ثقافة

جمانة حداد

ليس غريباً أن تضيق الأنظمة الديكتاتورية بالكتّاب والأقلام وأصحاب الآراء والأفكار والرسوم، إذا لم يسبّح هؤلاء بحمدها، ويكونوا في خدمتها.
أنا أو لا أحد، يقول لك النظام الديكتاتوري. هكذا، لا يحقّ لأي شخص، أن ينظر بشزر الى نظام كهذا، أو حتى أن يضمر فكرة سلبية أو نقدية حياله، باعتبار أنه واحد أحد، منجز، ونهائي. أي أنه صنو المقدّس، بل صنو الإلهي.
لا شريك في القول والتعبير والموقف والرأي للنظام الديكتاتوري. كل شريك، أياً يكن، هو عدوّ. تالياً، يجب إلغاؤه. إما بالإسكات. وإما بالترويع. وإما بالقتل. وإما بالترغيب.
هذه هي طبيعة الديكتاتورية. فإذا لم تمارس طبيعتها الأحادية، تكون تلغي نفسها بنفسها. فمن "الطبيعي"، والحال هذه، أن تعبّر عن أحاديتها بأشكال شتى.
من هذا المنظار بالذات، أتطلع الى الاعتداء الوحشي الرهيب الذي كان...

"هدية إلى صديقي إلياس الخوري"

- تمثال المناضل : ابتعد أيها العصفور !

- العصفور : ولماذا ؟ وهل أضايقك بشيئ ؟!

- التمثال : ألا ترى أنك تلوث كتفي بمخلفاتك ؟؟

- العصفور: لست إلا حجراً، وستأتي الأمطار قريباً فتزيل ما خلفت.

- التمثال : احترم قيمتي وتاريخي النضالي.

- العصفور : وماذا فعلت في حياتك ؟

- التمثال : بقيت أناضل طيلة عمري.

- العصفور : وماذا جنيت من هذا ؟

- التمثال : وماذا سيجني المرء من النضال غير النصر ؟

- العصفور : أنت مخطئ.

لأنك لو انتصرت فعلاً لما بقيت مناضلاً طيلة عمرك.

ولأصبحت كغيرك تنام مساءاً وتصحو صباحاً لتذهب إلى عملك اليومي، تبني وتصنع.

ولوجدت مكان تمثالك قوساً للنصر أو صرحاً للحرية.

النصر لا يحرزه رجلٌ واحد، النصر تحرزه...

عبيدة عامر

ربما لم يدُر ببال بلال، ابن ال 15 عشر ربيعاً، أن لعبه ذاك اليوم لم يكن لعباً، وأنه عندما خرج وقبّل أمه بعد أن سرّحت له شعره، وقالت له: «دير بالك عحالك»، أنه لم يكن يملك حتى نفسه «ليدير باله» عليها كما طلبت منه أمه، ربما... لم يدرِ أن الثواني التي قضتها أمه تسرح له شعره، قد سارت به بخط زمني مستقيم ليلتقي مع الرصاصة في لحظة خالدة... خلدته، وخلدت حزنها عليه...
…ربّما خرج بلال متعمداً كما خرج قبله حمزة وهاجر وثامر بعد أن كذب على والده كذبة بيضاء، كقلبه وطفولته... وكفنه!

ربّما... و ربما...
واليقين الوحيد... أن بلال – كهاجر وحمزة وثامر – لم يعد إلى المنزل ذلك اليوم ... ربما كان عماد شاباً عادياً، لكنه بلا شك كان بهيّاً في حياته، تماماً كما كان يخلد مرتاحاً بعد أن قام بواجبه ودافع عن حماة، عن أرضه وأرض أهله... عن مدينته...

بشير البكر
مازن معروف

اجرى الحوار : مازن معروف ـ بيروت: بعد اكثر من ترحال بين مدن العالم، استقر الشاعر السوري والكاتب السياسي بشير البكر في بيروت. مجموعته الشعرية الأخيرة 'ما بعد باريس' (دار النهضة) حملت ملامح شعرية مغايرة لما سبق للشاعر ان نشر. تخفف النص عنده من أثقال بلاغية، واستعارات رمزية، وأضحت الجملة الشعرية اكثر التصاقا باللحظة الشعرية، وان لم تنعتق منها كليا. في بيروت، كان هذا الحديث عن الشعر والسياسة والثورة السورية.

*كيف تجرؤ أن تسمي مجموعة شعرية وفقا لظرف حياتي خاص جدا أو انتقال شخصي من باريس إلى بيروت، فتتعمم حالتك تلك على القصيدة والشعر، فتسمي مجموعة شعرية 'ما بعد باريس'؟
*التسمية لا تعكس بالضرورة جو العمل الخاص. نقرأ أحيانا مجموعات شعرية لا صلة منطقية رياضية بين محتوى العمل وعنوانه. إذا لم يستطع الشاعر أن يركب عنوانا لمجموعته...

ناي الراعي

مبروك عليكم الشارع يا أشدّاء. ماذا الآن؟ هل ستطلقون عليه لقب «عرين الأسد في بيروت»؟ مضحكون فعلاً. لكنني، رغم طرافتكم المسلية، لا ارغب بمخاطبتكم الآن. أود في هذه اللحظة، أن اكلّم حبيبتي الحمراء، الحضن الذي كنت أركن إليه كلما استأت من الحياة. أريد أن اطمئن على درجات الدومتكس، خزان ذكرياتي. حين اخبرني نبيل انه طورد وضرب عند الدومتكس، انقطع وتر في قلبي. أحسست وكأنني اركض حافية القدمين على زجاج مكسور. وكأن آلاتٍ حادة تنخر قلبي وحنجرتي وقدميّ. تلك الدرجات تذكرني بكل ما هو جميل في حياتي. بأصدقائي، بعمر وإبراهيم وسعد ومحمد وسارة ونرمين وباسكال. بالليالي التي كنا نقضيها على هذه العتبات انتقاماً من ضيق مساحات المدينة. بالأوقات التي كنا نمضيها هناك «بلا ولا شي»، لنفرغ ما في قلوبنا لبعضنا البعض.
منذ أخبرني نبيل بما حصل معه، لا يلمع في ذهني...

سمر يزبك

سأندس في نوم القتلة؛ أسألهم: هل حدقتم في عيونهم، حين اقترب الرصاص من صدروهم؟ لمحتم ثقب الحياة؟ قبل أن تصير سماء دمشق كحلية، حدقوا قليلاً في دوائر ناعمة حمراء حول جباههم وبطونهم، حيث تستقر نوافذ أعيننا.
هنا في دمشق، حيث تنام عيون القتلة بعد قليل، ونبقى حراس القلق الموت ليس سؤالا ًالآن. الموت نافذة نفتحها على الأسئلة.
دمشق مثل كل المدن تصبح أكثر جمالاً في الليل، مثل امرأة بعد الحب، لكنها اليوم أبقت لونها الكحلي ميالاً لبنفسجي باهت، كي نلمح عيون القتلة وهم ينتشرون في الشوارع ولا نراهم بوضوح. من يقتل من وراء الأسطح والأبنية؟ قاتل جبان هو؟ القاتل جبان، وكيف يمكن أن يكون شجاعاً، فهو سلفا مجرد من شرطه الأخلاقي.
أغادر البيت، باتجاه ساحات المدينة، باتجاه الجوامع. الآن في منتصف الظهيرة، يجب أن أعرف شوارع المدينة، شارعاً شارعاً...

باسل ف. صالح

سأعتذر منكم، ومن تضامني معكم حتى بالصوت. سأعتذر عن تراكمي على عتبات الصراخ والألم حين تساقطت الكراسي على رؤسنا في حمرائنا، أو ما كانت حمراء في غابر الزمان، فبات لونها رمادياً من كثرة الغبار. سأعتذر عن انفصامي بين ضميري ومصلحتي، بين وجداني المتعاطف مع الثوار ومصلحتي المتعاطفة مع ذاتي، وإن كانت مرحلية. سأعتذر عن عدم تفريقي بين الخير والشر، بين الحق والباطل، وبيني وبينكم يا ثوار جسدي وروحي. سأعتذر عن يومٍ تعاطفي أودى بورك، ووجه، ورقبة، ووجه آخر، وبعض أشلاء الظهر والأكتاف، وسأعتذر عن عدم تعاطفي بعد الآن، ولو مع ذاتي. سأنتفض على واقعي بواقعي، وعلى مصلحتي بمصلحتي، وسأرحل عن هذه البلاد مطأطأ الرأس أمام ثعبان مارد يلتهم كل ما يمر في درب تهديده. سأتمكن من الخروج من روحي ووجداني بعد ان أرى عددا لا بأس به يرحل، وسأرحل معهم. سأرى بلاداً ما حسبتها...

بابلو نيرودا

هَـا هِـيَ الشَّجَـرَة،

شَجَـرَةُ الْعَاصِفَـة،

شَجَـرَةُ الشَّعْـب،

مِـنَ الأَرْضِ يَصْعَـدُ أَبْطَالُهَـا

كَمَـا النُّسْـغُ مِـنَ الأَوْرَاق

وَكَمَـا تُكَسِّـرُ الرِّيـحُ الأَوْرَاق

أَوْرَاقَ حَشْـدٍ صَاخِـبٍ

إِلَـى أَنْ تَسْقُـطَ بُـذْرَةُ الْخُبْـزِ

عَلْـى الأَرْضِ مِـنْ جَدِيـد.

هَـا هِـيَ الشَّجَـرَة،

الشَّجَـرَةُ الْمُتَغَذِّيَـةُ بِأَمْـوَاتٍ عُـرَاة،

بِأَمَـوَاتٍ جَرْحَـى وَمَجْلُودِيـن،

بِأَمْـوَاتٍ مُسْتَحِيلِـي الْوُجُـوه،

مَرْفُوعِيـنَ فَـوْقَ رُمْـحٍ

وَمَطِعُونِيـنَ فِـي النَّـار،

وَمَضْرُوبِيـنَ أَعْنَاقُهُـمْ بِالْفَـأْس،

مَزَّقَتْهُـم الأَحْصِنَـة،

وَفِـي الْكَنِيسَـةِ مَصْلُوبِيـن.

هَـا هِـيَ...

أحمد م. ياسين

متجولا” في مدينة قمعستان كان هو المواطن “نايم”، متنقلا” بين أحياءها و شوارعها، متأملا” وجوه أهلها و مسترقا” السمع على أخبارهم و مشاكلهم …

زارها من قبل و كأنها لم تكن قمعستان التي يعرفها! أين أهلها و أين طابعها التاريخي؟ أين ذاك التنوع في شوارعها من صليب إلى هلال؟ و هل في أيام الفصح تختفي الإحتفالات فيها؟، أثاره الفضول و أراد أن يكتشف السر، ما الذي قلب المدينة رأسا” على عقب؟ تجول بناظريه و إذا بيافطة أولها “أين الدولة … ؟” فرسم على وجهه بسمة قبل أن يصدم بالباقي … أين الدولة صح! لكن ؟

أين الدولة من هجرة الشباب؟ أين الدولة من حد أدنى للأجور لا يكفي حتى سعر البنزين، أين الدولة من الفساد و أين هي من هموم المواطن!! لكن في قمعستان يختلف السؤال كليا”، تسأل الدولة عن أصول التربية المنزلية و عن تحضير الأطفال و تحويلهم إلى عناصر...

النص للكاتب ل.ل. دو مارس
أمي، أرى قلقك المستمر عليّ ﻷنني، بحسب معاييرك، بدون عمل. لنقل باﻷحرى أنني لا أتلقى أجرا. أنا لن أبكي كل ما كان بإمكاني فعله عندما خانتني قواي الجسدية. الانخراط في الحياة ضمن خطة عقلانية هي أول عملية للامعقول: تأجيل إلى وقت لاحق عندما لا يكون الوقت اللاحق غير أكيد إنما يكون خياليا، عمل مهين بانتظار لحظة محترمة، كأنما هناك فترات من الشفافية يمكن من خلالها الانخراط “في عيش أقل في حساب مؤجل من “عيش أفضل” سيأتي”. ولكن ليس هناك “عيش أقل” أو “عيش أفضل“. دقيقة تمر في إنتاج خدمات غير ضرورية أو مضرة لحساب مفترس له رأس إنسان، دقيقة تمر من خلال الصراخ...

هشام الأشقر

"هذه هي المفارقة في الحيّز العام: حتى لو كان الجميع على علم بحقيقة غير سارة، فمجرد قولها علانيةً يغير كل شيء" سلافوي جيجك.

قبل التطرق إلى موضوع الثورة والحيّز العام سنحاول وضع تعريف للمفهوم الأخير. يمكن اختصار الحيّز، أو الفضاء أو المجال العام بأي مكان تستطيع العامّة الدخول إليه أو التجمع فيه لقضاء حاجات شتى (التنقل، الاسترخاء، التسوّق، إبداء الرأي، المطالبة والاعتراض، إلخ). فالحيّز العام يضم إذاً الطرق، الساحات، الحدائق، المقاهي، الأسواق، المستشفيات، الجامعات وغيرها من الأماكن، كما بالإمكان إضافة وسائل الإعلام المكتوب والمسموع والمرئي وشبكة الإنترنت. فالحيّز العام ليس فقط مادياً ملموساً، كما هو ليس حكراً على الملك العام بل يتعداه إلى الملك الخاص أيضاً، لكنه ليس مكاناً للحرية المطلقة وهو ليس خالياً من القيود، أكانت قانونية أو...

Syndicate content