‫عندما بدأت الثورة في تونس ومصر، أيدت المجموعات اليسارية العربية والعالمية الهدف الذي يتظاهر من أجله المتظاهرين. أكدت هذه المجموعات‬ دور الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأنظمة العربية الداعمة، وعلى رأسهم السعودية وقطر، لهذين النظامين السلطويين. مع ذلك، حاولت الولايات المتحدة وحلفاؤها بقوة تحوير مسار الثورة للحفاظ أو لتعزيز مصالحها الخاصة. عُبِرَ عن هذه العدوانية من خلال ثلاث طرق رئيسية:

أولا: أنشأوا وحافظوا على العلاقات المالية والعسكرية مع بقايا مقربة منهم في الأنظمة التي أسقطت، وأقاموا علاقات جديدة مع أحزاب أخرى، خاصة أحزاب الإسلام السياسي.


‫عندما بدأت الثورة في تونس ومصر، أيدت المجموعات اليسارية العربية والعالمية الهدف الذي يتظاهر من أجله المتظاهرين. أكدت هذه المجموعات‬ دور الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأنظمة العربية الداعمة، وعلى رأسهم السعودية وقطر، لهذين النظامين السلطويين. مع ذلك، حاولت الولايات المتحدة وحلفاؤها بقوة تحوير مسار الثورة للحفاظ أو لتعزيز مصالحها الخاصة. عُبِرَ عن هذه العدوانية من خلال ثلاث طرق رئيسية:

أولا: أنشأوا وحافظوا على العلاقات المالية والعسكرية مع بقايا مقربة منهم في الأنظمة التي أسقطت، وأقاموا علاقات جديدة مع أحزاب أخرى، خاصة أحزاب الإسلام السياسي.

ثانيا: أحكموا صلاتهم بالدول الأخرى الحليفة لأميركا، كالمغرب والأردن، في محاولة لدرء بوادر ثورة فيهما.

ثالثا: وانتقلت دول الخليج بقوة لتحوير الثورة عن مسارها الأولي كحركة تطالب بالحقوق المدنية، العدالة الاجتماعية والديمقراطية، وإظهارها كمعركة سنية-شيعية. لهذا التحوير فائدة مزدوجة لهذه الأنظمة تحمي نفسها من جهة من مطالب داخلية بالإصلاح الجذري، وضمان الحصول على حليف سني سيأتي، بحسب تصور هذه الدول، إلى السلطة في تلك البلدان، كسوريا، التي تمر باضطراب شامل.

في سوريا، اليسار يرتاب حول عدد من الأمور: إذ يأتي الدعم للمطالب المتعلقة بحقوق الإنسان وتحقيق الحرية للشعب السوري من أكثر الأنظمة التي تنتهك هذه الحقوق في العالم؛ واقع أن المعارضة المنفية، مصرة من خلال المجلس الوطني السوري الذي تشكل من حلفاء قريبين من الدول الغربية حيث يتسابقون ويتوسلون الغرب من خلال وعده بقطع العلاقات مع إيرات وحزب الله ويطالبون بالتدخل العسكري الأجنبي؛ وبأن الثورة قد حظيت بتغطية إعلامية سيئة، إذا لم تكن الأسوأ، حيث ضخمت جرائم النظام السوري وحجبت الجرائم والوحشية المرتكبة من خصومه.

لماذا على اليسار العالمي الاهتمام بما يحصل في سوريا؟ هل عليه أن يفعل أمر آخر سوى معارضة جهود الولايات المتحدة لإسقاط عدوها الرسمي؟ الجواب مرتبط حول كيف المرء يجيب عن سؤال بسيط: هل تعتبر الثورة السورية جزءا من الثورات التي تعم العالم العربي، حيث تطالب بالحرية وترفض القمع والفساد، أو هي حالة منفصلة، ينبغي تقويمها على حدة؟ هذا السؤال تكرر مرات ومرات منذ ١٥ آذار ٢٠١١. ولكن عند الإجابة عن هذا السؤال، أيا كان هذا الجواب، يجب أخذ بعين الاعتبار ثلاثة أمور: أخلاقي، تحليلي وتنظيمي: أخلاقي، لأنه يرتبط بدعم تطلعات شعب يطالب بالحرية؛ تحليلي، لفهم الواقع والظروف المحركة للمتظاهرين؛ تنظيمي، لكي يعرف اليسار أي جانب يختار في هذا الصراع.

على المستوى السياسي، تعتبر الثورة السورية حركة نضالية تطالب بحقوقها المدنية بوجه حلف أمني-حزبي-عسكري. فالتوقيع على عريضة تطالب بالمزيد من الحرية تعرض موقعها لعقوبة سجن لعدة سنوات بحجة “إضعاف الشعور القومي” وغيرها من الجمل الأورويلية. المظاهرة الأولى التي فرقت جرت في دمشق، حتى قبل أحداث درعا، والشعار الرئيسي التي هتف كان “الشعب السوري ما بينذل”. النقاش السياسي كان مخنوقا والمناقشات العلنية كانت مراقبة ومتحكم بها. النظام السوري السلطوي لم يشكل خطرا فقط على الناشطين سياسيا؛ فالحياة اليومية للسوريين العاديين والطبقة الفقيرة منهم خاصة كانت عبارة عن صراع مرير مع هذه السلطة. امتدت مخالب جهاز الدولة الأمني إلى جميع جوانب الاقتصاد السياسي لسوريا. كل شخص من سائق التاكسي، مرورا بالباعة المتجولين وصولا إلى رجال الأعمال عليه أن يكسب ود، ويرشو، ويسترضي المخابرات السيء السمعة للحصول على أبسط الأمور.

السياسة الأمنية المتبعة وتزايد نسب الفساد خلال العقد الأخير خلال عهد بشار الأسد. هو ما سبب اندلاع الثورة كتعبير عن غضب ضد الحرمان الاقتصادي، الفساد وعدم المساواة والفقر. جمال باروت وجد أن نسبة السوريين الذين يعيشون تحت خط الفقر قد ازدادت من ١١ ٪ عام ٢٠٠٠ ووصلت إلى ٣٣ ٪ عام ٢٠١٠. يعني ذلك أن ٧ ملايين سوري يعيشون حول خط الفقر. خلال العقد الماضي ازداد تهميش السوريين، خاصة في المناطق الزراعية. التهميش تفاقم أثره مع زيادة التصحر، وانتشار الجفاف. وأشارت مجموعة الأزمات الدولية إلى أن نزع الملكية من آلاف المزارعين في شمال شرقي البلاد التي أصابها الجفاف يجب ألا تفهم (نزع الملكية) ككارثة طبيعية فقط، فقد ساهم الاستغلال المكثف للأراضي الزراعية من قبل رجال الأعمال الزراعيين (بما فيها الأراضي التي كانت مخصصة للرعي)، فضلا عن الحفر غير القانوني للآبار الإرتوازية (من خلال دفع رشى للإدارة المحلية) ساهمت في حصول أزمة القطاع الزراعي. كل هذه الممارسات هي برهان على عدم إرادة النظام السوري بقيادة بشار الأسد: لمعالجة نفوذ وتأثير رجال الأعمال، أو، للقيام بالمهام الأساسية. (1)

في الواقع، هذا الكلام يعني أن المتظاهرين يرفضون خطف السلطة من قبل حفنة أوليغارشية. هذا الأمر يمكن استنتاجه من الغضب ضد رامي مخلوف. مخلوف وشركاؤه، حولوا سوريا إلى إقطاعية خلال العقد الأخير. فعلوا ذلك من خلال أمبراطورية اقتصادية واسعة ممتزجة مع القهر والترويع، واستخدام فعال لسلطة الدولة لصالحهم وبما في ذلك السلطة القضائية، واحتيال مطلق(2). ‪وكما قال بسام حداد في مقال حديث‬، “القطاع الخاص في مساره بسوريا سيقوض الدولة والسوق” بفعل المحسوبية وعلاقاته بالسلطة، وهو غير قادر وغير راغب بالتغيير على الرغم من الوتيرة المتسارعة للأحداث في سوريا.(3)

بعبارة أخرى، النظام السوري نظام فاسد وسلطوي وقطاعات واسعة من المجتمع السوري ترفضه ولا تقبل الاذعان له. النظام لا يزال يحظى بدعم من قطاعات أخرى من المجتمع، من الأقليات الذين تعرضوا للصدمة من النتائج الكارثية للاجتياح الأميركي للعراق. هذا الغزو أدى إلى مقتل مئات الآلاف، وساهم في التطهير العرقي والطائفي في العراق. أيا يكن تعرض الثورة للتلاعب أو للسيطرة من قبل الأمبريالية وحلفائها، لا يعني أن النظام يستحق الدعم أو مجرد معارضة أي تدخل أو مساعدة للسوريين. ولا يعني أن قمع النظام ليس حقيقيا، فمعدل الضحايا قد يكون أعلى من المعلن عنه.

يمكن تحدي التدخل العسكري في سوريا، تدخل من شأنه أن يكون له نتائج كارثية، كما حصل في العراق الذي دمر خلال الغزو. ويمكننا أيضا استباق أن القوى الغازية ستختار الفائزين وتثبيت حلفائها، فضلا عن تدمير المزيد من بنية النسيج الاجتماعي في سوريا. لذا على اليسار العالمي، فضلا عن المجتمع المدني الدولي، أن يتدخل داعما الانتفاضة من خلال التعليم، التضامن والمساعدات. يجب أيضا، وعلى قدر المستطاع، محاولة دعم وحماية خيار السوريين ومعارضة أي تدخل عسكري. يحب الاختيار بين الخيارات الأقل سوءا لأن عدم القيام بأي شيء سوف يضمن بأن التلاعب سيستمر من قبل هذه القوى.

[1] Popular Protest in North Africa and the Middle East (VI): The Syrian People’s Slow-motion Revolution. Middle East/North Africa Report N°108, 6 Jul 2011.

[2] Carsten Wieland. 2011. “Asad’s Lost Chances.” Middle East Report Online.

[3] Bassam Haddad. 2011. The Political Economy of Syria: Realities and Challenges, Middle East Policy, 17(2): 46-61. See also Bassam Haddad, “Dictatorship, Military Intervention, and False Binaries on Syria.”

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *