يأتي الأول من أيار من العام 2012، وهو يحمل معه مزيداً من الهموم الاقتصادية والمعيشية والاجتماعية بدلاً من أن يحمل، على الأقل، نوعاً جديداً من التقديمات التي تخفف الأعباء وتحسن الظروف الحياتية لصاحب الدخل المحدود.

أكثر من ذلك، تحمل هذه السنة، لمناسبة عيد العمال، المزيد من الهموم، نتيجة انتقال الصعوبات المالية إلى الدولة التي تعاني أزمة في تشريع النفقات، ما يوقف كل إمكانية لتحقيق المطالب العمالية والوظيفية، على اعتبار أن كل المطالب المثارة من القطاعات العمالية والنقابية، ومن المؤسسات الضامنة والمستشفيات والضمان الاجتماعي وتحسين الخدمات، تصطدم بعجز الدولة عن تأمين النفقات اللازمة.


يأتي الأول من أيار من العام 2012، وهو يحمل معه مزيداً من الهموم الاقتصادية والمعيشية والاجتماعية بدلاً من أن يحمل، على الأقل، نوعاً جديداً من التقديمات التي تخفف الأعباء وتحسن الظروف الحياتية لصاحب الدخل المحدود.

أكثر من ذلك، تحمل هذه السنة، لمناسبة عيد العمال، المزيد من الهموم، نتيجة انتقال الصعوبات المالية إلى الدولة التي تعاني أزمة في تشريع النفقات، ما يوقف كل إمكانية لتحقيق المطالب العمالية والوظيفية، على اعتبار أن كل المطالب المثارة من القطاعات العمالية والنقابية، ومن المؤسسات الضامنة والمستشفيات والضمان الاجتماعي وتحسين الخدمات، تصطدم بعجز الدولة عن تأمين النفقات اللازمة.

فعيد العمال هذا العام يمكن، بكل بساطة، أن يحمل عنواناً بسيطاً يلخص واقع الحال (عامل متعب في دولة عاجزة). وكيف لعاجز أن يحمل المريض المقعد ويساعده أو يسعفه؟
بمعنى آخر ان الدولة وإن أرادت التجاوب في احتواء الحركة المطلبية، من دعم البنزين إلى مطالب الاتحاد العمالي والأساتذة المتعاقدين والعمال المياومين، وصولاً إلى صناديق الدعم للمحروقات والعائلات الأكثر فقراً، فإنها لن تجد مصادر التمويل اللازمة في ظل الخلافات المالية حول موازنات السنوات الماضية من جهة، وعدم التوصل إلى صيغة معالجة النفقات الإضافية للعام 2011 بقيمة 8900 مليار ليرة، والمشكلة مستمرة للعام 2012 التي تحتاج اعتمادات مماثلة. هذا إضافة إلى فقدان الثقة بمصادر التمويل الداخلية والخارجية بفعل الأداء الداخلي، من الحكومة إلى المجلس النيابي مروراً بإدارات الدولة وأجهزتها.

الحركة المطلبية لفئات العمال والمستخدمين والاحتجاج النقابي في عيد العمال، لن يكون لهما أي مردود على المدى المنظور، لعجز الدولة مالياً، وتشتتها إدارياً وتفتتها حكومياً، حول القضايا العامة الاجتماعية منها والاقتصادية والمالية. الأهم بالنسبة للدولة اليوم هو البحث عن مصادر تمويل للمشاريع الاستثمارية ذات المردود والعمولات الأعلى، لتمويل المرحلة الانتخابية المقبلة، وهو أمر ليس بالسهل، نتيجة تراجع مصادر التمويل للقطاع العام الداخلية منها والخارجية.
فبين الأول من أيار من العام 1965، والأول من أيار من العام 2012 عيد العمال في هذا العام، محطات من النضال العمالي السابق والحركة المطلبية الفاعلة والناجحة في ذلك الوقت، والمخيبة خلال السنوات الأخيرة، وصولاً إلى الأسوأ في هذا العام على الأصعدة المختلفة، لا سيما بالنسبة لتردي كل أنواع التمثيل العمالي والطلابي والحزبي، ما ساهم بضعف التمثيل النقابي.

لقد شكل نظام تعويض نهاية الخدمة نقلة نوعية في العام 1965، وكانت نقلة متقدمة على سابقه «نظام تعويض الصرف من الخدمة» الذي كان ينص عليه قانون العمل اللبناني منذ العام 1946. فقد أدى هذا النظام الجديد في ذلك الوقت إلى التخلص من مجموعة السلبيات التي كانت متفشية في النظام السابق، والتي كانت تجعل التعويضات أقرب إلى الخيال منها إلى الواقع، بفعل ممارسات وسيطرة أصحاب العمل على الحقوق العمالية. ويشير الواقع الى انه قلما كانت التعويضات تحصل من دون اللجوء الى القضاء.

لقد جاء هذا الانجاز المؤقت، وهو الفرع الأول من فروع الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، نتيجة نضالات الطبقة العاملة ونداءات المفكرين والمهتمين بالشأن الاجتماعي، وهو الانجاز الأبرز وبعده الضمان الصحي والتعويضات العائلية.
لقد توقف نمو الحركة المطلبية وفاعلية الحركة النقابية بعد 47 سنة على قيام فرع نهاية الخدمة، الذي يفترض أن يكون مؤقتاً على أمل تنفيذ نظام التقاعد والحماية الاجتماعية (أو ضمان الشيخوخة), مع توقف عملية تحسين التقديمات الاجتماعية منذ أكثر من 20 سنة، ولم تستطع الحركة النقابية ومجالس الضمان المتلاحقة تحقيق خطوة واحدة إلى الأمام بسبب عوامل عدة أبرزها التبعية السياسية والطائفية للسلطات القائمة، ما أدى إلى تشرذم الحركة النقابية، وحتى الطلابية التي كانت رافداً أساسياً لكل حركة مطلبية.

حتى الهيئات الأكثر تمثيلاً والهيئات الاقتصادية والصناعية تحديداً ضاعت عن توجهاتها فغاب الحوار الاقتصادي الاجتماعي.
أكثر من ذلك لقد أمعنت السلطات السياسية في ممارساتها في ضرب كل الهيئات الثلاثية التمثيل، من لجنة المؤشر ومجلس إدارة الضمان المركب سياسياً وطائفياً على شاكلة أهل السلطة وزعماء الطوائف، وليس على شاكلة الهموم المعيشية والحياتية والتقدم في تحسين الظرف المعيشية للطبقة العاملة.

تعطيل المجلس الاقتصادي والحوار الاجتماعي
حتى المجلس الاقتصادي والاجتماعي الذي نص عليه الدستور، والذي تم تشكيله من كل فئات المجتمع الأهلي وممثلي الدولة، فقد عطلته الممارسات السياسية لأهل السلطة، بسبب الصراع على تكريس الولاءات، وقد ساهم في ذلك غياب الحركات العمالية والهيئات الاقتصادية عن التحرك بقوة لتعزيز الحوار الاجتماعي والاقتصادي. وللتذكير هنا فقط، فالمجلس الاقتصادي الذي حرم من مقومات العناصر البشرية وبالتالي المقومات المالية، حاول التحرك بقدراته الشخصية من رئيسه روجيه نسناس خصوصاً وبعض أعضائه وهيئة مكتبه عامة، وأنجز دراسات وقام بنشاط كاد يكرسه المكان الوحيد للحوار الاجتماعي والاقتصادي بسبب شمولية تركيبته، وهو أمر يبدو أن بعض الدولة حتى لا نقول أكثرها، لا يسر لرؤيته في زمن التبعيات الشخصية والمباشرة لأهل السلطة من قبل العديد من الهيئات المعنية بالحوار الاقتصادي والعقد الاجتماعي، خصوصاً أن المجلس سبق وأنجز مشروعاً لضمان الشيخوخة بناء لطلب من حكومة الرئيس الشهيد رفيق الحريري. كما أنجز، بمبادرات ذاتية من رئيسه وبعض المتعاونين، دراسات قطاعية عن المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، إضافة الى دراسات عن التعليم العالي والقطاع الزراعي، وغيرها من الأمور ذات الصلة بالعقد الاجتماعي. والسؤال البديهي هنا: لماذا اذاً هذا التعطيل القسري للمجلس بوقف مرسوم التعيين بعد سبع سنوات على انتهاء الولاية القانونية للمجلس؟
لذلك فإن قرار الحكومة بتشكيل لجنة للحوار الاقتصادي بين العمال واصحاب العمل ليس بديلاً من قيام المؤسسات الفاعلة ومنها المجلس الاقتصادي والاجتماعي، كونه المكان للحوار الدائم وليس عملاً موسمياً لحل مشكلة أو لاحتضان حملة مرحلية لقضية جزئية.

والسؤال الآخر هو: أين «أصبح ضمان الشيخوخة ونظام التقاعد والحماية الاجتماعية» الذي يفترض ان يحل محل نظام تعويضات نهاية الخدمة المؤقت والذي دخل عامه الـ48 وهو مؤقت؟
وكذلك، ايضا، يمكن السؤال عن غياب الحوار بين العمال وأصحاب العمل عن سبل حماية القطاعات الإنتاجية ومشاركة العمال في الدفاع عن استمرارية عمل المؤسسات، لأن فيها حماية استمرارية عمل العمال والحد من الهجرة والبطالة التي فاقت نسبها الـ22 في المئة، أكثر من 50 في المئة منها تعود للبطالة في صفوف الشباب والمتخرجين.

لا شك بأن السبب الاقتصادي هو الأساس بالنسبة لهجرة الشباب والعائلات اللبنانية نتيجة الضيق المعيشي وتقلص فرص العمل وغياب القدرة على تلبية الحد الأدنى من الأعباء المعيشية.

1- هذا السبب مرده، تحديداً في الفترة الأخيرة، إلى تراجع حجم الاستثمارات في الاقتصاد الحقيقي، بمعنى الصناعة والزراعة والمهن الأساسية، إضافة إلى التزايد في الركود الاقتصادي. وحتى الاستثمار أو حركة الرساميل الوافدة إلى لبنان خلال سنوات ما بعد الحرب كانت موجهة إلى الاستثمار في سندات الخزينة حيث المردود المرتفع من دون أية أعباء ضريبية أو كلفة تجهيز لمؤسسات, وهي أموال كانت تدخل، وهي تراجعت مؤخراً للاستفادة من الريوع المرتفعة وشكلت في بعض الأوقات عبئاً على الاقتصاد وعلى الخزينة.

البطالة وتراجع فرص العمل
بالنسبة إلى العمل في الخارج فقد تراجعت قدرات الدول المستقبلة لليد العاملة اللبنانية، عن إمكانية استقبال اليد العاملة، نتيجة التطورات في المنطقة، ما أدى إلى تراجع تحويلات اللبنانيين في الخارج إلى ذويهم في لبنان، وهي كانت تقدر بحوالي 8,4 مليارات دولار سنوياً، ولم تنم خلال السنوات الأخيرة، بل تراجعت بعض الشيء. هذا الأمر زاد في تصاعد عدد طالبي الهجرة بداعي العمل، وحال دون تحسين دخل الأسرة التي تآكلت قدراتها الشرائية بفعل التضخم والغلاء وصولاً إلى الأعباء الضريبية وأسعار الخدمات من كهرباء ومياه ونقل وصحة وتعليم وسكن وغير ذلك.

لقد كانت الأسباب الأكثر بروزاً للبطالة في السنوات الأخيرة، ومن ثم البحث عن الهجرة، في عمليات الصرف الجماعي والتعسفي من مؤسسات القطاع الخاص، حيث بلغ المعدل السنوي للمصروفين من العمل ما بين 10 آلاف و14 ألف عامل بحسب الإحصاءات الأولية للوساطة التي تقوم فيها وزارة العمل، ليس لإعادة المستخدمين إلى عملهم، بل لتحسين تعويضات الصرف لآلاف الأجراء. أما أسباب الصرف فهي اقتصادية بحجة الخسائر أو الإقفال أو تقليص النشاط، وهذا أمر واضح من خلال كل القطاعات الصناعية والسياحية والزراعية وحتى التجارية. ويمكن القول إن بعض هذه المؤسسات يأخذ من الوضع الاقتصادي ذريعة للقيام بعمليات صرف واسعة.

ويمكن هنا التوقف عند ظاهرة بسيطة، وهي الترك المبكر الذي يشهده الضمان الاجتماعي، أي التصفية المبكرة لتعويضات نهاية الخدمة قبل بلوغ السن أو قبل إكمال 20 سنة خدمة. فالإحصاءات الموثقة تشير إلى أن 57% في المئة من الذين يصفون تعويضاتهم من الضمان يقومون بذلك بداعي ترك العمل، إما بسبب الصرف وإما بسبب الهجرة، وإما بدواع اجتماعية لسداد متوجبات ملحة بسبب الضائقة المالية. إشارة إلى ان عدد الذين صفوا تعويضاتهم خلال العام 2011 بلغ حوالي 16 الف مضمون، منهم حوالي 11 الفاً بداعي ترك العمل قبل استحقاق التعويضات. وهؤلاء يخسرون ما بين 15 و50 في المئة من قيمة تعويضاتهم الفعلية بسبب الترك المبكر الذي يحصل حالياً، إما بسبب عمليات الصرف الجماعي والفردي بحجة الركود الاقتصادي الذي تعيشه البلاد، وإما بسبب الأوضاع والحاجة الاجتماعية بسبب تراجع القدرات الشرائية للأسرة، أو لأن المضمون قرر الهجرة سعياً وراء الفرصة الأفضل، لعدم قدرته على تأمين معيشته في بلده. هذه الأمور مجتمعة تعيشها الطبقة العاملة اللبنانية وما زالت منذ سنوات طويلة وهي إلى تراكم ومن دون علاجات جدية، في ظل حكومات مشتتة التوجهات والسياسات في الاقتصاد والمال والاجتماع، بحيث لم تعد تملك الثقة بوجود الضامن لاستمرارية العمل قبل تأمينه ومكافحة البطالة قبل إحصائها وتنفيذ المشاريع الإنمائية قبل تحديد أولوياتها وجدواها الاقتصادية والاجتماعية والأمثلة كثيرة.

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *