على السخرية أن تهاجم الأقوياء

نشر في‫:‬الجمعة, شباط 13, 2015 - 12:32
بشار المنافق | Cambon | urtikan.net
الكاتب/ة: تيم ساندرز.
ترجمه‫/‬ته الى العربية‫:‬ إيليا الخازن      
المصدر‫:‬      

الوحشية التي قتل بها رسامو الكاريكاتور وصحافيو تشارلي ايبدو على يد الإرهابيين في باريس حقيرة إلى أبعد الحدود، لكنها ليست من دون تفسير. هذه الجريمة تمسني شخصياً كرسام كاريكاتور وكما علق رسام الكاريكاتور الكبير جو ساكو بعد الجريمة "هذه قبيلتي". وللأسف، فإن المواكبة الإعلامية التي تلت تلك الجريمة لم تشرح الكثير بل عملت على إثارة الانقسامات وإلقاء اللوم على "تخلف" الدين الإسلامي والمسلمين بشكل عام.

أبرز الحملات التي انتشرت في الإعلام تتمحور حول تمجيد "القيم الغربية"، والمتعلقة بحرية التعبير والحق في الإساءة مدعيةً أن السخرية يجب عليها أن تكون غير مقيدة ولها الحق بالإساءة دون تمييز. هنا أختلف مع مجموعة الساخرين في تشارلي ايبدو، فالسخرية عليها أن تهاجم الأقوياء، عليها أن تفضح النفاق والسخافة، وبالطبع عليها أن تكون مضحكة. إذا تم توجيه السخرية نحو الضعفاء تسمى بلطجة لا سخرية.

للأسف مجلة تشارلي ايبدو كانت تنحرف كثيرا، في الآونة الأخيرة، عن جذورها المرتبطة بالأحداث الثورية في فرنسا في عام ١٩٦٨. في عقب هجمات ٩/١١ أصبحت معظم المقالات والرسوم تتمحور، على نحو متزايد، حول الرهاب من الإسلام والدعم الصهيوني. كانت هذه الرسوم الكاريكاتورية أكثر رسوم عنصرية نشرت منذ السبعينيات والثمانينات والمشابهة لمنشورات الجبهة الوطنية في فرنسا والحزب الوطني البريطاني، والأسوأ من ذلك، أنه في بعض من هذه الرسوم الكاريكاتورية المعادية للعرب مماثلة نمطية الرسوم النازية لليهود. لقد تم تصميم هذه الرسوم لإساءة وإذلال أقليات مهمشة ومضطهدة من النظام. وقد ذهبوا بعيدا في ذلك.

هناك تقليد رائع من الرسوم الكاريكاتورية والمهاجمة للنظام في فرنسا، بدءا مع الرسوم اللاذعة لدوميه، التي صورت الإمبراطور لويس فيليب عام ١٨٣٢ والتي قضى بسببها ستة أشهر في السجن. كما رسم غوستاف دوري مئات من اللوحات التي تصف الفقر الفظيع في القرن التاسع عشر في باريس ولندن، ناهيك عن أسلوب جو ساكو (فلسطين) ومرجان ساترابي (برسيبوليس). مأساة تشارلي ايبدو هي أن رسامي الكاريكاتور اعتقدوا حقا أنهم كانوا يمثلون التقليد الثوري لعام ١٩٦٨.

هل يجب أن نهين كرسامي كاريكاتير؟ بالطبع، انها مهمتنا. ولكن ضد من؟ لا يكفي القول "نحن نهين الجميع - ما هي مشكلتكم؟" الجميع ليس على قدم المساواة. ليست أزمة أن يهاجم شخص من أصل مسيحي البابا أو الكنيسة، بالعكس، ولكن مهاجمة فئات مستضعفة هو الخطأ. ومن المهم عدم الخلط بين الشتائم والسخرية، والاعتماد على الصور النمطية للإسلام والعرب، كما نشرته تشارلي ايبدو، سخرية بليدة وعنصرية غير مضحكة بتاتاً.

أنا ملحد ولا أتوقع أن أقنع أحدا بالتقليل من شأن رأيه/ها ومن المؤكد أن الهدف هو إضعاف تأثيرات الدين، وليس دفع المزيد من أتباعه الى أحضان رجال الدين. بعد وقت قصير من استقالته بسبب المنحى اليميني لمجلة تشارلي ايبدو كتب اوليفييه سيران:

"بالكاد كنت قد خرجت، بسبب السلوك الديكتاتوري والممارسات الفاسدة والاستخدام الترويجي للمجلة، إلى أن سقط البرجين التوأمين في نيويورك ووصلت كارولين فوريست إلى رئاسة التحرير في المجلة. هاتان الكارثتان المزدوجتان أدتا إلى إعادة تهيئة أيديولوجية من شأنها أن تخسر القراء القدامى وأن تجذب قراء جدد - أكثر إهتماماً بـ"الحرب على الإرهاب" من الأناركية اللينة الخاصة بـ [رسام الكاريكاتور] جيبي. شيئا فشيئا، صار التركيز على نمطية "اللحى، والنساء المحجبات وشركائهم المختلقين والوهميين محورا مركزياً لانتاجكم الصحافي والساخر".

هذا أسوأ من البلطجة. فهذه السخرية هي في خدمة أيديولوجيا الدولة (وتشارلي ايبدو تأخذ إعانة ضخمة من الحكومة الفرنسية). الإسلاموفوبيا ليس سخرية. الضحك من المسلمين كتشارك مزحة مع النازيين. ولا أعتقد أن أي من رسامي الكاريكاتور يحبذون فكرة نعيهم من أمثال نتنياهو، هولاند وميركل وغيرهم من قادة العالم الذين ترأسوا المسيرة في باريس بعد الحادثة.

منظر ابطال "حرية التعبير" (نفس الأبطال الذين منعوا النساء من ارتداء الحجاب والمظاهرات المؤيدة لفلسطين ضد العدوان الصهيوني في الصيف الماضي) يسيرون دفاعاً عن حرية التعبير هو أمر مضحك مبكي. لحسن الحظ أن العديد من رسامي الكاريكاتور لم يرحموا هؤلاء المنافقين وانتقدوهم بشدة.

لدي فكرة متطرفة وغير ساخرة لتجنب المزيد من الأعمال الوحشية: هل يمكننا التوقف عن غزو بلدان هؤلاء الناس؟

نشر المقال في مجلة socialist review الشهرية، العدد 399 شباط/فبراير 2015