الفصل الثالث: يوم العمل

نشر في‫:‬الاربعاء, آب 3, 2016 - 09:23
Kazimir Malevich | Flowergirl
الكاتب/ة: كارلو كافيرو.
ترجمه‫/‬ته الى العربية‫:‬ وليد ضو      
المصدر‫:‬      

الفصل الثالث من كتاب "ملخص رأس المال لكارل ماركس" للكاتب الإيطالي الأناركي كارلو كافيرو. كافيرو نشر الكتاب في حزيران عام 1879 باللغة الإيطالية، ومن ثم ترجمه إلى الفرنسية الكاتب جايمس غيللوم عام 1910. أبدى كارل ماركس، ضمن رسالة بريدية وجهها إلى كارلو كافيرو، إعجابه بالكتاب ورأى فيه أفضل ملخص شعبي لـ"رأس المال"، ومن ثم أعيد نشر الكتاب الصادر عام 2008 في دار نشر "الكلب الأحمر" (Le Chien Rouge)

--

بمجرد ولادة رأس المال فإنه يحتاج إلى التغذية حتى يتنامى؛ والرأسمالي، الذي يستمد حياته من حياة رأس المال، سيشعر بالقلق لتأمين الرعاية لهذا الكائن، الذي بات قلبه وروحه، وعليه أن يجد الوسائل الضرورية لإشباعه.

الوسيلة الأولى التي يستعملها الرأسمالي لصالح رأسماله، هي تمديد يوم العمل. من المؤكد، أن يوم العمل له حدوده. بداية، اليوم يتألف من 24 ساعة؛ ومن ثم، من هذه الـ 24 ساعة اليومية، يجب اقتطاع بضعة ساعات التي يستعملها العامل لاسترداد قواه المادية والمعنوية: النوم، وتناول الطعام، وتجديد قواه…

"إن الأشكال الممكنة ليوم العمل لا تتجاوز الدائرة التي فرضها المجتمع والطبيعة. ولكن هذه الحدود هي بحد ذاتها مرنة جدا، وتتمتع بحرية كبيرة جدا. لذلك نجد يوم عمل يتألف من 10 أو 12 أو 14 أو 16 أو 18 ساعة، أي أن ثمة مُدَد مختلفة لطول يوم العمل.

"اشترى الرأسمالي قوة العمل بقيمتها ليوم واحد. وقد اكتسب الحق بتشغيلها طيلة يوم بواسطة عامل يعمل في خدمته. ولكن ما هو يوم العمل؟ في كل الأحوال، هو أقل من اليوم الطبيعي (24 ساعة). بكم؟ للرأسمالي وجهات نظر خاصة بشأن الحدود اللازمة ليوم العمل… الوقت الذي خلاله يعمل العامل هو الوقت الذي يستهلك فيه الرأسمالي قوة العمل التي اشتراها. إذا استهلك العامل لصالحه الخاص هذا الوقت، فإنه يكون قد سرق الرأسمالي.

"لذلك يرتكز الرأسمالي على قانون التبادل. فإنه يبحث، كأي مشتر آخر، عن استخراج من القيمة الاستعمالية لسلعته أكبر ربح ممكن. ولكن فجأة يعلو صوت العامل، قائلا:

"السلعة التي بعتها لك تختلف عن مجمل السلع التي تأتي قيمتها من استعمالها، قيمة أكبر من كلفتها. لهذا السبب اشتريتها. وما يبدو لك كقيمة لرأس المال، هو بالنسبة لي فائض في استهلاك قوة العمل. أنا والقانون، لا نعرف في السوق إلا قانون واحد، هو تبادل السلع. استهلاك السلعة لا يتعلق بالبائع الذي يبيع، إنما بالشاري الذي يستحوذ. تحديد استعمال قوة عملي اليومية يتعلق بك. ولكن يجب لقاء معدل سعر البيع اليومي أن أستطيع إعادة إنتاج قوتي لأبيعها من جديد. وبصرف النظر عن الاستهلاك الطبيعي الناجم عن التقدم بالعمر… يجب أن أظل قادرا على العمل غدا كما اليوم، وفق ظروف طبيعية من القوة والصحة والمعنويات. وأنت تحلف دائما مدعيا الطهارة والعفة. جيد! أريد إدارة معقولة ومقتصدة لثروتي الوحيدة، قوة العمل، أريد حفظها والابتعاد عن كل إسراف في استعمالها. لا أريد، كل يوم، خلال تحرك قوة العمل، وتحويلها لعمل، سوى المقدار المتوافق مع مدتها العادية وتطورها المعتاد. وعندما تجري تمديدا غير متناسب ليوم العمل، يمكنك، خلال يوم واحد، استخدام أكبر كمية ممكنة من قوة عملي والتي لا يمكنني إعادة انتاجها في ثلاثة أيام. ما تربحه من العمل، أخسره بجوهر عملي. ولكن استعمال قوة عملي وسرقة هذه القوة هما شيئان مختلفان جدا. إذا كان متوسط حياة العامل العادي تخضع لقاعدة عمل معقولة مدتها 30 سنة عمل، وأنت تستهلك خلال أول 10 سنوات قوة عملي، ولا تدفع لي سوى ثلث قيمتها اليومية، وأنت تسرقني كل يوم بثلثين من قيمة سلعتي. أنت تدفع قوة عمل يوم واحد، في حين تستهلك واحدة خلال ثلاثة أيام. أطالب إذا بيوم عمل ذات مدة معقولة، أقول ذلك دون التودد إلى قلبك، لأنه في عالم الأعمال لا وجود للمشاعر. يمكنك أن تكون برجوازيا نموذجيا، وأن تكون عضوا في جمعية لحماية الحيوانات، وأن تظلل السوق برائحة القداسة: ولكن ما تمثله تجاهي لا علاقة له بالقلب الذي يدق في الصدر. ما يبدو مرتعشا، هو نبضات قلبي أنا. وما أطالبه هو يوم عمل عادي، لأنني أطالب بقيمة بضاعتي، كأي بائع آخر.

"كما نرى، وبغض النظر عن الحدود المرنة للغاية، لا يوجد شيء ضمن طبيعة قانون تبادل السلع، ما يفرض حدودا ليوم العمل، وبالتالي، حدودا للعمل الزائد. الرأسمالي لا يمارس سوى حقه كشارٍ، وعندما يسعى إلى تمديد إلى أكبر قدر ممكن يوم العمل، عندما يريد بيوم عمل تحقيق يومين عمل. من جهة أخرى، فإن الطبيعة الخاصة بالسلعة التي تم بيعها تفرض قيودا على استهلاكها من الشاري، والعامل لا يفعل سوى ممارسة حقه كالشاري عندما يريد تخفيض يوم العمل لمدة معقولة. فينشأ عن ذلك تناقضا، حق الرأسمالي مقابل حق العامل، الأول والثاني يحملان دمغة القانون الذي ينظم تبادل السلع. وبين حقين متساويين القوة هي التي تقرر". (1)

كيف تعمل للقوة، المملوكة اليوم من رأس المال وتعمل لصالحها، هذا ما سنقوله عند عرض الحقائق. الوقائع الواردة في الكتاب مقتبسة من الواقع الانكليزي: أولا، ولأن هذا البلد قد بلغ فيه الانتاج الرأسمالي أقصى تطوره، الحد الأقصى الذي تسعى كل الدول للوصول إليه؛ ثانيا، لأنه فقط في انكلترا يتوفر وثائق مادية تتعلق بظروف العمل، وقد جمعتها بعناية لجان حكومية. ضيق المجال في هذا الملخص لن يسمح لنا سوى بنقل جزء صغير من المواد الغنية التي جمعها ماركس في كتابه.

هنا بعض الحقائق المأخوذة من التحقيقات التي أجريت عام 1860 و1863 في مصنع للسيراميك، و. وود، 9 سنوات، عندما بدأ العمل كان يبلغ عمره 7 سنوات و10 أشهر. يعمل كل أيام الأسبوع، من السادسة صباحا وحتى التاسعة مساءً، أي حوالي 15 ساعة يوميا. ج. موراي، 12 سنة، يعمل بحمل الأشكال وإدارة عجلة القيادة. يبدأ عمله السادسة صباحا، وأحيانا الرابعة صباحا، ويستمر بعمله، أحيانا، حتى اليوم التالي. ليس وحده على هذا الحال، ولكن يشاركه في هذا الوضع 8 إلى 9 أولاد آخرين يُعامَلون مثله. الطبيب تشارلز بيارسون كتب إلى مفوض الحكومة التالي: "لا أستطيع الكلام سوى انطلاقا من ملاحظاتي الشخصية وليس انطلاقا من الإحصاءات؛ ولكنني أؤكد على صدمتي الكبيرة مما يتعرض له هؤلاء الأطفال الفقراء، الذين ضحوا، من خلال عملهم مرهق، بصحتهم لإرضاء جشع أهلهم ومدرائهم". وقد عدد أسباب مرض الخزافين، وختم لائحة الأسباب بالسبب الرئيسي الكامن وراء ذلك، ساعات العمل الطويلة.

في مصانع الكبريت، نصف العمال هم من الأطفال دون 13 من عمرهم ومن الفتيات دون سن الـ 18. هذه الصناعة غير صحية والمقززة لها سمعة سيئة يتعرض لها فقط الجزء الأكثر بؤسا من السكان والذي يؤمن لها الأطفال للعمل فيها. بحسب الشهود الذين استمع إليهم مفوض الحكومة وايت عام 1863، كان هناك 270 عامل أقل من 18 سنة، 40 عامل أقل من 10 سنوات، 10 عمال لم يبلغوا 8 سنوات، و5 عمال عمرهم 6 سنوات. ويتراوح يوم العمل بين 12 و14 و15 ساعة. يعملون خلال الليل؛ ووجبات طعامهم غير منتظمة، ويعملون تقريبا دائما في نفس الغرفة من المصنع، الذي تفوح منه رائحة الفوسفور.

في مصانع السجاد، خلال الموسم الأكثر نشاطا الممتد من تشرين الأول/أكتوبر حتى نيسان/ابريل، يستمر العمل دون انقطاع تقريبا من السادسة صباحا حتى العاشرة ليلا وحتى أكثر من ذلك. في شتاء العام 1862، من بين 19 فتاة، تركت 6 منهن المصنع نتيجة للأمراض الناتجة عن الإرهاق في العمل. لإبقائهم مستيقظين، كنا نضطر إلى هزهم. الأولاد كانوا جد متعبين ولم يكونوا يستطيعون فتح عيونهم. وقد قال عامل أمام لجنة التحقيق التالي: "هذا ابني الصغير، اعتدت أن أحمله على ظهري عندما كان في السابعة من عمره للذهاب إلى المصنع والعودة منه بسبب الثلج، يعمل عادة 16 ساعة! وكنت أركع إلى جانبه، لإطعامه عندما كان بقرب الآلة، لأنه لم يكن يستطيع تركها أو التوقف عن العمل".

في أواخر شهر حزيران/يونيو عام 1863 أثارت صحف لندن الكثير من الضجة حيال مسألة الموت "الناجم عن الإرهاق في العمل"، فهناك عاملة في مصنع للقبعات يبلغ عمرها 20 عاما. كانت تعمل في الأيام العادية 16 ساعة ونصف كل يوم، متوسط العمل اليومي في مصانع القبعات، ولقاء زيادة طفيفة، كان عليها أن تعمل 21 ساعة ونصف دون انقطاع، مع 60 عاملة أخرى. ولكنها ماتت قبل أن تكمل مهمتها. الطبيب الذي أبلغ بعد فوات الأوان، قال إنها توفيت نتيجة لساعات العمل الطويلة في المصنع المزدحم وغرفة نومها الصغيرة جدا ودون تهوئة.

في واحدة من أكثر الأحياء اكتظاظا في مدينة لندن، يبلغ معدل وفيات الحدادين 31 بالألف. هذه المهنة، هي بحد ذاتها لا تقدم إلا كل ما هو مضر بالصحة، أصبحت، بمجرد المبالغة في كثافة العمل، مدمرة للإنسان.

هكذا يستغل رأس المال ويعذب العمال. والأخير بعد أن عانى الكثير، يبحث في النهاية عن وسيلة للمقاومة. فيتجمع العمال ويطلبون من السلطة الاجتماعية تحديد ليوم العمل العادي. يمكننا أن نفهم بسهولة ما يمكنهم الحصول عليه، باعتبار أن القانون وضع وطبق بواسطة أولئك الرأسماليين ضد العمال الذين يرغبون باستعماله [للقانون].

الهوامش: 

(1) ماركس- مرجع سابق. العبارات التي وردت بين مزدوجين هي جمع لاقتباسات وردت في كتاب رأس المال، وقد جرى تقريبها من بعضها البعض، وهي جزء من جمل أكبر. بطبيعة الحال، خلال هذه العملية من الجمع والفصل، لا بد من زيادة بعض الكلمات إلى النص. فمن المفيد تنبيه القارىء إلى ذلك. [الملاحظة من كافيرو]