منذ أقل من شهرين، لا أكثر، كانت اللغة المهيمنة في الشارع اللبناني، والعربي بشكل عام، يسيطر عليها الإحباط. الشارع كان يوصف باللامبالاة، كنا حينها إذا فكّرنا أن نقول كلمة «ثورة» نُصَنّف تلقائياً، وخلال ثوانٍ، إلى حالمين ومثاليين ومن أنصار اللغة الخشبية. كان الإحباط واللامبالاة شعورين رائجين، كانا الثقافة المسيطرة. لكن بعد ثورتي الشعب التونسي والمصري، أصبح الكلام عن الثورة حديثاً يومياً، أصبح واقعاًً. وكل السؤال هو كيف نستطيع أن نجعل الثورة تمتد إلى لبنان!

منذ أقل من شهرين، لا أكثر، كانت اللغة المهيمنة في الشارع اللبناني، والعربي بشكل عام، يسيطر عليها الإحباط. الشارع كان يوصف باللامبالاة، كنا حينها إذا فكّرنا أن نقول كلمة «ثورة» نُصَنّف تلقائياً، وخلال ثوانٍ، إلى حالمين ومثاليين ومن أنصار اللغة الخشبية. كان الإحباط واللامبالاة شعورين رائجين، كانا الثقافة المسيطرة. لكن بعد ثورتي الشعب التونسي والمصري، أصبح الكلام عن الثورة حديثاً يومياً، أصبح واقعاًً. وكل السؤال هو كيف نستطيع أن نجعل الثورة تمتد إلى لبنان! إن حالة الإنقلاب على الثقافة المهيمنة، هذه، التي أشعلتها تونس ومصر – دفعت الملايين حول العالم العربي والعالم بمجمله إلى وعي سياسي واجتماعي مختلف، وإن كان لا يزال بمراحل نموّه الأولى، ولكننا نرى كيف أن هذه الحالة الاجتماعية والثقافية والسياسية تأخذ لنفسها حجماً وحيّزاً سياسياً واسعاً ما بين الناس والشعوب.

الشعوب تصنع التاريخ

إن أهمية ما أنتجته ثورتا تونس ومصر يتعدى فعل إنهاء أكثر من ٢٣ سنة من حكم بن علي في تونس وأكثر من ٣٠ سنة من حكم مبارك في مصر، بل استطاعتا دحض جميع الحجج والتحليلات، التي أرهقنا بها مثقفي اليمين والانظمة ومثقفي «الاعتدال» والوسطية اليسارية خلال عقود من الزمن، التي كانت تقول أن الشعوب العربية غير قادرة وغير جاهزة للتغيير، وإن عهد الثورات قد ولّى.

فاليوتوبيا والمثالية الثورية التي لطالما يتّهم بها كل من يتكلم عن الثورة، لم تعد فقط موجودة في بعض الكتب والمقالات، بل أصبحت واقعاً يمتد ويتنقل من بلد إلى آخر، أصبح شعار «ثورة ثورة حتى النصر» شعاراً شعبياً تهتف به الملايين، وأصبحت لغة اليوم هي لغة الثورة، وأصبحت لغة المهادنة والإصلاح هي «اللغة الخشبية»، لغة الوعود الفارغة، لغة النظام ورجال الأعمال، لغة الفساد والكذب والنفاق.

الشعب أراد إسقاط النظام فأسقطه، واليوم يخوض ثورة بناء نظام آخر، نظام جديد، تتحدد ملامحه من خلال الصراع والنضال الجماهيري اليومي. فما جرى في تونس ومصر جعل العالم بكامله يهتزّ، دفعه إلى الانتقال إلى واقع جديد، إلى عصر مختلف – لم يعد بامكان أحد اليوم أن يقول أن التاريخ تصنعه شلّة من المفكرين والمثقفين والتكنوقراط – بل على العكس تماماً، إن ما أثبتته حركة الجماهير التونسية والمصرية هي أن التاريخ يبدأ فعلياً عندما تتحرك الشعوب.

ثورتا مصر وتونس برهنتا بشكل لا يعترضه الشك أن الشعوب هي من تصنع مصيرها وتاريخها، فليس هناك ضربة حظ، أو «بطل قومي» أو قدرة إلهية أنتجتهما، بل إنها فقط القدرة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتنظيمية لحركة الشعبين التونسي والمصري في سعيهما إلى إسقاط النظام، واستطاعتا إسقاطه!

وهنا نستذكر مقولة، أسقطها معظم اليسار الإصلاحي والتقليدي من أدبياته ومن خطابه السياسي وهي: «إن الشعوب هي من تصنع تاريخها، ولكن لا تصنعه كيفما شاءت، لا تصنعه في ظروف اختارتها هي، بل تحت ظروف موجودة من قبل، ممتدة من الماضي، فإذا بتراث الأجيال الميتة يرمي بثقله ككابوس على أفكار وأدمغة الناس الأحياء» – كارل ماركس، برومير ال١٨ للويس بونبارت، ١٨٥٢».

لربما تكون هذه المقولة الأكثر دقّة في وصف ما يجري اليوم في تونس ومصر وفي الدول الأخرى التي تجتاحها الحركة الشعبية يوماً بعد يوم. ففي عصر الفايسبوك والإنترنت وما يصفه فوكوياما «بنهاية التاريخ» وفي العصر «المابعد حداثوي» وإلى ما هنالك من إرهاصات المفكرين الذين اجتاحوا الصحف وقنوات التلفزة، نرى كيف أن مقولة ماركس تلك تتجسد بشكل صارخ في شوارع تونس ومصر والجزائر وإيران والبحرين ودول أخرى، نرى كيف أن الشعوب تتحدى تراث الماضي والأجيال الميتة (الأنظمة القائمة وأجهزتها الأمنية والاستخباراتية). تجلّى هذا الصراع بشكل واضح في معركة ثوار ميدان التحرير ضد البلطجية وقوى الأمن، كي يضعوا حداّ فاصلاً ما بين التغيير الذي يأملون فيه والذي افترش لنفسه مساحة في معظم ساحات مصر فأصبح لمحة عن المستقبل التي تريد الشعوب بناءه، وبين تراث الماضي الذي يريد الانقضاض على هذا المستقبل ولجم حركة التغيير ومنعها من التقدم.

هذا التباين ما بين إرادة الشعب ومصالح النظام في السيطرة، لا تقتصر فقط على المعارك المباشرة بين الثوّار ومرتزقة النظام، بل أيضاً تظهر في التباين بين الحراك السياسي والاجتماعي والانساني الذي انتهجته الشعوب الثائرة وبين محاولة النظام في بثّ الفوضى والذعر والإرهاب والتفرقة، حينها كُشف الغطاء عن معدن الشعوب الثائرة وعُرِف من هو فعلياً وراء التفرقة الجنسية والعمرية والاجتماعية والإثنية والطائفية. تَبَيّن لنا أن المشكلة ليست في الشعب بل هي في النظام، عندها تلعثمت ألسنة مثقفي النظام ودعاة الإنهزام والاستسلام، وتوقفت أفواه من كان دائماً يغضب ويلوم الناس كونهم طائفيين ومتخلّفين وغير قادرين على التغيير، واحتلّت مكانها شعارات الملايين التي تهتف «مش عاوزينها طائفية، عاوزينها مدنية مدنية» و «مش عسكرية، مدنية مدنية» وإلى ما هنالك من شعارات أخرى وضعت حداً لسياسات الأنظمة القائمة التي سعت إلى استخدام كل الأساليب لمأسسة التفرقة في صفوف الشعوب تحت غطاء السلم الاهلي والوحدة الوطنية.

عفوية الجماهير، التنظيم والطبقة العاملة

لقد تكلّم الكثيرون عن عفوية الجماهير في إنتاج كل من ثورة تونس ومصر، واستُخدمت هذه العفوية في كثيرٍ من الأحيان للقول أن هناك شيئاً جديداً مختلفاً عن الثورات السابقة في العالم، وأن مَثَلا تونس ومصر يدحضان فكرة الحاجة إلى التنظيم، وأنه باستطاعتنا فقط الاتكال على عفوية الجماهير في إحداث التغيير.

المشكلة الأساسية في هذا الطرح هي أنها تختصر الثورة والحراك الثوري بمجمله في شرارته، أي في صحوته الجنينية «العفوية» ويتناسون أن امتداد الثورة ونجاحها في إسقاط بن علي ومبارك لم يكن ليحصل من دون أن تنتقل حركة الجماهير من العفوية إلى التنظيم الذاتي وبلورة مواقف سياسية واجتماعية واضحة. فالعفوية كانت المحفّز للثورة، بينما قامت الجماهير بتنظيم نفسها في أطر ثورية جديدة، وهدّدت كيان النظام بأكمله حين أنتجت قوة تنظيمية رديفة مواجهة لقوة النظام، فأظهرت قدرتها على تنظيم المجتمع بشكل مغاير ومتضارب جذرياً مع منطق التنظيم المركزي للدولة البرجوازية.
فكان للجان الشعبية التي تشكّلت في كلّ من تونس ومصر دوراً مركزياً في الدفاع عن الثورة والدفاع عن الحركة بمجملها، فبثّت الذعر في أجهزة النظام القائم. هذه القدرة التنظيمية ليست مسألة هامشية، بل كانت في صلب عملية نقل الحركة من عفويتها كانتفاضة شعبية إلى تنظيمها على أساس ثورة شعبية، وحينها فعلاً اكتسبت الحركة صفة الثورة.

فالعفوية هي فعل انفجار الوعي الجنيني للجماهير، ولكن لينتقل هذا الوعي من مكانته الجنينية إلى وعي سياسي ثوري هو بحاجة إلى انتقال الحركة بمجملها من حالتها العفوية إلى حالتها الثورية، فيتحول الشعور بالغضب إلى إرادة في التغيير الشامل، إلى إرادة في إسقاط النظام.

أمّا بقاء الحركة في حيّزها العفوي فهو يهدد استمراريتها. هنا يصبح التنظيم مسألة ضرورية، وهذا ما نعنيه بالتنظيم الذي يعتمد ليس فقط على قدرة إنشاء لجان شعبية، إنما يتعدّى هذه المسألة إلى إنتاج مطالب سياسية ثورية جامعة للحركة، وأن هذه القدرة هي التي تمكن الثورة من الاستمرار.
رأينا في كل من مصر وتونس أن لحظة الحسم – اللحظة التي هددت النظام بمجمله – كانت انضمام الطبقة العاملة إلى الثورة من خلال الإضرابات الجماهيرية العامة. في تونس، كانت وتيرة الاحتجاجات واستمراريتها تُحَدّد بدعوة العمال إلى الإضرابات العامة ‪و‬المحليّة وعلى المستوى الوطني، فكانت الإضرابات هي الشكل التنسيقي المباشر للحركة الجماهيرية. استمرار الاضراب يعني استمرار التحركات؛ وفي مصر كانت الإضرابات الجماهيرية العامة التي اجتاحت السويس والاسكندرية والمحلّة الكبرى وفي غيرها من المحافظات والمدن، القوة التي دفعت بالثورة إلى أن تهدد كيان النظام المصري بأكمله مما أجبر مبارك على التنحي، وكما يقول حسام الحملاوي:

«شاركت جميع الطبقات في الثورة المصرية، استطاع مبارك خلال حكمه من استعداء أجزاء واسعة من الطبقات الاجتماعية، في ميدان التحرير وجدتُ أبناء وبنات النخب المصرية يقفون جنباً الى جنب مع العمال والمواطنين من الطبقة الوسطى وفقراء المدن. ولكن يجب أن نتذكر وأن لا ننسى أن النظام بدأ فعلياً بالانهيار عندما بدأت الإضرابات الجماهيرية العامة يوم الأربعاء وعندها اضطر الجيش إلى الضغط على مبارك ليستقيل خوفاً من أن ينهار النظام بأكمله.

«قد يستغرب البعض رؤية العمال المضربين، هذه سذاجة، فالعمال يقومون بأطول وأكثر الاضرابات استمرارية في تاريخ مصر منذ ١٩٤٦، والذي بدأ مع عمال النسيج في المحلّة. ليس خطأ العمال إذا كان العالم لا يعير اهتماماً لإضراباتهم. ففي السنوات الثلاثة الماضية لم يمر يوم واحد من دون إضراب في أحد مصانع مصر، أكان في القاهرة أو في مدن أخرى. هذه الإضرابات كانت ذات طابع إقتصادي وسياسي في آن واحد.» (حسام الحملاوي، «المظاهرات في مصر تُكمل في المصانع»، جريدة الغاردين البريطانية، ١٤ شباط ٢٠١١).

من هنا نرى الدور الأساسي للطبقة العاملة في تثوير الحركة وإعطائها حيزاً أكثر جذرية. فبعد استقالة حسني مبارك رأينا كيف «أن ناشطي الطبقة الوسطى بدأوا بحثّ المصريين إلى وقف التظاهرات والإضرابات والعودة إلى العمل تحت شعار الوطنية ومن أجل بناء مصر جديدة وينشدون أكثر الهتافات سخافة «لنعمل بجهد أكثر مما عملنا من قبل – ولمن لا يعرف، فإن المصريين هم من أكثر الناس جهداً في عملهم في العالم.» (حسام الحملاوي، «العمال، الطبقة الوسطى، الجيش والثورة الدائمة»، ١٢ شباط ٢٠١١ – http://www.arabawy.org/2011/02/12/permanent-revolution/).

مسألة الصراع الطبقي، ودور الطبقة العاملة والوعي الثوري، ليس جديداً، والأهم أنه ليس دوراً جانبياً. فالطبقة العاملة هي الطبقة الوحيدة في المجتمع التي تستطيع تهديد قوام وبنى السلطة والمجتمع القائم، إذ أنها في حيّز حركتها السياسية والاقتصادية تهدّد نمط الإستغلال الرأسمالي القائم، أي أنها تهدد مصدر رزق ومصدر قوة الطبقة الحاكمة في السيطرة على المجتمع، ومن هنا نرى لماذا تقوم الأنظمة الحاكمة حول العالم وخاصة في المنطقة العربية بإحكام سيطرتها على التنظيمات النقابية وبشدّ الخناق على الحركة العمالية، ورأينا كيف أن المطلب اﻷساسي للمجلس الأعلى للقوات المسلحة في مصر، بعد تنحي مبارك، كان إيقاف الإضرابات والتحركات العمالية، إذ تعرف الطبقة الحاكمة أن استمرار التحركات العمالية سيزيد من تجذّر الثورة في مصر لتأخذ حيّزاً أكثر تصادماً مع بنى النظام بمجمله، أي أنها سوف تهدد استقرار النظام الطبقي القائم. ومن هنا نرى اليوم أن العمال والعاملات هم فعلياً من يسعى إلى استمرار الثورة وعدم كبحها من خلال تغيير بعض وجوه النظام الحاكم بينما البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية/الطبقية، أي العامود الفقري للنظام لا يزال موجوداً ويهدد بضرب مكتسبات الثورة ومطالبها.

الوعي الثوري وتلازم المطالب الاقتصادية والسياسية

من أهم الملاحظات التي رأيناها في كل من الثورة المصرية والتونسية هي كيف أن الشارع الذي طالما وُصف بالتخلّف والرجعية أظهر وجهاً يختلف جذرياً عمّا حاولت الطبقات الحاكمة العربية وأوصياء الديمقراطية والتحرر من دول غربية من وصم الشارع العربي بأن الطائفية والتفرقة الجنسية والعنصرية متجذرة فيه، بل، للمقارنة، فلقد كان ميدان التحرير في القاهرة وساحات تونس الأمكنة الأكثر أماناً وتحرراً في العالم، فوقف الرجال والنساء، العمال والعاملات، المسلمون والمسيحيون، وقفوا جميعاً يداً واحدة، توحّدوا في النضال وتوحّدوا على أسس المساواة التي لطالما أنكر المثقفون إمكانية حصولها، فانتهى التحرش الجنسي، ووقف العامل/ة والفنان/ة والمحامي/ة جنباً إلى جنب من أجل الدفاع عن الثورة، وقفوا ضد البلطجية والشرطة ووقفوا من أجل بناء مستقبلهم. عندها رأينا أعظم تجليات الحرية والتقدمية، وهذه المرّة لم تأت من البرامج الممولة ولا من أفواه خبراء الامم المتحدة، بل أتت من الناس أنفسهم.

وحينها فقط رأينا أننا نستطيع أن نحلم، رأينا أن الثورة ممكنة فعلاً، بل إنها ضرورية، رأينا أن ما نريد تحقيقه ممكن من خلال نضالنا المشترك ومن خلال تضامننا وتعاضدنا وصلابة مقاومتنا ضد النظام.

ولكن هذا الوعي لا يمكن أن يكون وليد اللحظة أو القدر، فهو نتاج الحراك السياسي والمطلبي الإقتصادي الذي لم يتوقف بتاتاً فكان نتيجة آلاف التحركات والإضرابات الجريئة التي انتهجها الشارع التونسي والمصري خلال السنوات الماضية. إن هذه الجهوزية للتحوّل الثوري للوعي الجماعي للشعبين التونسي والمصري أتت من خلال الدعوات المتكررة للتغيير وللثورة وللوحدة في النضال ولم تتوقف بتاتاً والتقت حينها مع الظروف الموضوعية التي أنتجت الانتفاضة، وتلاقيهما جعل من الثورة ممكنة.

فالقول أن الوعي الثوري ينتج تلقائياً من فعل التظاهر هو خاطئ وسطحي إذ يمكننا فقط النظر إلى يوم الغضب الذي اجتاح طرابلس يوم سقطت حكومة الحريري لنرَ أن العفوية والتظاهر وحدهما لا ينتجان وعياً ثورياً، بل نحن بحاجة إلى خطاب ثوري، إلى التصدّي المباشر للنظام وتظهير ضرورة التخلّص من الطائفية والتفرقة الجنسية والاستغلال الطبقي، أي إنتاج ثقافة مضادة لثقافة النظام الطائفي الرأسمالي، وعندها حين تتفجّر عفوية الجماهير، يمكن أن تتحوّل إلى وعي ثوري تقدمي.

المسألة هنا هي في إنتاج هيمنة سياسية ثورية على الحركة في الشارع، أي أن تصبح سياسة الشارع هي سياسة تقدمية ثورية، وأن لا نترك المجال للقوى الطبقية الطائفية المهيمنة من استغلال وإفقار الناس لتجييرها لحسابهم وللدفاع عن النظام القائم أو لتحوير المطالب الجامعة إلى مطالب طائفية رجعية.
ومن هنا نرى ضرورة تلازم المطالب الاقتصادية والمطالب السياسية، وأنه لا يمكن الفصل فيما بينهما. كل واحد منهما يغذي الآخر، فالانتفاضة في تونس بدأت من خريجي الجامعات العاطلين عن العمل، لتنتقل إلى المطالب السياسية الجامعة، فكان الشعار «شغل، حرية، كرامة وطنية» وفي مصر رأينا الهتافات الكثيرة التي دمجت ما بين الغبن والاستغلال الاقتصادي والقمع السياسي، فتلازمت مطالب الحرية والديمقراطية وإلغاء النظام الأمني مع مطالب إنهاء حكم رجال الأعمال وناهبي الشعب ووضع حد للغلاء المعيشي.

التلازم هنا ما بين المطلبين السياسي والإقتصادي يعطي بعداًً آخر للثورة، بعدما ترأءى للبعض أنها وصلت إلى حائط مسدود، يريد الكثير من مؤيدي الأنظمة ومن المنظومات الإعلامية القائمة من تصويرها الآن كأزمة حكم، والافتقاد للقيادة، ولكن ما لا يعرفه هؤلاء وما يريدون تناسيه هو أن هذه التحركات نقلت الشارع إلى بعد آخر في عملية التطوّر الثوري، فرأينا كيف أن هذا التجمهر الثوري أسقط، على مستوى كبير، جزءا لا يستهان به من شرعية النظام القائم ومن شرعية حركات المعارضة السياسية الرسمية منها وغير الرسمية – فرأينا مثلاً تراجع الإخوان المسلمين في مصر وأيمن نور أمام ضغط الجماهير، وتبرهن أن من يقود الشارع قوة مختلفة جذرياً عن ما تريده النخب السياسية المعارضة – وفي تونس رأينا كيف أن رشيد الغنوشي الرجل الأبرز في الحركة الاسلامية في تونس يقول فور وصوله من المنفى: «لا شريعة في تونس» إذ أن الحراك الثوري نفسه كشف قصور هذه الحركات السياسية الإصلاحية عن قدرتها عن تلبية تطلبات الشعب.

بناء الأحزاب

في ظل هذه التغيّرات الضخمة نرى أن المجموعات التي تواكب الحراك الثوري وتمشي معه على نفس الخطى وترى نفسها امتداداً لحركة الجماهير هي التي تستعيد قدرتها على النمو، ونعني هنا وبشكل خاص المجموعات اليسارية الثورية التي نراها تنتج ترابطاً أكثر عضوية مع الحراك الثوري، ويبدو هذا جلياً من خلال المقارنة البسيطة لبيانات الاحزاب والمجموعات، فنرى تراجع الأحزاب الكبيرة الاصلاحية عن بياناتها ومواقفها، بينما تتصاعد مواقف المجموعات الثورية يومًاً بعد يوم لتكون أكثر تلازماً مع حركة الشارع.

في هذه الفترات يتم بناء الأحزاب، لأنه في هذه الفترات تتشكّل التكتلات السياسية والطبقية على نهج مختلف من الفترة التي سبقت، فالتباين ما بين ما هو إصلاحي وثوري وما بين من يحاول المحافظة على النظام ومن يريد تغييره يبدو أكثر وضوحاً وأن خطوط الصراع المقبلة تتضح يوماً بعد يوم. ومن هنا تأتي الضرورة للتنظيم الثوري، لأن هزيمة الثورة تعني العودة إلى البلطجية والبربرية وأن نجاحها هو الذي يمكّنها من الاستمرار لتحقيق جميع المطالب ولمنع أي من القوى الموالية للنظام واقطابه من الالتفاف عليها وإعادة إحياء النظام القديم وإن بوجوه جديدة.

في تونس، أُنشئ ما يعرف بجبهة ١٤ جانفيه (كانون الثاني) التي تشكلت من أقطاب اليسار الثوري في البلاد، وفي مصر، بدأ العمل لتأليف حزب يساري ثوري جامع خارج إطار حزب التجمع (الذي كان مهادناً للنظام). في البلدين، يرى اليسار الثوري أنه لا مجال للحفاظ على مكتسبات الثورة وإبقائها مستمرة من دون أن يكون هناك تنظيماً ثورياً جامعاً يسعى إلى الدفع بالحراك الثوري إلى الأمام. بمجّرد وجوده يستطيع هذا التنظيم تشكيل نواة أساسية من أجل إنتاج هيمنة ثورية مناهضة لمحاولات النظام الإنقضاض على الثورة. فهو يثبت أن الشرعية الوحيدة اليوم هي الشرعية الثورية ويدافع عنها ضد محاولات النظام للإنقضاض عليها في تحالف مع القوى الانتهازية التي تحاول ركوب موجة الثورة فقط من أجل الحصول على السلطة ومن دون المسّ ببنية النظام.

هنا تبدأ مرحلة أخرى من الثورة وربما ستكون المعركة الأكبر، إذ أن ما حصل حتى الآن هو إسقاط الوجه السياسي للطبقة البرجوازية الحاكمة، التي تمهّد لتبلور الصراع الطبقي في أشكاله الأكثر مباشرة وحدّة، إذ إن بعد إسقاط مبارك وبن علي، تحوّلت إلى معركة ضد الطبقة البرجوازية الحاكمة بمجملها.
شبكة العلاقات الاقليمية والامبريالية الاميركية

لا تقتصر هذه المعركة فقط على الساحة المحليّة، بل تتعداها لتصبح جزءاً من معركة ضمن شبكة من العلاقات والمصالح الاقليمية والعالمية. فتونس ومصر كانتا من الأنظمة الأساسية الداعمة للسياسات الأمبريالية وحماية السلطة الصهيونية، وكلتا الثورتين شكلتا ضربة قوية للمصالح الإمبريالية الاميركية في المنطقة، وكذلك سبّبت لها أزمة سياسية حيث أن نظام مبارك كان من الأنظمة «المعتدلة» التي طالما دعت والولايات المتحدة والدول العربية الأخرى إلى الاحتفاء بها، وكان نظام مبارك ثاني أكبر متلق للدعم المالي الأميركي بعد إسرائيل، بمنح مالية تتعدى مليار ونصف مليار دولار سنوياً – وكذلك إن كل من النظامين التونسي والمصري هما من الحلفاء الأساسيين للنظام الاقتصادي النيوليبرالي وقد نفذوا نصائح البنك الدولي ومنظمة التجارة بكل حماس خلال العقود الماضية.

ومن هنا فإن الادارة الاميركية تردّدت كثيراً قبل أن تأخذ موقفاً من الثورة المصرية واقتصرت تصريحاتها على الأسف والتحذير والمعاتبة بينما في أيام ثورة الأرز كان الإعلام الاميركي والغربي بمجمله مجيّش لدعم تلك الثورة. وللتذكير لم تحرّك الولايات المتحدة ساكناً حين قام الأمن المصري والبلطجية بمهاجمة وقتل المتظاهرين إلا عندما تأذّى أحد الصحفيين الاميركيين. ونرى مقدار النفاق حين تقول هيلاري كلينتون (وزيرة الخارجية الأميركية): «هناك مسؤولية واضحة على الحكومة المصرية، وعلى الجيش المصري حماية من هم مهددون ولمحاسبة المسؤولين عن هذه الهجمات. على الحكومة المصرية ان تبرهن جهوزيتها لضمان قدرة الصحفيين في تغطية الاحداث» (http://www.america.gov/st/texttrans-english/2011/February/20110203174000su0.7682415.html). أتى ذلك التصريح حين أصبح واضحاً لدى الجميع أن المسؤول عن هذه الهجمات كانت السلطة نفسها.

وفي المقلب الآخر، نرى دول الممانعة العتيدة وهي تقفز لترّحب بالثورة، فكلّ من النظام السوري والإيراني اعتبر الثورة في مصر انتصاراً على الاحتلال والسياسات الاميركية مستغلين الثورة لتسجيل نقاط صراع التنافس البرجوازي في الحفاظ على نظامهما وفي إيجاد هيمنة أوسع لهما في الشرق الاوسط، لذا إن كلاً من النظامين السوري والإيراني قاربا الثورة المصرية والتونسية كونها فقط انتفاضة على الولايات المتحدة الأميركية وإن هذه الثورة ستنبض فقط في الدول الحليفة للنظام الأميركي وحتى أن النظام الإيراني بدأ بكل وقاحة القول بأن الثورة المصرية هي امتداد للثورة الاسلامية في إيران، متناسياً أن الثورة الإسلامية ، فعلياً، كانت انقلاباً على الثورة الإيرانية التي قادها الطلاب والعمال حينها ضد الشاه – ولا تنتهي وقاحة هذا النظام هنا بل يقول أحمدي نجاد: «إن الخطوة الأخيرة قد بدأت‫…‬ نحن في خضم ثورة عالمية يديرها العزيز الإمام المهدي. إن صحوة كبرى تتمظهر. وقد نستطيع أن نشهد أن للإمام المهدي يد في ادارتها(!).» (http://www.allvoices.com/contributed-news/8180966-ahmadinejad-egypt-revolution-reveals-hand-of-the-mahdi-kayhan-international-iran).

ولكن ما يعرفه ويتجاهله كلّ من الولايات المتحدة وحلفائها من جهة والنظام السوري والإيراني من جهة أخرى أن هاتين الثورتين ليستا بثورات مجتزأة تطالب بتغيير بعض من السياسات وبمساحة «أوسع» من الديمقراطية والحرية – بل إن هاتين الثورتين تريدان إسقاط النظام، تريدان التغيير الشامل، وبقدر ما يرفضون ويناضلون ضد الديكتاتورية ويطالبون بالديمقراطية فهم أيضاً يطالبون بالعدالة الاجتماعية والحق بالعمل، وبالقدر عينه أيضاً يطالبون بالكرامة الانسانية والوطنية.

إن مقلبي المعادلة الاقليمية من دول «معتدلة» ودول «ممانعة» هي دول ديكتاتورية قمعية تعاني من أزمات إقتصادية حادّة وتركيز لمعظم الثروات في أيدي حفنة صغيرة من الرأسماليين والعائلات المالكة. من هنا، فإن الأوهام التي تعيشها أنظمة الممانعة تنكشف يوماً بعد يوم في ظل امتداد التحركات المطلبية والانتفاضات الشعبية إلى مدن وعواصم هذه الدول، فنرى كيف بدأ النظام السوري بتخصيص معونات للعائلات الفقيرة وبدأت بسلسلة من الاعتقالات للناشطين السياسيين ومنعت مراراً تحرّكات داعمة للثورة المصرية – وبينما رأينا صعود الحركات الاحتجاجية في ايران عام ٢٠٠٩ واليوم نراها تتنامى من جديد بعد الزخم التي أعطته لها تونس ومصر، وأيضاً في الساحة الايرانية تغيّرات في الموقف وتحوّلات التي تطرأ على أرض الواقع. مثلاً صفحات الفيسبوك الداعية للتحركات في إيران نراها اليوم أكثر انفتاحاً على الشارع العربي تطلب دعمه مقارنة بالانغلاق على الشارع العربي في العام ٢٠٠٩.
ففي مقابلة مع الناشط الطلابي -علي- في جامعة أمير كبير في طهران، يجيب علي حول توقعاته من المجموعات في تونس ومصر: «نريد منهم أن ينشروا بيانات داعمة لحركتنا. تصوّر الأثر الذي قد يصدر إذا ما قام الاخوان المسلمون بإصدار بيان يدعم حركتنا أو إن قام الشباب المصري بإصدار بيان داعم لنا، سيشكل ذلك دعماً معنوياً كبيراً» ويكمل: «الناس لا تعتبر نفسها من مناصري موسوي او كروبي، بل يقولون إنهم جزء من حركة، الحركة الخضراء لا يملكها موسوي بل هي ملك للشعب.» وهنا نرى التحول في الوعي والشعور بقدرة الشعب على التغيير من دون الالتزام بسقف القيادة السياسية للحركة.

إن هذا التحوّل، ولو كان لا يزال في بداياته، نراه يترافق مع تحوّّل في الطبيعة الطبقية للحراك السياسي في إيران، فبينما في ٢٠٠٩ خسرت الحركة الخضراء المعركة السياسية عندما لم تستطع استقطاب الفقراء والعمال وحيث هُُمّش الحراك النقابي من قبل قيادة الحركة وتمّ حصر المطالب فقط على مستوى المطالب الديمقراطية يظهر اليوم تحوّلاً في بنيان الحركة. يقول علي في نفس الصدد:»لقد رأينا ناسًا من جميع فئات المجتمع. العديد من الطلاب ولكن الكثير من كبار السن. لقد رأينا ناساً ذي لباس إسلامي ولحى في صفوفنا. كان هناك أشخاص بدوا فقراء. ونحن لم نكن نتوقع منهم المجيء. لكني أعتقد أنهم جاءوا بسبب الضغوط اﻹقتصادية. وقد وصلت الأمور إلى الأسوأ بسبب الإصلاحات الاقتصادية الأخيرة.»

هنا نستطيع أن نلمس التغيرات التي تطرأ على حركات الاحتجاج في المنطقة وفي الدول العربية، فالثورة في مصر وتونس أعطت بعداً جديداً لحركات الاحتجاج وهو المد واﻷفق الثوري فرأينا كيف أن الهتافات في إيران نادت بسقوط الخامنئي وليس فقط الديكتاتور أحمدي نجاد.

نحو بناء يسار ثوري في لبنان

المسألة الثورية لم تعد مسألة فكرية ونظرية مستقبلية، إنما باتت كلمة يرددها الجميع كل يوم، ومن هنا فإن انتصار الثورة في مصر وتونس وفي إيران أو في سوريا والبحرين والجزائر وغيرهم يعتمد على بناء حركة تضامن شعبية لا تقتصر فقط على الشارع العربي بل يجب أن تتعداه إلى المنطقة برمّتها، فلا يختلف واقع إيران وباكستان وغيرهما عن واقع الدول العربية، فمثلاً «الجملة الرائجة اليوم ما بين الطلاب الجامعيين الباكستانيين هي «انقلاب (ثورة) مصر»» (رياز أحمد، باكستان).

أما محاولات كل من الثامن والرابع عشر من آذار القول أن الثورة في مصر هي امتداد لثورة الأرز أو إنها انتصار لقوى الممانعة، فهذه ليست سوى هرطقة سياسية وقحة يراد منها فقط توظيف ثورتي الشعب المصري والتونسي في مصالح طائفية ضيقة وفي علاقاتهما الاقليمية والدولية – وبالطبع فلا ١٤ آذار ستقف مثلاًً مع الثورة في السعودية (إلا من منطلق انتهازي) ولا فريق الثامن من آذار سيقف إلى جانب الثورة في إيران أو سوريا – لأن كلا الفريقين ينتهي سقفيهما عند حدود النظام والتوازنات البرجوازية الإقليمية. هذه الثورات لم تموّلها السفارات الأجنبية ولم تكن استعراضاً للفئوية والطائفية، بل هي في صلبها تقف بوجه الطبقة الحاكمة بمجملها وضد المعارضات الرسمية الرخيصة، إنها ثورة شعب يصنع الشعب هتافاتها وتأتي من حناجر المناضلين والمناضلات، لا من أجهزة الصوت الباهظة الثمن ولا من على المنابر الضخمة وغرف الفنادق والقصور، بل هي أتت من الشوارع، أتت من الشعب.

إن دعم الثورة في مصر وتونس وفي إيران وفي سوريا والبحرين والسعودية وغيرهم، تتلازم مع مسألة البناء الثوري في لبنان. اليوم تصبح المعادلة أكثر وضوحاًً، هناك شعوب تسعى إلى الحرية والعدالة الاجتماعية والتحرر من أنظمة القمع والإحتلال وهناك أنظمة ديكتاتورية رأسمالية جشعة وتتنقل ما بين حليف مجاهر وحليف خجول للإمبريالية الاميركية، إن هذه الثورات ستدفع بهذه الأنظمة إلى التكتل لمواجهة الموجة الثورية التي تجتاح شوارعها وبالمقابل على الشعوب أن تتكاتف وتتضامن من أجل مواجهة وإسقاط هذه الأنظمة.

فنجاح الثورة في مصر وتونس وإيران وسوريا وغيرهم يمهّد الطريق نحو نمو ثورة في لبنان تنتفض على النظام الطائفي الطبقي البرجوازي القائم. لذا كما نحرص على التغيير في لبنان نحرص على حشد الدعم للثورات التي تتمدّد يوماً بعد يوم وتنتقل من بلد الى آخر.

على اليسار بمجمله الإنضمام اليوم وليس غداً إلى المسار الثوري للشعوب والقطع مع منطق الترجّي وطلب الرحمة من الحكّام، فلغة الجماهير والشارع التي لطالما أراد اليسار التقليدي عزلها عن اللغة السياسية وعن خطابه عادت اليوم إلى مقدمة الساحة السياسية. لذا، عليه أن يختار : إما مع الشارع والشعب وإما مع النظام والزمر الحاكمة! لا مكان بعد الآن للتردّد والوسطية.

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *