته على الفور مذعوراً “شو….عملوها ولادين الكلب”… ثم لبست على عجل وانطلقت أسابق الرياح.

وكي لا ندخل بطول سيرة إليكم بعض من مشاهداتي وما عرفته من تفاصيل من علي وعائلته عن الواقعة التي هزت ضمير السوريين.. وسألخصها على شكل نقاط :

– قرابة الساعة الخامسة من صباح يوم الخميس 25 آب سيارة مغلقة بها أربعة ملثمين تصدم سيارة علي فرزات عند دخل نفق ساحة الأمويين، يضربون عليّ بعنف شديد داخل السيارة ثم يسحبونه منها، فتسقط نظارته وموبايله وفردة من حذائه ويقتادونه في سيارتهم ويتركون سيارة علي في منتصف الطريق.

– الملثمون يأخذون عليّ مسرعين ويشبعونه ضرباً طوال الطريق وهم يقولون له “عم تتطاول على أسيادك يا ابن…” ويضربونه على يديه بعنف بواسطة عتلات وعصي معدنية ويثنون أصابعه بقوة للخلف حتى تلامس ساعده في محاولة لكسر معصمه ويقولون له “لنشوف حتقدر ترسم مرة تانية” كما يحرقون الجانب الأيمن من ذقنه الكثة بواسطة القداحات وبواسطة جهاز كاوي يشبه (الفير) الذي يستخدم في صالونات التجميل.

– الضرب والشتم يستمر طوال الطريق إلى اتستراد المطار، وعندما يصلون يرمونه في الطريق ويودعونه بحملة ضرب وسباب أخرى أكثر عنفاً.

– في هذه الأثناء يتصل عناصر من أمن من ساحة الأمويين بعائلة فرزات ويخبرونهم بالحادثة فتتوجه العائلة مذعورة إلى المكان ويرون السيارة وآثار الاصطدام واضح عليها من الخارج وآثار العنف بادية من الداخل، يجدون في داخل السيارة بقايا كفوف مطاطية كالتي يستخدمها الأطباء، بالإضافة إلى شماغ (سُلك) جديد لم يستخدم بعد.

– عائلة فرزات تستفهم من عناصر الأمن عن الذي حصل فيقولون إنهم رأوا ملثمين يختطفونه لكنهم لم يستطيعوا إيقافهم بسبب سرعتهم..!! وأنهم عرفوا رقم العائلة من موبايل علي الذي سقط على ارضية السيارة فاتصلو بهم.

– مهند فرزات يتصل بي وبالفنان زكي كورديللو مذعوراً ويطلب منا ملاقاتهم في قسم شرطة المزة حيث ستقتاد سيارة عليّ إلى هناك.

– أصل إلى هناك قرابة الساعة السادسة والنصف، فأجد الجميع في حالة يرثى لها من الرعب والذعر على مصير رب عائلتهم، كان وضع زوجته المصابة بالسكري مؤلماً بالفعل، فطلبت من أولادها أن نوصل الأم وابنتها إلى البيت أولا ثم ننطلق نحن كرجال لنرى ما يمكننا فعله.

– في هذه الأثناء يجد علي نفسه مرمياً على طريق المطار، يكابر على نفسه رغم أوجاعه ويقف متثاقلاً ويشير لبعض السيارات العابرة لتقلّه، لكن كثيراً منها يهرب عندما يرون هيئته المخضّبة بالدماء، للصدفة تتوقف سيارة بيك آب قريباً منه بسبب بنشرة أحد دواليبها، يتقدم منهم علي ويطلب المساعدة، فيرأفون لحالة ويأخذونه بعد أن يصلحوا السيارة إلى مشفى الرازي بناء على طلبه، ويتصل علي بموبايل المسعفين بناطور البناء ليلاقيه في المشفى.

