الاستعمار الجديد وأزمة قيم اليسار

نشر في‫:‬الثلثاء, كانون اول 29, 2015 - 11:34
جدارية لدييغو ريفييرا
الكاتب/ة: راؤول زيبيتشي.
ترجمه‫/‬ته الى العربية‫:‬ وليد ضو      
المصدر‫:‬      

‫عندما تنحسر الرؤية إلى حدها الأدنى بسب العواصف القوية التي تحجب تصور الواقع، ربما يكون مفيدا رفع نظرنا، وتسلق المنحدر للعثور على نقاط مراقبة أوسع لتمييز السياق الذي نتحرك فيه. اليوم، وحيث يجتاح العالم مجموعة من التناقضات والمصالح المتعددة، هناك ضرورة ملحة لصقل الحواس من أجل مراقبة أبعد مدى، نحو الخارج، ولكن أيضا نحو الداخل.‬

‫في أوقات التشوش حيث تدمرت الأخلاق، وحيث تختفي معالم الاسترشاد الأولية ويحل محلها شي من هذا القبيل: "كل شيء مباح" التي تسمح بدعم أي قضية لأنها تعادي العدو الرئيسي، بعيدا عن أي اعتبار للمبادئ والقيم. هذه الاختزالات تؤدي إلى طريق مسدود، كما حصل عندما جرى تشبيه فلاديمير بوتين بلينين، المثل الدارج اليوم.‬

‫التدخل الروسي في سوريا هو فعل استعماري جديد، يضع روسيا إلى جانب الولايات المتحدة وفرنسا وانكلترا. لا وجود لاستعمار جيد، وتحرري. كم هو "جميل" تبرير التدخل الروسي عبر استعمال حجة أنه يبطئ الدولة الاسلامية والهجوم الامبريالي‬ الغربي في المنطقة، وهو الأمر عينه المستخدم في المقابل عبر استعمال أساليب وحجج مماثلة [لتبرير التدخل الامبريالي الغربي المقابِل].

السؤال الذي أعتبره مركزيا هو التالي: لماذا نسمع أصواتا يسارية في أميركا اللاتينية داعمة لبوتين؟ من الواضح أن الكثير من الناس عقدت أمالها على تحقيق عالم أفضل عبر تدخل القوى الكبرى مثل الصين وروسيا، آملة بأن يمنع ذلك أو يدمر القوى التي ما زالت مهيمنة. وهذا أمر يمكن تفهمه، نظرا للمساوئ التي ارتكبتها واشنطن في منطقتنا [أميركا اللاتينية]. ولكنه خطأ استراتيجي وانحراف أخلاقي.

أود إيضاح هذه الحالة، الحاسمة على نحو خاص، عبر استخدام وثيقة تاريخية: رسالة إيميه سيزير التي وجهها في شهر تشرين الأول عام 1956 إلى الأمين العام للحزب الشيوعي الفرنسي، موريس توريز. هذا النص كتب في منعطف تاريخي، بعد وقت قليل من انعقاد المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفياتي الذي شجب الجرائم الستالينية علنا؛ وفي الشهر عينه انطلقت انتفاضة شعبية في المجر ضد النظام البيروقراطي الموالي لروسيا (حيث سقط خلالها مئات القتلى)، كما شن العدوان الاستعماري على مصر عقب تأميم قناة السويس [في تشرين الأول غزا الكيان الصهيوني قطاع غزة وسيناء ووصل إلى منطقة قناة السويس؛ ومنذ 31 تشرين الأول قصفت فرنسا والمملكة المتحدة مطارات مصر؛ وعند بداية شهر تشرين الثاني تدخلت القوات الفرنسية على الأرض؛ وسعت الولايات المتحدة إلى نزع فتيل الأزمة مستخدمة نفوذها في المنطقة؛ ودعم الاتحاد السوفياتي جمال عبد الناصر وبنى تأثيرا له في المنطقة].

سيزير غادر الحزب الشيوعي الفرنسي بعد المؤتمر المخزي حيث كانت القيادة غير قادرة على إظهار أي نقد ذاتي تجاه الجرائم التي جرى الكشف عنها، وفي الواقع، استمرت في الدفاع عنها. ولد سيزير في جزر المارتينيك، وكما فرانز فانون، كان أستاذا في التعليم الثانوي. كان شاعرا ومؤسسا للحركة الزنجية خلال الثلاثينات. عام 1950، كتب "خطاب عن الاستعمار" الكتاب الذي كان له بالغ التأثير على المجتمعات السوداء. كانت رسالته إلى توريز، إذا أردنا استعمال كلمات ايمانويل واليرشتاين: "الوثيقة التي توضح وتفسر بشكل أفضل الانفصال بين الحركة الشيوعية العالمية ومختلف حركات التحرر الوطني" (وردت في مقدمته لكتاب سيزير "خطاب عن الاستعمار"). هناك ثلاثة أسئلة، في رسالته، تلقي الضوء على أزمة قيم اليسار التي نشهدها اليوم.

السؤال الأول يكمن في عدم وجود إرادة للقطع مع الستالينية. سيزير ثار ضد النسبية الأخلاقية التي تدعي درء الجرائم الستالينية "ببعض الجمل الميكانيكية". وهي بالفعل جمل فيتشية، متكررة، تؤكد أن ستالين "ارتكب أخطاء". قتل الآلاف من الناس ليس خطأ، حتى لو كان يقتل من أجل قضية عادلة مفترضة.

الجزء الأكبر من اليسار لم يجرِ أي تقييم جدي، أو أي نقد ذاتي، للستالينية، حتى تلك التي كتبت في هذه الصفحات [في الجريدة المكسيكية "لا جورنادا" التي نشرت هذا النص]، وبالطبع تذهب بعيدا عن شخصية ستالين. ما أعطى الحياة للستالينية هو نموذج المجتمع المتمحور حول الدولة وسلطة بيروقراطية التي تحولت إلى برجوازية دولة، التي تسيطر على وسائل الانتاج. وتستمر في الاعتماد على اشتراكية تكرر النموذج القديم وعفا عليه الزمن تقوم على مركزة وسائل الانتاج.

السؤال الثاني هو أن نضال المسحوقين "لا يمكن النظر إليه بكونه جزء من مسألة أكبر"، يقول سيزير، لأن هناك "فرادة في مشاكلنا ولا تنسحب على بقية المشاكل". النضال ضد العنصرية، يضيف، "له طبيعة مختلفة لنضال الطبقة العاملة الفرنسية ضد الرأسمالية الفرنسية ولن يكون بأي حال من الأحوال كجزء منه، أو قطعة من هذا النضال" [أي تابعا له].

حول هذه النقطة، النضال ضد الاستعمار والنضال ضد الأبوية له نفس التحليل. "حيث تذوب هذه القوى في منظمات غير خاصة بهن، غير مبنية بواسطتهن ومن أجلهن وغير مكيفة مع أهداف وضعوها بأنفسهن". حتى اليوم، هناك العديد من الناس لا يفهمون أن النساء يحتجن إلى مساحات خاصة بهن، مثل كل الشعوب المضطهدة.

يؤكد سيزير على أنه يجب "عدم الخلط بين التبعية والتحالف"، وهو أمر شائع جدا بين أحزاب اليسار التي تسعى إلى "استيعاب" مطالبات قطاعات مختلفة تحت قضية واحدة، ومن خلال وحدة مقدسة لا تفعل شيئا سوى الهيمنة على الفروقات، وفرض نماذج قمعية جديدة.

السؤال الثالث الذي تطرحه رسالة سيزير، وهو بواقعيته يثير الغضب، وله علاقة بالأممية. وتحديدا، مع بناء أممية غير ممركزة أوروبيا، في داخلها لا يتم فرض الشمولي على التنوعات والفروقات. "ثمة طريقين للخسارة: عبر الفصل بين القضايا، أو عبر الذوبان ضمن "الأممية"".

نحن ما زلنا بعيدين عن بناء "أممية غنية بالفروقات، وغنية بالتنوعات، تعمق التعايش بين جميع هذه الاختلافات" هكذا كتب سيزير منذ ستين عاما.

أولئك الذي يراهنون على قوى مهيمنة بوجه أخرى تمارس أيضا الهيمنة والاقصاء، ومن اليسار؛ أولئك الذي يناهضون القنابل السيئة لليانكيز ويؤيدون القنابل الجيدة للروس ما زالوا يتبعون خطى الستالينية الذي يمسح كل الماضي وكل الفروقات، بدلا من العمل على شيء مختلف، من أجل عالم متعدد العوالم.

نشر المقال باللغة الفرنسية في موقع a l encontre في 21 تشرين الأول عام 2015، مترجما عن الاسبانية والمنشور في الأصل بموقع صحيفة لا جورنادا بتاريخ 16 تشرين الأول عام 2015