في كتاب د. محمود نجيب حسني، الصادر في بيروت عام 1998، بعنوان شرح قانون العقوبات اللبناني، يعرِّف الحقوقي المذكور العفو العام بأنه «تجريد الفعل من الصفة الجرمية بحيث يصير له حكم الأفعال التي لم يجرِّمها المشترع أصلاً». ويضيف أن علته «هي التهدئة الاجتماعية بإسدال النسيان على جرائم ارتكبت في ظروف سيئة اجتماعياً، فيريد المشترع بنسيانها أن تحذف من الذاكرة الاجتماعية الظروف السابقة كي يتهيأ المجتمع أو يمضي في مرحلة جديدة في حياته لا تشوبها ذكريات تلك الظروف. لذلك يصدر العفو العام عقب فترات من الاضطراب السياسي ويكون موضوعه ذا صلة بهذا الاضطراب».


في كتاب د. محمود نجيب حسني، الصادر في بيروت عام 1998، بعنوان شرح قانون العقوبات اللبناني، يعرِّف الحقوقي المذكور العفو العام بأنه «تجريد الفعل من الصفة الجرمية بحيث يصير له حكم الأفعال التي لم يجرِّمها المشترع أصلاً». ويضيف أن علته «هي التهدئة الاجتماعية بإسدال النسيان على جرائم ارتكبت في ظروف سيئة اجتماعياً، فيريد المشترع بنسيانها أن تحذف من الذاكرة الاجتماعية الظروف السابقة كي يتهيأ المجتمع أو يمضي في مرحلة جديدة في حياته لا تشوبها ذكريات تلك الظروف. لذلك يصدر العفو العام عقب فترات من الاضطراب السياسي ويكون موضوعه ذا صلة بهذا الاضطراب».

أما بخصوص خصائصه، فيقول الكاتب عينه إنه «يتميز بطابع موضوعي، فهو ينصب على مجموعة من الجرائم فيزيل ركنها القانوني ومن ثم يستفيد منه جميع المساهمين فيها. ويتميز باتصاله بالنظام العام، إذ يقوم على اعتبارات من مصلحة المجتمع، ومن ثم لا يجوز للمحكوم عليه رفضه. ويتميز بعد ذلك بطابعه الجزائي فآثاره تقتصر على الصفة الجرمية للفعل (إلا إذا نص قانون العفو العام على غير ذلك). ويتميز بأثر رجعي يعود إلى وقت ارتكاب الفعل ويعترف أنه لم تكن له منذ ارتكابه صفة جرمية».

ولقد تكررت قوانين العفو العام، في لبنان، مراراً، منذ أول انفجار أهلي، بعد الاستقلال، هو ذلك الذي حدث في ربيع عام 1958 وصيفه، واستمرت ارتداداته الأساسية حتى أواسط تشرين الأول من ذلك العام. هكذا صدر آنذاك، وبالتحديد في 24 كانون الأول 1958، قانون يمنح العفو العام عن الجرائم المرتكبة حتى 15 تشرين الأول من العام المشار إليه.
وقد أعقب ذلك القانون، بعد سنوات قليلة، قانون 17 شباط 1969 الذي يمنح عفواً عاماً عن الجرائم المرتكبة قبل 1/1/1968، ومن ضمنها الجرائم التي حصلت على إثر حرب حزيران 1967. على أن القانون الأهم، في هذا المجال، هو ذلك الذي أعقب أطول حرب أهلية في بلدنا حتى اليوم، أي تلك التي بدأت في 13 نيسان 1975 وبقيت حتى خريف العام 1990. إنه القانون رقم 84/91، الصادر في 26 آب 1991، والرامي إلى منح العفو عن الجرائم المرتكبة على امتداد تلك الحرب وحتى تاريخ 28 آذار 1991.

وقد جاءت المادة التاسعة منه لتفتح الباب أمام المزيد من إمكانات العفو لصالح أفراد محددين عن جرائم ارتكبت خلال ذلك الصراع الأهلي المديد، حيث تقول: «تعطى الحكومة سلطة استثنائية لمدة سنة ابتداءً من تاريخ العمل بهذا القانون لإصدار عفو خاص له مفاعيل العفو العام بموجب مرسوم يتخذ في مجلس الوزراء عن كل شخص محكوم أو ملاحق بالجرائم المستثناة من هذا العفو، الواقعة على أمن الدولة الداخلي أو الخارجي والمرتكبة قبل 28 آذار 1991».

وبالفعل ففي 28 آب 1991، صدر المرسوم 1637/91، الذي نصت مادته الأولى على «منح كل من الضباط السابقين ميشال عون وإدغار معلوف وعصام أبو جمرا عفواً خاصاً له مفاعيل العفو العام عن الجرائم المحال بها على المجلس العدلي بموجب المرسوم رقم 656 الصادر في 19/10/1990، شرط مغادرته البلاد خلال 48 ساعة من تاريخ صدور هذا المرسوم وبقائه في الخارج مدة 5 سنوات اعتباراً من تاريخ المغادرة».

هذا ولا بد من أن نختم هذه النبذة عن قوانين العفو العام اللبنانية، بالقانونين الأخيرين رقم 677 ثم رقم 678، الصادرين في 19/7/2005، واللذين منحا، على التوالي، بمادة وحيدة، عفواً عاماً عن كل من قائد القوات اللبنانية، سمير جعجع، من جهة، والمجموعتين السلفيتين الضالعتين في أحداث الضنية ومجدل عنجر، من جهة أخرى، كتعبير عن موازين القوى المستجدة، في ذلك العام ولكن كتعبيرٍ أيضاً عن الحرص على الموازنة النسبية، والمقرفة، بين الطوائف، في إسداء «منحة» العفو هذه؛ وعن الدور الغالب للمراجع الدينية، في أعلى المواقع، بطاركة ومفتين وما إلى ذلك، وفي الوقت عينه للقوى السياسية والمالية المتنفذة، في النظام اللبناني – كما الحال مع زعيم تيار المستقبل، سعد الحريري – في فرض قرارات من هذا النوع ستكون لها ارتدادات عكسية، لاحقاً..

1.العفو العام والإفلات الجماعي من العقاب
لقد تميزت حرب الـ 15 عاماً الأخيرة بمستوى قل نظيره من البشاعة ومجازر الإبادة والأعمال الإجرامية الأخرى، بحق الإنسان والطبيعة والحياة بشتى أشكالها. وجاء قانون العفو العام ليمحو كل ذلك ويعيد الاعتبار لشتى رموزها، لا بل ليتيح انتقال قادتها من الخنادق والحواجز إلى أعلى مواقع الدولة الراهنة، وذلك من فوق مئات المقابر الجماعية، وأكثر من 150 ألف قتيل ومئات الألوف من الجرحى والمعوَّقين، فضلاً عن فضائح كبرى مشهودة من ضمنها توزيع مئات الأطنان من النفايات السامة على شتى أنحاء الأرض اللبنانية، ومن البحر إلى أعالي الجبال؛ عدا الاعتداء والسطو على الأملاك والأموال العامة، وشيوع فساد سلطوي قل نظيره في العالم بأسره. علماً بأنه بعد مرور أكثر من 17 سنة على توقف تلك الحرب، وقيام الجمهورية الثانية على أساس اتفاق الطائف المشهور، لا زالت آلاف العائلات تسأل عن أبناء وإخوة وأمهات وآباء اختفوا، فلا تعرف شيئاً عن مصيرهم، وإذا كانوا قد قضوا ففي أي تربة دُفنت رفاتهم، ومن المسؤول عن ذلك؟ وضمن أي ظروف؟
وبالطبع، إذا كان العفو العام يعني النسيان والغفران، فمن يمكن أن ينسى، ومن يحق له أن يغفر؟ وأي سلم أهلي يمكن أن يقوم على نسيان وغفران لا يقترنان بالحد الأدنى، على الأقل، من كشف الحقيقة، وضمان العدالة؟ ولقد أصابت منظمة Amnesty حين اعتبرت أن القانون الأهم في السلسلة التي سبق أن استعرضناها، ألا وهو قانون 26 آب 1991، هو قانون إشكالي لأسباب عدة، ولا سيما أنه «يكفل إفلات منتهكي حقوق الإنسان من العقاب»، من جهة، و«يمنع ظهور الحقيقة، من جهة أخرى»، مضيفة: «أن لبنان لن يعرف سلاماً حقيقياً ودائماً وأن حقوق الإنسان لن تحظى بالحماية إلا إذا واجه البلد ماضيه بإجراآت تتيح التحقيق في فترة الحرب وإظهار الحقيقة بخصوص الإساءات إلى حقوق الإنسان المرتكبة في إطار ما شهده من نزاعات».

وعلى سبيل المقارنة، وانطلاقاً من الكتابات والأفكار التي انطرحت خلال النقاش الواسع الذي تلا اقتراح الرئيس الجزائري بوتفليقة، قبل أعوام قليلة، مشروعه لإقرار «ميثاق لأجل المصالحة الوطنية والسلام»، نلاحظ كم تكرر، في المآخذ على ذلك المشروع، الحديث عن مخاطر الإفلات من العقاب، وعن الحاجة إلى ضمان جدي للكشف عن الملابسات الدقيقة للمجزرة الجماعية التي عاشتها الجزائر على مدى سنوات طويلة، وإحقاق العدالة في سياق ذلك.وهو ما يمكن أن ينسحب أيضاً لوصف الوضع في لبنان، الذي يعيش الآن أحد أصعب المآزق السياسية التي واجهها في تاريخه الحديث.
وخطورة المأزق الملمَّح إليه أعلاه تترافق الآن مع ارتفاع منسوب العصبية المذهبية والطائفية إلى ذروة غير مسبوقة.وإننا إذ نستشف هذا الخطر ونحذر من جديته القصوى في معرض حديثنا عن جانب هام من المشهد الذي خُتمت على أساسه الحرب الأهلية السابقة، يتمثل بالعفو العام كمؤسسة تضمن بقاء النار تحت الرماد، بعيداً عن أي مسعى للمحاسبة وتحديد المسؤوليات، نعتقد أن هذه الصورة المثيرة لمخاوف كبرى حقيقية مرشحةٌ للتكرار، بلا انقطاع، طالما يعاد بناء الوطن والدولة، مرة بعد أخرى، بالمواد القديمة نفسها، التي كرَّسها اتفاق الطائف، على الرغم من كوة ضيقة نسبياً فتحها على مجتمع ودولة علمانيين.

تلك الكوة الصغيرة المفتوحة أمامنا منذ سنوات، سيكون دورنا جميعاً، ودور كل المتضررين من الواقع الراهن، الممزَّق طائفياً ومذهبياً – شاباتٍ وشباناً تنسد أمامهم آفاق مستقبل مضيء وواعد، سواء على مقاعد الدراسة أو في طور البحث عن العمل، وعاملاتٍ وعمالاً، وفي كل مواقع الإنتاج، في الريف كما في المدن، وفي الزراعة، كما في الصناعة والخدمات، والأعمال الحرفية – أن نعمل ليل نهار على توسيعها. فبقدر ما نستطيع جميعاً أن ننقل بلدنا من وضعه الراهن باتجاه تجاوز البنى الطائفية بالكامل،إلى مجتمع ودولة علمانيين، بقدر ما يمكن عندئذ أن يقوم مجتمع آخر، بالغ الشفافية، وقائم على المحاسبة الدائمة، حيث لا يعود في وسع أحد من المرتكبين من أسفل الهرم الاجتماعي حتى أعلاه، أن يفلت من العقاب.

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *