كامل مداخلات ندوة الحراك في أبعاده الجندرية

نشر في‫:‬الجمعة, تشرين اول 30, 2015 - 15:32
تصوير بات سي
الكاتب/ة: لميا مغنية، رين نمر، لين هاشم.

قررنا في "هيئة تحرير المنشور" نشر مداخلات المتحدثات في الندوة حول: "الحراك في ابعاده الجندرية" (التي نظمها كل من قسم العلوم الاجتماعية والدراسات الاعلامية في الجامعة الأميركية في بيروت مركز الأصفري للمجتمع المدني والمواطنة، نادي السنديانة الحمراء والنادي العلماني في الجامعة الأميركية، يوم الأربعاء 28 تشرين الأول 2015) كاملة نظرا لأهميتها، ومن دون التدخل من جانبنا بأي تعديل، سوى من حيث الشكل. فالكلمات التي ألقيت هي في اللغة العامية، وعمدنا الى "فصحنتها" بهدف نشرها مكتوبة وبشكل قابل للقراءة. 

لميا مغنية (صوت النسوة): ما علاقة النسوية في ما يحصل بلبنان الآن وماذا نقصد بشعار: النظام الأبوي قاتل؟ وما علاقته بالطائفية والأزمات الاجتماعية؟ هذا السؤال الذي حير الملايين! وهل الخطاب النسوي ثانوي أم مركزي وفي صميم المطالب التي يرفعها الحراك؟

لكي أستطيع الإجابة عن هذه الاسئلة سأبدأ بتجربتنا كـ"صوت النسوة" في هذا الحراك. صوت النسوة هي مجموعة صغيرة مؤلفة من كاتبات وفنانات وناشطات نسويات اجتمعنا سوية لأننا نريد أن ننتج أدوات معرفة نسوية جديدة لكي نستطيع تقديم قراءة للنظام الذي نعيش ضمنه، قيمه والاسس التي يرتكز عليها وايديولوجيته والذي نعتبره نظام ذكوري وأبوي بامتياز. والنظام الذكوري الأبوي يقوم على سلوكيات معينة وعلى منطق عام يعتبر بديهي ومسلم به، يشجع سيطرة الذكر على أشخاص لا يعرفون أنفسهم ولا يستطيعون أن يكونوا ذكورا. وفي صوت النسوة نركز على تأثير هذا النظام الذكوري الأبوي على النساء تحديدا في لبنان، اللبنانيات وغير اللبنانيات. ونعمل على أن يكون هذا الانتاج المعرفي عابر للأجيال لأن مشاركة النساء في الحركات الاجتماعية في لبنان والسياسية لم تبدأ اليوم بل لديها تاريخ كبير في لبنان. 

وخلال الحراك الأخير كنا نحاول كـ"صوت" قراءة الشارع وقراءة عنف السلطة والأمن لفهم علاقات القوة في النظام وفي الشارع. وأقصد بالشارع أنه من صوته الذي يصل ومن أصواته ومطالبه من السهل أن تصل، على من هذا الشارع مقفل؟ ولمن لا يعتبر هذا الشارع كمساحة آمنة؟ وفي الوقت عينه نحاول قراءة النظام في علاقته مع الشارع وما هي منظومته العنفية التي يتعامل من خلالها مع الشارع. 

في بداية الحراك قررنا النزول مع يافطات وشعارات رأينا أنها ليست موجودة في الشارع وأن الناس لا تتحدث بها ومنها ما هو يذكر بالعنصرية في لبنان، في التحرش الجنسي، وحقوق اللاجئين وحقوق النساء. طبعا تفاعل الناس كان مختلفا فهناك من تهجم علينا، ومنهم من أتى ليتحدث إلينا وأجرينا نقاشات معهم. بالنسبة لنا، الشارع هو مساحة مطلبية، لكنه في الوقت عينه مساحة عامة للنقاش مع أشخاص لا نلتقي بهم دائما. ومن الأمور التي عملنا عليها هو انتاج المقالات حول أهمية الطرح النسوي في الحراك وبدأنا بـ"راديو صوت" حيث نزلنا الى الشارع وسألنا النساء عن مطالبهن وهواجسهن ويمكنكم الاطلاع عليها على ويبسايت صوت وصفحتنا على الفايسبوك. وحاولنا أن ننتج معرفة مشتركة حول الروابط بين النظام الطائفي وبين غياب العدالة الاجتماعية والروابط بين العنف الأبوي والعنف الذي تستخدمه السلطة مع الشارع. وأطلقنا مبادرة البلوك النسوي والذي هو إطار مستقل يجمع نسويات من مجموعات سياسية واجتماعية مختلفة ونحاول أن نعمل سويا لتأمين تضامنا نسويا للمتظاهرات والمهمشات والمهمشين داخل الحراك وخلق مساحة آمنة للنساء والمجموعات المهمشة الأخرى لكي يستطعن التعبير عن مطالبهم بطريقة أفضل. البلوك النسوي رفع شعار "النظام الأبوي قاتل" وبرأيي الشخصي ليس شعارا مطلبيا، هو شعار توصيفي من خلاله نفتح النقاش والتفكير بالروابط بين العنف الأبوي والعنف الاجتماعي والاقتصادي. فهذا الشعار يذكر أن معركتنا هي مع نظام أبوي لديه القدرة على انتاج الطائفية والفساد والعنف ويخلق التمييز بين الأشخاص عن طريق العنصرية. هو شعار هدفه "الحركشة" وخلق نقاش حول ما هو النظام الأبوي؟ من يقتل؟ وكيف يقتل؟ وما علاقته بمطالبنا الحياتية؟ 

النضال النسوي هذا لا"يحركش" فقط بالنظام إنما أيضا بالمجموعات السياسية الموجودة. لأن الهدف ليس إعادة إنتاج نفس النظام مع إضافة قليلة من الكهرباء والماء وأقل من النفايات، الهدف ألا نعيد إنتاج نفس السياسيين ونفس نوعية الناشطين الموجودين. 

ومن الأمور التي قمنا بها هو توثيق حالات التحرش التي حصلت بالمظاهرات. وهذا التوثيق لاقى ردات فعل مختلفة من المجموعات السياسية، إذ هناك من اعتبرها مبالغة وثانوية وهناك من اعتبر أن توثيق التحرش مضر بالحراك وكأن الحراك تحول فجأة الى شيء مقدس لا يمكننا نقده وأن نعمل سويا لتحسينه. 

عن أهمية الخطاب النسوي في الاحتجاجات الحالية: الخطاب النسوي هو أداة لتعرية النظام ونقده ونقد الفكر اليومي الذي ينتجه. الخطاب النسوي يساعدنا على "الحركشة" في ما يعتبر بديهي ومسلم به كمنطق عام. والبديهيات غالبا ما تكون مركبة وتخفي ايديولوجية الدولة التي هي أبوية. فيمكننا استعمال الخطاب النسوي للتفكير في خطابين ذكوريين وهما الخطاب الممجد بالعسكر، وهو خطاب سائد اليوم. والخطاب الثاني هو الخطاب ذو النزعة القومية اللبنانية الذي يظهر في المظاهرات. التحليل النسوي يمكننا من التفكير في مصادر هذا الخطاب، وفي تاريخه والسياق المنتج له وعن أي نوع من قلق السلطة يعبر عنه هذا الخطاب. لذلك، يجب أن نرى وفق أي أسس تبنى قيم النظام الأبوي لكي نستطيع العمل على اسقاط النظام. 

لذلك من المهم أن ننزل الى الشارع للمطالبة بالكهرباء والماء وغيره من المطالب، لكن من الضروري بالوقت عينه أن نفكر ما هي طبيعة هذا النظام الذي ينتج هذا النوع من الفساد. 

ثمة حاجة لقراءة نسوية تستطيع تسليط الضوء على عناصر القوة والعنف والتمييز لدى السلطة. وهذه القراءة ليست بثانوية ولا فرعية. بل هي في صلب فهم هذا النظام واستيعاب ممارسات السلطة الذكورية والعنفية الحاصلة ضمن الحراك في الشارع وعنف الشارع تجاه مطالب معينة مثل مطالب النساء. فهذا الشارع مثلما قلت سابقا من الضروري أن يكون مساحة مفتوحة لجميع القاطنين هنا سواء لبنانيين أو غير لبنانيين. هكذا، اعتبر أن الخطاب والأدوات النسوية باستطاعتها تأمين مساحة أوسع لضم شرائح غالبا ما يتم تهميشها ولتستطيع التعبير عن مطالبها بطريقة آمنة بشكل أكبر.  

 

رين نمر (تحالف الشعب يريد):

سأبدأ بالقول أن المشكلة هي في هذا النظام الرأسمالي الطائفي الأبوي الذي يراكم منذ عقود يعيد تدوير الأزمات من طبابة وسكن ومياه وكهرباء والآن مع النفايات. هذه الأزمات بالتالي لا تخف بل على العكس هي على ازدياد. من هنا أعتبر رفع المتظاهرين ضد هذا النظام لمطالب مختلفة عن بعضها البعض هو أمر طبيعي. وأرى أنه من غير المقبول أن يقوم أحدهم بالقول للناس المتضررة من هذا النظام بأن هذا المطلب الذي ترفعه أو ترفعينه من غير المناسب رفعه الآن. هذه الساحة التي تسعى لاحداث تغيير ما في هذا النظام أو اسقاطه يجب أن تكون مساحة مفتوحة وتستطيع استيعاب وتأطير جميع المطالب المحقة للناس. وعندما نتحدث عن مشاركة النساء في الحراك، لا يجب أن نحصر مشاركتها بالشارع وبالمظاهرات. فالحراك ليس فقط المظاهرات التي نشارك بها. الحراك هو أيضا في العمل التنظيمي والسياسي الذي نقوم به أيضا والمجموعات التي تعمل سوية الآن. لذلك عندما أريد الحديث عن مشاركة النساء في الحراك علي أن أبدأ من نشاطهن داخل المجموعات التي ينشطن بها وبالاجتماعات التي يشاركن بها. برأيي أن النساء متى بدأن بمواجهة النظام الذي يقمعهن، لا يواجهن حصرا رجال الأمن وعنف الشرطة. فالنساء أيضا يواجهن داخل الاجتماعات التصرفات الذكورية ومحاولات تسكيتهن وتهميشهن واقصائهن المستمرة داخل الاجتماعات التي تحضر لهذه المظاهرات. هذه التصرفات تصدر من مجموعات تتحدث عن التغيير ومناهضة القمع في الوقت الذي تمارس هي نفسها هذا القمع من دون أن تعي ذلك. وهنا اريد إعطاء بضعة أمثلة. ففي الاجتماعات، وخاصة الاجتماعات التنسيقية، في أكثر الأحيان كان هناك تمثيل قليل للنساء داخل الاجتماعات حيث الكلمة الأعلى للرجل الذي يرفع صوته. وعندما تبادر النساء للحديث يتم تجاهلهن أو تسكيتهن. بالنسبة إلي الصوت المرتفع والصريخ هي وسائل اقصائية للنساء. وكثير من النساء اعترضن على هذه التصرفات. إلا أنهن عندما اعترضن ووجهن بردود من نوع: "بدنا نسقط النظام الآن أم تريدين منا الانتباه الى نبرة صوتنا؟" أو مثلا "لا تكوني بالغة الحساسية ولا تأخذي الأمور شخصية". أريد أن أقول ألا تتوقعوا من النساء أن يتبنين نفس التصرفات الذكورية لكي توصل صوتها. أرى أنه حتى ولو تحدثت النساء بصوت هامس، عليك أن تصمت للاستماع لما تقوله، فنحن لسنا مجبرات على تبني نفس التصرفات الذكورية من أجل أن تسمعونا وتأخذوا كلامنا على محمل الجد. 

دورنا كنساء في المجموعات التي ننشط فيها محوري. فعندما ندير الاجتماعات يجب أن نحرص على أن يصل صوت الجميع. وألا يحتل أحد مساحة كلامية أكبر من الآخرين. وفي تحالف "الشعب يريد" كثيرا ما نركز على هذه التصرفات بين بعض. وهنا أريد ايضاح أن هذه التصرفات الذكورية قد تصدر عن نساء أيضا لا الرجال حصرا. 

ودائما ما يقال لي بأن النساء هن من يقفن في مواجهة القوى الأمنية في هذا الحراك وهن من يتصدين للعنف الأمني والنساء هن من يهتفن وهن من يتلون البيانات. هنا أريد أن أسأل هل المرأة التي تقرأ البيان شاركت بصياغته؟ هل أوصلت مطالبها أو صوتها في هذا البيان؟ أم هو تمثيل فارغ وشكلي؟ أم نأتي بالنساء لكي نحصد على المصداقية لعملنا السياسي؟ لذا في توجيه النقد النسوي للحراك يجب أن نركز على هذه التصرفات التي قد لا تكون مباشرة. 

أما على صعيد الشارع فأريد بداية  القول بأن عنف القوى الأمنية ليس العنف الوحيد الذي تواجهه النساء. فعنصر الأمن الذي يعنفها في الشارع قد يكون أب أو شقيق أو زوج هذه المرأة الذي يعنفها في المنزل. وأثناء المظاهرات أسمع من يقول للنساء وهن يهتفن مثلا: "شو بكي عم بتجعري؟" او إذا ما كانت تواجه الامن، يقال لها: لماذا أنت متوترة مهسترة؟ فيما لو صدر الفعل نفسه عن رجل، يتم تشجيعه والثناء على فعله ويقال له: أنت رجل بحق. 

في الوقت عينه هناك نزعة تدعي حماية المرأة. وهذه النزعة الذكورية لا تنظر للمراة ككيان مستقل تستطيع حماية نفسها بل هناك ضرورة أن يتم حمايتها. ويقال لرجل الأمن الذي يعتدي علينا: "كيف تعتدي عليها، فهي امرأة؟! أي أنه لا يتم مواجهة الفعل العنفي كفعل مرفوض كائن من كان الذي يتعرض له، بل يرفض إنطلاقا من أنه يمارس على امرأة. كما رفعت شعارات ورددت هتافات جدا ذكورية أثناء المظاهرات كتلك التي تمجد بالذكورة وتلك التي تزم الطبقة الحاكمة من خلال شتم المرأة. ونحن كنسويات في هذا الحراك، كنا نتوجه الى من يرفع هذه الشعارات والهتافات، للإضاءة على الموضوع. أي استعملنا هذه الساحة من أجل أن نغير بالخطاب الذي ترفعه المجموعات أو المتظاهرين. 

عندما حصل تحرش جنسي بالمتظاهرات، هناك نساء تجرأن على الحديث بالموضوع وبادرت "صوت النسوة" لتوثيق هذه الممارسات. وبدأ يطلب منا أن نبرهن بالدليل أن التحرش حصل، كأننا كنساء مضطرات ليس فقط أننا نتعرض للتحرش، بل أن نبرهن للناس أننا تعرضنا له. وقال العديدون بأن ما حدث "مبالغ به"، وهو ما اعتبره أيضا محاولة لاسكاتنا. كما تم استعمال شهاداتنا حول التحرش من أجل تسجيل النقاط إن من طرف اعلام السلطة الساقط، أم من جهة أطراف من ضمن الحراك التي ردت على هذا الاعلام. طلب منا أن نسكت كي لا نضر بصورة الحراك. هذا ما لا أفهمه! فالتحرش أمر واقع ويحدث يوميا وليس بحدث استثنائي يحصل حصرا في المظاهرات. ومعظم النساء يتعرضن للتحرش في معظم الأمكنة: في الطريق، وفي المطاعم، وفي المنزل.. إذا كانت المجموعات القيمة على هذا الحراك لا تريد أن تضر به، عليها أن تعترف بهذه الممارسات، وأن تدينها وتفتح المجال لكي تخرج مبادرات ومطالب بتجريم التحرش قانونيا. 

أخيرا، أريد القول أن معركة النساء كبيرة داخل الحراك. فهناك أناس يتمتعون بامتيازات معينة تجعل من معركتهم أسهل. ولدى الحديث عن الامتيازات يجب القول أن هناك امتيازات بيننا نحن النساء. فأنا كامرأة لبنانية أتمتع بامتيازات مقارنة بالنساء المهاجرات أو اللاجئات ومقارنة أيضا بالمغايرات والمتحولات جنسيا. فعندما أقول أن معركتي كامرأة هي معركة كبيرة ومن حقي النزول الى الشارع، فأنا أتحدث أيضا عن حق النساء الأخريات الأكثر تهميشا بالنزول أيضا الى الشارع واللواتي يعانين من نفس النظام. والحراك الذي لا يؤمن مساحة للفئات الأكثر تهميشا والأكثر تضررا من هذا النظام، بل يعمد الى اقصائها وتهميشها مستعملا نفس أدوات السلطة، هو حراك باطل. 

لين هاشم (عدالة اجتماعية نسوية): 

أريد أن أتحدث عن أخلاقيات وقيم العمل السياسي في لبنان. لا يوجد أي فعل سياسي خارج القيمة الأخلاقية. أي فعل نقوم فيه هو نتاج قيمة معينة، وينتج عنه قيمة معينة، مهما كانت القيمة، كقيمة القوة، قيمة الضعف، قيمة الصواب أو الخطأ. نحن بالتالي في أفعالنا ننطلق من قيم معينة مثلما تنطلق السلطة من قيم معينة أيضا وهذا ما سأحاول الحديث عنه. القيمة لا يمكن أن توجد خارج الفعل سواء كان فعلا سياسيا أو فعلا عاطفيا أو اقتصاديا أو غيره. والسياسة كما نراها في لبنان من لحظة ما ولدنا، من خلال نمط او عدسة الاحزاب التقليدية ورجالات السلطة في لبنان. دائما ما نرى خطاباتهم، أفعالهم، طرق ممارستهم السياسية والانتخابية، مشاريعهم الاقتصادية والاجتماعية، سياساتهم الثقافية والاعلامية والعسكرية.. كافة السياسات التي نراها في لبنان هي سياسات السلطة والحاملة لقيمها. والحديث بقيم السلطة طويل، إلا إنني سأحاول التطرق إليها من خلال وجهة نظر الحراك، أي كيف أرى قيم الفعل السياسي للسلطة من تجربة الحراك، خاصة وأن لمياء ورين تحدثن عن الذكورية داخل الحراك، أي أن حديثي يبنى على ما سبقه وليس القصد به تبرئة الحراك من الديناميكيات الذكورية داخله، لكن أريد النظر بالرمزية السياسية التي تلحظ العلاقة المجندرة بين السلطة كمنظومة من جهة، وبين الحراك كفعل سياسي مواجه لها. 

بداية إذا أردنا النظر الى قيم الفعل السياسي أو أخلاقيات النظام في مواجهة الحراك نلاحظ بضعة أمور سأحاول اختصارها:

- استحضار واستعراض لمقومات الذكورة والقوة المستمر: رأينا ذلك في الاعلام ومن خلال الميليشيات التي توجهت الى الشارع وقوى الأمن وعتادها وعسكرها، من خلال الخطابات التي تمجد في الزعماء والوزير الفلاني القبضاي والذي يضرب بيد من حديد. فإذا استحضار مقومات الذكورة العنيفة كان واضحا في خطاب السلطة وبقيمها بالرد على الحراك. ومن جانب آخر، هت الحراك لعدم استخدامه وسائل العنف نفسها التي تستخدمها السلطة. 

- التشكيك بحياة الناشطين والناشطات الشخصية وبنزاهتهم\ن  وهذا ما نراه دائما في مواجهة النساء اللواتي يعترضن على قيم وممارسات ذكورية معينة في المجتمع من خلال استحضار قيم "الشرف" ومن خلال التشكيك بمصداقيتهن واستحضار حياتهن الشخصية وهذا ما استعملته السلطة في وجه الحراك.

- التشكيك الاخلاقي بالناشطين والناشطات من خلال الحديث عن تعاطي المخدرات وغيره، وهذا بالتأكيد وفق معايير السلطة أمرا معيبا. 

- طريقة الاستيعاب أو الرعائية الأبوية وهي دائما ما نراه من خلال الديناميات الذكورية من قبل الحكومة ومختلف الزعماء. وهذا ما تختبره النساء في حياتهن. وهنا لا أعتبر النساء حصرا ضحايا النظام الأبوي بل أي شخص خارج الاعراف والاحكام الأبوية يخضع لهذه الممارسات. 

- القمع المباشر والتخويف والعنف.

- محاولة تصنيف وتفريق الناس من خلال التمييز بين السلميين والمندسين، والوطنيين والخائنين، وهو مماثل للخطاب الذي يميز بين امرأة شريفة وأخرى عاهرة التي نسمعها في المجتمع. وبالتالي فإن توزيع الشهادات الاخلاقية والوطنية هي قيمة أبوية بامتياز ورأيناها متمثلة من خلال استجابة السلطة للحراك. 

- نمط الاتهامات الموجهة للحراك من قبل السلطة مثل "اقلاق الراحة" وهي مماثلة للقول بإقلاق راحة الأب أو زعيم العشيرة. وبالتالي خروج تام من منطق المحاسبة السياسية وتبرئة السلطة لذاتها من خلال اعتبار الحراك كمصدر لإقلاق الراحة. 

- اللوم العنيف لعنفية الحراك ولكن حصرها بطبقة معينة من الناس. وهنا نرى تقاطعية الطبقية والطائفية والذكورية لهذا النظام الأبوي. فالـ"مندسون" من أبناء الطبقات الفقيرة، و"الأجانب السوريين والفلسطينيين" وغيرهم،  هم من يقوم بأعمال الشغب، فيما البقية هم "عاقلون" و"محترمون". وبالتالي حاولت السلطة من خلال هذا الخطاب خلق صورة معينة لصورة الشخص الوطني المحترم الذي ينزل للاعتراض بطريقة تحترمها وتقبلها السلطة، في مقابل رفض وهت وتفضيل جدار فندق "لو غراي" على الفئات التي تم اعتبارها "مندسة".  

هذه كانت من أبرز أخلاقيات أو قيم العمل السياسي التي واجه بها النظام وأحزابه التقليدية الحراك. والناس التي اعترضت على الحراك كررت نفس المنطق الذي واجهتنا به السلطة ورأينا تصاعد بالخطاب الممجد للعسكرة وبصورة الرجل القوي الباطش من زعماء الميليشيات وقائد الجيش والدعوات الصريحة لحكم عسكري، في مقابل هجوم عنيف قائم على "أنثنة" الحراك.

وهذا ما أريد ان أجادل به، أن السلطة تحاول "انثنة الحراك" لكي تثبت "ذكورتها" وذلك لأنه في المنطق الأبوي الذكور هم من يستحقون السلطة والحكم. وبالتالي متى أنثنت الحراك، سحبت منه قوته أو مصداقيته وأحقيته وجدارته بصنع السياسة وبالحكم. وهذه الصورة المجندرة للحراك التي تحاول السلطة خلقها، هي ليست فقط لأنثنة الحراك بل أيضا لـ"تذكير" نفسها. أي أن النظام في سباق مستمر من اجل اثبات ذكورة معينة تضمن له جدارة الحكم والسلطة. 

وبالتالي فإن قيم السلطة من خلال فعلها السياسي تهدف الى إعادة إنتاج وتأكيد ذكورة أو ذكورية النظام وقدرته على القيادة والحكم في مقابل أنثنة او تأنيثه بهدف قمع الحراك واسكاته وتجريده من أحقية الكلام ورفع المطالب والقدرة على الفعل السياسي. إذ أنه في منطق السلطة، الذكور يصنعون السياسة، بينما تلقي السياسات هو خاصية نسائية. 

إنها صورة مجندرة واضحة للفعل السياسي ودينامياتها على الصعيد الماكرو ونرى صورة مشابهة في العلاقات الاجتماعية والاقتصادية وحتى داخل الحراك كما عرضت رفيقتي. 

والنظام يقوم أيضا على فكرة العقاب والمكافأة، أي الضبط والتأديب والنظام الأبوي أيضا يقوم على هذه القيمة التي تشترط منح أمان معين، وهو أمان عنيف، مقابل الخضوع والسكوت. ومتى قررتم أن تتمردوا على هذا الواقع فيجب أن تقوموا وفق "إتيكيت" معينة وبالتالي ما تم ترداده عن "اتيكيت التظاهر" ليس امرا عفويا. فمن المقبول أن نعترض كنساء وفق "اتيكيت" معينة، والشعب أيضا. أما إذا قررنا كنساء وكمضطهدين بالمجمل أن نخرق هذا العقد القائم على الأمان العنفي مقابل الخضوع، فيتم مواجهتنا بعنف شديد وهذا ما رأيناه جزئيا في حراكنا من قبل السلطة إن من خلال العنف الأمني والمخابراتي والميليشياوي أو من خلال المحاكم العسكرية. فبالطبع إن الدولة شهرت في وجهنا أكثر رموزها الذكورية التي هي المحاكم العسكرية. 

إذا، هذه القيم السياسية للأحزاب التقليدية هي قيم قائمة على حلف أبوي برجوازي يحمي بعضه من خلال قيمة الوحدة الذكورية مماثلة لوحدة الأعمام والوحدة الأسرية التي نراها في مواجهة اي محاولة للتمرد داخل الاسرة. مواجهة وعنف وتخويف وتخوين وتعميم خيبة الأمل. صورة الأب القائد (كبير العائلة) الذي يجمع حوله أسرة ومحبين معينين، حمائية ورعائية أبوية وتجاهل لكل المطالب والتيئيس. والتيئيس هي قيمة أبوية بالعمل السياسي، لذلك يجب أن بكون الأمل هو قيمتنا في العمل السياسي، الاجابات المؤكدة والرؤية الواضحة مهما كانت عنيفة، بمعنى أن السلطة تحاول الايحاء لنا بأنها تعرف ما الذي تريده، فيما نحن تائهون، لا نعرف ما نريده من خلال تقاطعية مطالبنا وتعددها. فالمنطق الأبوي لا يستطيع أن يستوعب التقاطعية بل يفهمها على أنها ضياع وتشتت. واخيرا استعراض القوة والعنف. 

ما العمل من منظار نسوي؟ 

طبعا ما يجب ان نقوم به ليس قلب الأدوار ولا استعادة ادوات والقيم السياسية الذكورية التي عددتها آنفا. لأننا بذلك نعيد إنتاج المنظومة التي آمل أن نكون متفقين على انها سبب المشكلة. 

العمل هو من خلال فضح هذه القيم والأدوات. وإظهار عنفها في وجه كافة فئات الشعب على مستويات طبقية وعنصرية ورهاب المثلية والتمييز الجندري والمناطقي. 

- كسر منظومة القمع ورفضها لكونها واحدة من المشاكل في مقابل انتاج منظومة قيمية بديلة تقوم على استعادة الفعل السياسي كفعل نسوي. أي يجب أن يكون الحراك ردة فعل نسوية على منظومة أبوية.

- استعادة المساحات وانتاج خطاب نسوي داخل هذه المساحات. واستخدام مدارس التحليل النسوي ومنها التقاطعية لرفض منطق السلطة القائل بأن هنالك قضايا أولوية وأخرى ثانوية. وبالتالي خلق منظومة قيمية مستمدة من القيم النسوية ومنها رفض تقديس العنف، وهذا ليس من منطلق "احبوا بعضكم بعض"، بل من منطلق رفض العنف كقيمة ذكورية باستعراض العنف والقوة كاثبات لجدارة الحكم أو السلطة. 

- الأمل واعتناق الهشاشة، بمعنى الاعتراف بضعفنا، لأن الضعف لا ينزع عنا حقنا بممارسة العمل السياسي والاعتراض. وخاصة رفض تقسيمات السلطة بين وطنيين ومندسين ومحترمين وشرفاء وغير شرفاء.

-  تقديم الاسئلة على الأجوبة، فهذا النظام لديه كل الاجابات. 

- عدم الخوف من اخذ الوقت للتفكير وألا نخاف من القول أن هناك ما ليس واضحا بالنسبة لنا، فـ"وضوح" الاحزاب التقليدية لم يصل بنا سوى الى الكارثة التي نعيشها الآن.

- الاستكشاف والاختبار والخطأ، فلا بأس ان اخطأنا، فالحراك هو للغد أكثر منه لليوم. 

استنباط آليات تواصل وتنسيق خلاقة وغير اقصائية في دوائرنا وتقديم الجماعي على الفردي من دون الوقوع في تقديس الوحدة والجماعة، فالأساسي هو الجو السياسي الصحي والديمقراطي الذي نخلقه، بدلا من قمع الاختلاف بحجة الوحدة.

- رفض أساليب التخوين والتعنيف والاقصاء داخل مجموعاتنا. 

اعتناق الأمل كقيمة أساسية في وجه قيمة اليأس التي يعممها النظام. 

الفعل السياسي الثوري يتطلب قيما سياسية ثورية وقدم لنا هذا الحراك فرصة لإعادة التواصل والتنظيم وإعادة انتاج انفسنا ككائنات سياسية وجماعات منظمة تعمل بالسياسة. يجب علينا ألا نصاب بالهوس بالنتائج الرقمية بل يجب علينا أن نهتم بنوعية ما نبني والمجتمع السياسي الذي ننشده والقيم السياسية التي نريد. يجب علينا ألا نخاف من الفوضى. فنحن الفوضى وهم النظام، ورأينا ما أورثنا إياه "النظام" ونحن لا نريد أن نكون صورة عن هذا "النظام". من هذا المنطلق أقول أن شعارنا يجب أن يبقى: 

"لا تراجع، لا استسلام

كل القوة والسلطة والثروة للشعب."