سحاقية سلفية نُعتت باللواط ترفض الابتزاز السياسي باسم المقاومة

لن أضيف إلى الشهادات العديدة عما جرى لنا عندما حاولنا التظاهر أمام مقر السفارة السورية تجنباً للتكرار والملل، وأيضا تجنباً للإسهام في إنتاج ما سمّته حنة أرندت تفاهة الشر وهو من أخطر ما يمكننا الإسهام فيه رداً على مثل هذه الاعتداءات, بل سأركز على شعوري خلال الحادثة أو بالأخص الخليط الغريب من المشاعر التي اعترتني.


سحاقية سلفية نُعتت باللواط ترفض الابتزاز السياسي باسم المقاومة

لن أضيف إلى الشهادات العديدة عما جرى لنا عندما حاولنا التظاهر أمام مقر السفارة السورية تجنباً للتكرار والملل، وأيضا تجنباً للإسهام في إنتاج ما سمّته حنة أرندت تفاهة الشر وهو من أخطر ما يمكننا الإسهام فيه رداً على مثل هذه الاعتداءات, بل سأركز على شعوري خلال الحادثة أو بالأخص الخليط الغريب من المشاعر التي اعترتني.

تكاد تُستنفد الأعذار المتبقية لدى من يتبجّح بالممانعة, بكلّ صراحة إذا كان هذا معنى الممانعة تجسيدا فتباً للممانعة فلنسقط هكذا ممانعة ونبني مقاومة جديدة خالية ونزيهة من النفاق, النفاق الذي في آن واحد ينادي بتحرير الأرض ويستعبد العقل والروح ويبرر كل وسيلة وحشية من أجل تلك الغاية. وما فائدة السعي إلى تحرير الأرض من دون تحرير الذات؟ إننا نساند قضية فلسطين لنفس الدوافع والمبادئ التي نساند من أجلها قضية الشعب السوري لا نصرة للعرب ولا للمسلمين بل لأننا نؤمن بالإنسان وكرامته, المبدأ الذي يستخف به مأجورو النظام البعثي القمعي في لبنان.

ولكن,…يخرسني الرعب قبل أن أبدأ بضغط أول مفتاح على لوحة المفاتيح. ذات الرعب المباغت الذي انتابني عندما انهال علينا شبيحة السفارة السورية والبعث (ويمكنكم قراءته بطريقة أخرى) على خط الحمراء الرئيسي بعد الاعتداء على المظاهرة وأدموا وجه الرفيق نبيل عبدو ودفعني إلى الركض بأقصى سرعة ممكنة.

الحماس والتوتر أفسحا بالمجال أمام ”كوكتيلا“ غريبا من الرعب والغضب والحيرة والإحباط. الرعب النابع عن الخوف من المزيد من الأسى والكلمات النابية. وتجدر اﻹشارة إلى أن البلطجي البعثي الذي كان يصوّرنا هددني بمقولة ”فل من هون يا لوطي“, مظهرا نفس التخبّط المنافق لدى النظام السوري، الذي تارة ينعت المنتفضين بالسلفيين والجهاديين وتارة بالشذوذ واللواط الذين يريدون زعزعة الأخلاق “الأصيلة”. كان بودي أن أجيبه بالسؤال: لماذا تقصد الكلمة هذه، شتيمة؟ كان هذا مباشرة بعد أن ضُربت على خدّي الأيمن, وبعد هذه الجملة تحوّل جزء من رعبي إلى غضب وسخط من هذا البلطجي الذي يعتقد أن لا مكان لذوي الخيارات الجنسية المختلفة في الشارع الذي يتواجد فيه هو وأنه ينوي التأكيد لي على هذا اﻷمر. ربما علي أن أغتبط وأشكره بأنه اختار كلمة أكثر تهذيباً لشتمي من الشتائم المتنوعة المتوفرة في لغتنا (أو برأيه لغته هو) العربية الغنية. لكن اللحظة لم تكن مناسبة لي وله ولنا لخوض نقاش عما إذا تصلح كلمة ”لوطي“ كشتيمة أم لا. كان بإمكانه شتمي شتائم أخرى تتعلق بانتمائي السياسي أو بكوني أجنبية أو حتى بدانة جسمي، غير أنه, وهو يلوح لي بيد والكاميرا بيده الأخرى تسجّل وجهي لأضابير الحزب وربما المخابرات السورية, اختار شتمي وتهديدي ما تبدّت له هويتي الجنسية.

لن أتفلسف أكثر كي أحلّل انعدام العقل والوعي لديه، بل سأركز على تدوين مشاعري, إذ أخذ خوفي وغضبي يتحول إلى إحباط وحيرة تجاه الموقف كله. يعتريني الإحباط لأني فجأة أشعر أن القوى الظلامية تجتاحنا من كل الجهات وليس من الرجعية الدينية فحسب, فأرى نافذة الأمل المتخيلة تنسدّ أمامي وأحتار إلى أين أتجه, حتى في الحمراء التي لطالما حسبناها حيزاً تابعاً ”لنا“, فإذ ببعض أعضاء من الحزب السوري القومي يقتحمونه. حزب يتاجر بعلمانية رخيصة مبتذلة, مُفرَغة من معانيها وقيمها, علمانية مرتزقة لصالح استبداد أيضا يتاجر بالعلمانية يتسامح ويتساهل مع التدين الرجعي بشرط ألا يتحداه سياسياً. كل هذا لأقول إن الحيرة والإحباط كانا وجهين لعملة واحدة إثر هذه الحادثة فهي من النوع الذي يشعرك أنه لا حيز ولا مكان لتنتمي إليه لا من فريق أو مجموعة تساندك في وقت الضِيق وإن لم تتفق معها.

الإحباط والحيرة اللتان تشعر بهما وقت أن يحيط بك المنافقون والمتاجرون بالقيم, عند شعورك أن لا معنى للكلمات وأن كل شيء يمكن أن يفسر بعكس معناه المعتاد. في طريق مسدود الأفاق, من أين نحفر الأمل؟ وكيف نربيه؟ ربما نحن حقاً سلفيون إذ نؤمن بقيم ومبادئ باتت اليوم ”موضة قديمة“ ولا ترتبط بالربح السريع والقوّة المفرطة. إن كانت هذه قيماً سلفية فنعم نحن أيضا سلفيون.

أتذكر الآن، أكثر من أي وقت آخر، مقولة جورج حبش إن الطريق إلى فلسطين تمرّ عبر العواصم العربية. أعود وأكرر لو كانت الممانعة هكذا, فلتَسقُط فورا. نريد تحرير الأرض لتحرير الإنسان وليس بدل استعباده. دمشق تنتظر أهلها, تنتظرنا كلنا لأنها تنفتح على فلسطين.

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *