"أنت مع أم ضد الثورة؟"

نشر في‫:‬الخميس, نيسان 23, 2015 - 12:17
من فيلم "طوفان في بلاد البعث" (٢٠٠٣) | للمخرج عمر اميرلاي
الكاتب/ة: يارا نحلة.

"أنت مع أم ضد الثورة؟" هل هو سؤال عبثي، أو إنني الوحيدة الذي تجده كذلك؟ لا سيّما في سوريا حيث الثورة التي ليست سوى ردة فعل طبيعية على ما كان قائماً. هل كنتم تتوقعون فعلا أن لا يثور الشعب السوري؟

"أنت مع أم ضد الثورة؟" سؤال يطرحه اللبنانيون على بعضهم. وفي حين يقف قسم منهم مع الثورة لأسباب مختلفة وأجندات خاصة، تستهجن الفئة الأخرى ثورةً في بلد كسوريا. 

"شو بدهم بالحرية؟ كان عندهم كهربا وطبابة ببلاش".  غالبا ما نسمع مثل هذه التبريرات في لبنان. فالكهرباء، المياه، الطبابة والتعليم، في بلد كلبنان، لا تعتبر حقوق بديهية، إنما مستحيلات تستحق التخلي عن أمور كثيرة في مقابلها.. كالحرية والكرامة مثلاً. 

 لبنان الذي يُعتبر بلد حريات، ظاهرياً على الأقل، اختبر أهله "سطحية" الحرية، فضربوها عرض الحائط في مقابل فكرة "الديكتاتور الذي سيؤمن الخبز". لا يهم نوعية الخبز. المهم أن يتواجد. ولا يهم أيضا نوعية التعليم، الذي صوره المخرج عمر أميرالاي، في وثائقي "طوفان في بلاد البعث"، على أنه أقرب ما يكون الى خيال رواية 1984 لجورج أورويل. فيُخيَل للمشاهد أن النظام السوري استلهم مفهوم "التفكير المزدوج" الذي تحدث عنه أورويل، وطبقه في المدارس. فأصبحت الكلمات تعني نقيضها، في ظل وعي الجميع بأنهم يكذبون، دون الاعتراف بذلك حتى لأنفسهم. فتشاهد التلاميذ والأساتذة يتحدثون طوال الوقت عن الحرية. وبالمناسبة، الحرية هي ضمن المنهاج التعليمي السوري، إلا أنهم وفي الوقت نفسه يجعلون الطلاب يتراصفون بطريقة عسكرية، ويؤدون التحية، ويتصرفون كجيش. فتتحول المدرسة بذلك إلى دولة بوليسية قائمة بذاتها. 

حين بدأت الثورات تجتاح دول العالم العربي الواحدة تلو الأخرى، كنت لا أزال أسكن في جنوب لبنان، وأذكر جيداً ردات الفعل تجاه الثورات آنذاك. فقد نالت كلها تأييد واستحسان الشريحة الأعظم من الناس هناك. هللوا للثورة التونسية، وأشادوا بالثورة المصرية، وصفقوا للثورة الليبية والبحرينية… إلا أنهم استثنوا الثورة السورية. والجواب الموحد الذي أتى من افواه كثيرة كان "هذه ليست ثورة".

الثورة السورية لم ترتقِ بالنسبة إليهم إلى مستوى "ثورة". ولم يتوقف الأمر عند التشكيك بأحقيتها، بل وصل إلى حد نفي شرعيتها بالكامل. عجِبت وقتها من ازدواجية المعايير عندهم. ولكن بالنسبة إليهم كان الأمر مختلفا "نحن لسنا ضد الثورة، نحن ضد الإرهاب" ولكن لم يقنعني هذا التبرير فصور  بشار الأسد والرموز الأخرى لحزب البعث لا تزال تعلق في شوارعنا حتى هذه اللحظة. "الإرهاب" ليس سوى مبرر، كما كان الأمر بالنسبة لحجة "الدفاع عن مقام السيدة زينب".

الأسباب التي يجب أن تدفعنا للوقوف إلى جانب الثورة السورية، كثيرة. وبصرف النظر عن الجانب الإنساني الذي يحتم علينا الوقوف مع أي قضية محقة. فإن سقوط نظام كالنظام السوري هو من مصلحة كل لبناني؛ فكلنا كلبنانيين كنا في مرحلة من المراحل ضحية هذا النظام وفق ما اقتضت مصلحته. 

"ربيع بيروت هو من ربيع دمشق"، هذا ما قاله سمير قصير، إلا أننا اليوم نشهد مناصرة للنظام السوري لا تخضع لقيد أو شرط. ذلك أن حزب البعث ليس مجرد حليف لبعض الأحزاب اللبنانية، لا، بل إن بقاءه في الحكم وإفشال الثورة ضده، يحافظان على نظامنا العفن في لبنان، ويزيدان من قوة أمثال الأسد في لبنان. 

إن تدمير الثورة بهذا الشكل لن تكون عواقبه وخيمة على الثورة السورية فقط، وإنما على كل ثورة محتملة في أي بلد كانت. وما تفعله قوى الثورة المضادة في سوريا يستعمل من قبل البعض كدليل على فشل الثورة أو لزعزعة إيماننا بأن الشعوب قادرة على تقرير مصيرها بنفسها. علما بأن كل الثورات في العالم لم تخل من وجود قوى ثورة مضادة. إلا أنهم اليوم  في معركة الحقوق، يريدون أن يتفوّق الأمن، والأمان، على الحقوق السياسية والاقتصادية. يريدون أن يفصّلوا المقاومة على مقاسهم. لتصبح المقاومة حصرا ذات صبغة دينية، ومحصورة فقط بمستعمر خارجي. ولكن حين تواجه المقاومة من ثار على طغاة "الصناعة الوطنية"، يصبح هذا الشكل من المقاومة مجرد مجموعة مرتهنة للخارج.

من هنا، إن الدفاع عن الثورة السورية، ليس دفاعا عن الشعب السوري فقط  بل هو إنقاذ لفكرة الثورة بحد ذاتها.

--