– نصل نحن إلى منزل علي فرزات فيخبرنا الناطور أن علي اتصل به وهو في مشفى الرازي، فنهرع جميعاً إلى هناك لنرى علي مرميا على سرير الإسعاف في المشفى وحاله يرثى لها، فعيناه متورمتان، ووجهه محمر في عدة أماكن، ويداه مزرقتان ومخضبتان بالدماء وبالكاد يستطيع تحريكهما بالإضافة لآثار العصي على كل جسده، كانت لحظات لقاء العائلة مؤلمة جداً، وكان علي يجاهد ويكابر على آلامه لكي لا نراه ضعيفاً في مثل هذه الحال، في الحقيقة كان الشرر والغضب يتطاير من عينيه المتورمتين.

– يبدأ الأصدقاء والمحبون بالوصول، ويسود الهرج والمرج في المستشفى عندما يعرفون من جاءهم.

(طيلة الوقت كنت على تواصل مع زوجتي علا وأخويها التوأم ملص اللذان كانا ينشران الأخبار أولاً بأول على الانترنت)

– أذهب أنا وزكي كورديللو الى قسم شرطة المزة ونخبرهم بضرورة المجيء للمشفى لكتابة ضبط بالحادثة، لكنهم يتمنعون بالبداية بحجة أن المشفى لم يتصل بهم، وأنهم لا يستطيعون التحرك بدون هذا الاتصال، وبعد جدال دام نصف ساعة يأتي أحد الضباط ويأمرهم بالذهاب، فنقلهم معنا ونذهب إلى هناك ليكتبوا الضبط.

– نصل المشفى حيث الأطباء انتهوا للتو من معاينة علي وتضميد جراحه وتجبير يده وأصابعه المكسورة.

– يستمر تدفق الأصدقاء وكان من بينهم المحامي انور البني، الفنانة مي سكاف، الكاتبة ريما فليحان، المخرج نبيل المالح، الصحفية سعاد جروس، الصحفي جورج كدر، الصحفي خليل الهملو….وآخرون كثر، لكن ما لفت انتباهي حقاً هو رجل في العقد الخامس من العمر (يملك مشتلاً في الغوطة) جاء من تلقاء نفسه عندما سمع الخبر واطمئن على عليّ بحرارة، ثم أخذني جانباً وأعطاني كرته الخاص وقال لي بالحرف الواحد “حابب ادفع فاتورة المشفى…أرجوكم” فناديت مهند وأخبرته بالموضوع، فاحتضن الرجل وقبله وشكره على نبله واعتذر منه بحب.

– أحدهم يسأل علي فرزات (شو شعورك تجاه اللي عملو فيك هيك) فيقول بملامح باردة: بسامحهن….هدول مساكين ما بيعرفوا ليش هيك عم يعملو.

ملاحظات سريعة:

– عنصر أمن في ساحة الأمويين يقول لعائلة فرزات: هي هي العصابات المسلحة شفتوها…والله الشعب ما بيمشي إلا بالتعفيس…شفتو الحرية اللي بدكن ياها شو عملت..؟؟

– رغم كل ما في المشهد من ألم أحد عناصر الشرطة قال أنه سيحجز على سيارة علي لأن ترسيمها أُستنفذ

– عنصر شرطة آخر يسأل الطبيب هامساً لحظة وصوله “مات ولا لسّة”

– إحدى الممرضات كانت تنظر لنا بتفحص وتنصت لكل ما نقوله طيلة الوقت متناسية عملها وبشكل لفت انتباهنا جميعاً.

كثيرة هي التفاصيل التي حدثت في هذا اليوم الصعب، ورغم أن الحادثة مرت فإنني لا أخفيكم أن أكثر ما آلمني فيها هو رؤية علي فرزات على هذه الحال وأنا الذي عرفته طوال عقد من الزمن رجلاً صلباً جلداً تمتزج فيه نبرة التحدي والمواجهة مع رقة ودماثة لافتتين….ما يجعلني مطمئناً الآن هو أن شيئاً لم يتغير في مزاج علي وتوجهه نحو دعم ثورة أبناء بلده، بل إنني أتوقع منه الآن إصراراً أكثر سيجعل المجرمين يندمون على نكأ (عش الدبور) هذا.

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *