القطيف فن وثورة!

نشر في‫:‬الأثنين, آب 19, 2013 - 23:14
الكاتب/ة: فاطمة علي.

"ليس دور الفنان البقاء على الحياد في الوقت الذي تخاض فيه المعارك الكبرى التي ستقرر مستقبل الإنسانية. لا يمكن للفن الذي ينفصل عن المجتمع، والذي لا يبالي بمصيره، أن يتطلع للمجد! إن فنا من هذا القبيل ليس في مستطاعه سوى أن يتمرغ في مستنقعات التاريخ وحضيضه، لن يصل ابدا الى القمم!" (آلان وودز)

مقدمة:
يخترق الفن عتمة الواقع كالشعاع الساطع الذي يلقي النور على الحقيقة... وعلى الألم، فيتجلّى ثوريا ضد الظلام البشري بمختلف أنواعه. يثور الفن ضد الاستبداد والاستغلال والقهر، لذا، لا يمكن أن يكون الفن وعيا ذهنيا مجردا أو فلسفة ميتافيزيقية منفصلة عن الواقع، إذ بقدر ما يعبّر عن الذات الفنية للفرد فهو يعبّر بالضرورة عن التناقضات المادية المُعاشة، فالذات هي جزء من تلك التناقضات والصراعات، تحمل شكلها وأيديولوجيتها، صراعها وسيرورتها! لذلك، ما هو الفن إن لم يشارك كل كادح رغيف الخبز وجرعة الماء؟ ما هو الفن إن لم ينتفض للحب والجمال والنور؟ ما هو الفن إن لم يكسر قيود الدعايات الرخيصة، ويطلق العنان للفكر الثوري المناضل على الأرض؟ ما هو الفن إن لم يحتج ويصرخ ويعبّر، حتى تتحرر الذات بتحرر الفن، والفن بتحرر الذات، وكلاهما بالثورة؟!

الفن الثوري في القطيف
تشكلّت الذات الثورية للقطيف من خلال ثورة أبنائها، وبها انعكس الصراع الطبقي الذي حملته أكتاف فنانيها وشعرائها وأدبائها كأجنحة أمل للتغيير نحو العالم الأفضل. والقطيف فضحت أيضاً هذا العصر القبيح بهيمنته واستبداده وعلاقاته القائمة على الاستغلال، فأتت الثورة لتخلق الفن العظيم في مواجهة آلة الاستبداد، حيث أخذ مكانه في قلب حركة التاريخ، ليثبت بذلك ما أشار إليه تروتسكي: "أهدافنا استقلالية الفن من أجل الثورة، والثورة من أجل التحرر الكامل للفن!"

وكما أن الطبقة التي هيمنت على الاقتصاد استحوذت على الثروات في هذا العالم الرأسمالي، فهي سيطرت أيضاً على الوعي والفكر العام، مما سمح لها إعادة انتاج وعيها. إلا أن الطبقة نفسها، وخلال هذه السيرورة الحياتية، خلقت تناقضاتها وصراعاتها التي تأخذ شكلها في صراع طبقي طاحن بين أولئك المستحوذين اللصوص وبين أولئك المُعدَمين الذين يعيشون على الفتات. من هنا، تفجّرت ثورة القطيف وتفجّر معها الفن الثوري ليرسم في الذاكرة التاريخية، تلك المشاهد المتناقضة ويعلنها على الملأ.

من هذا المنطلق، صرخ الشاعر القطيفي (من القطيف) "زكي الصدير" يائسا ضد القتل بحق الجماهير الثائرة في صورة جمالية حملت مشاعر الغضب واليأس، ولم تخلُ من النقد الضمني الذي عبّر عن كافة ممارسات القمع والقتل، إذ يقول في قصيدته "رسالة إلى جندي":
"البندقية الموجهة إلى صدري... قد أربكت صدرك،
فلا تقتلني وتضاعف فوضاك!".

كما سطر أيضا شاعر الثورة المعتقل عادل اللباد، ذلك المناضل الحر الذي تمرد بأشعاره على الطغاة، تلك القصيدة الرائعة" قل للطغاة"، وحملت أشعاره وبشكل دائم أقوى الصور الرافضة للموت والمستعدّة دائما للمواجهة. فقد انتقد اللباد رجال السلطة عندما قال:
"أيها الكلب
وما عيب الكلاب في القمامات سوى أنت منها...
إن عودت (عدْتَ) دهرا سنرضيها بعظم
ورضاك اليوم لا يخرج منها!" 

إنها فعلا كلمات صاخبة وعنيفة لا تكتفي بالنقد، بل تتجرأ على وصف رجال الأمن بالكلاب، في دلالة على شجاعة المواجهة وعنفوان الثائرين. واللباد لم يخشَ الاعتقال يوما، إذ كيف يمكن لشاعر حر أن ينزلق لأية مساومة وإن كانت على حساب حياته! وهذا ما كان قد عبّر عنه الشاعر الكبير نزار قباني، حيث قال: "ما هو الشعر إن لم يحمل معه دائما ذبحته القلبية"، وذلك في محاولة رائعة لتصوير اتحاد الشعر بالواقع وبهموم الكادحين والمقهورين. فمن دون ذلك الاتحاد، سيقف الشعر إلى جانب المستبد مروّجاً للوهم ومزيفاً للوعي، ولن يكون الفن رسالة نحو الحرية!

أبدع شعراء القطيف خلال تفاعلهم المادي مع الواقع، واستطاعت الثورة أن تخرج للنور قضايا كبرى كقضية المعتقلين المنسيين، وقضايا العدالة الاجتماعية والفقر، والتمييز، والقمع، حيث تم اعتقال الشاعر حبيب المعاتيق لأنه يدير شبكة الكترونية تعنى بالثقافة والفن.

لقد أدرك المعاتيق أنه لا يمكن فصل الفن عن الواقع السياسي والثقافي والديني، إذ أن مهمة الفن هي المساهمة في تغيير ذلك الواقع. لهذا تحديدا تم اعتقال المعاتيق وغيره من الشعراء والكتّاب، بعد أن تسلل الفن إلى نفوس المعتقلين الذي بدأوا باستخدامه من أجل التعبير عن الواقع! وحبيب المعاتيق ليس ذلك الفنان الذي يمارس طقوس "فنون التعري" كما يمارسها الفن البرجوازي الدعائي والرخيص، لكنه الفنان الذي ستر نفسه بالحب ليكشف الواقع للناس. والمعاتيق لم يكن مجرد شاعر أو مصوراً فوتوغرافيا عابرا، لكنّه كرّس فنّه لمن أنصت لصرخته، بعد أن رفض الإيمان بنظرية الفن للفن بقدر ما كرّس الفن من أجل قضايا المعدمين، حيث نستطيع تلمّس ذلك في كل صورة فنية من صور ديوانه الجميل "حزمة وجد"(3). لقد كان شعر المعاتيق طريقا شاقة للأمل، خصوصاً أنه لم يمسح عتبة بلاط بجبينه ولا جوخ سلطان بيديه، فهو من جعل المعدمين يراجعون يأسهم ويجعلون من أشعاره وصوره قوتهم اليومي.
حبيب المعاتيق معتقل الآن، ولكن السؤال الحقيقي هو: هل يمكن اعتقال الفن!؟؟

إن الثورة هي سيرورة تحررية للفن. وبدوره، لا يمكن أن يكون الفن حرا في مجتمع استغلال، إذ سيخضع لنفس الأغلال والقيود. وحينما تأتي الثورة لاقتلاع جذور ذلك الاستلاب، وتحرير المجتمع، يتحرر الفن أيضاً. لقد استطاعت ثورة القطيف أن تنتج مثقفيها وكتّابها لتصبح الكلمة مطارَدة دائما، فاعتُقِلَ الكاتب زكريا صفوان بعد أن كتب مقالا بعنوان "في الدفاع عن حق التظاهر السلمي". كما قُتِلَ الشهيد السيد أكبر الشاخوري والذي كتب مقالا تضامنيا مع الثورة التونسية. كما أنشأ عدداً من شباب القطيف صفحات مختلفة على شبكات التواصل الأجتماعي، كلها تتمحور حول الكتابة النقدية للواقع وتهدف إلى التحريض على الأوضاع القائمة، فنشرت العديد من المقالات المدهشة على صفحة "قلم الحراك القطيفي" وقُدِّمَ فيها نقد جذري ومتماسك عن الحراك الثوري وكيفية تطويره.

هذه الابداعات الثقافية لم تكن لتظهر دون تجذر الحراك الاجتماعي على الأرض، فهي ساهمت في إظهار الواقع الحقيقي بلغة واقعية، وليس بأفكار مثالية ضيقة ومتوهِّمة بقدرتها على التغيير، إذ يصح وصفها بكلام الأديب كافكا حينما قال: "إن الفن هو أن تبهر الحقيقة أنظارنا، فليس هناك ضوء حقيقي إلا الضوء الساقط على الوجه القبيح المتراجع، الفن يحوم حول الحقيقة وهو عاقد العزم على الإحتراق بها!"

وكما استطاعت ثورة القطيف تحفيز الكتابة السياسية والأدبية والشعرية، فإنها استطاعت خلق شتّى أنواع الابداعات من فنون الرسم على الجدران والغرافيتي وكتابات الحائط أيضاً. هذه الابداعات التي حفزّت الجماهير على الإبداع، فتحولت الجدران إلى لوحات فنية تعجّ بالأمل والحماس الثوري الذي حوّل الانتاج الفني في القطيف من الجمود والتجريد المنفصل عن الواقع، إلى انتاج فني حر وحقيقي وواقعي جماعي مدرك لأهمية التحرر من قيود الأنانية بصورها الكئيبة.

انتشرت على جدران القطيف جميع أنواع الشعارات، منها ما يتضامن مع الثورة البحرينية والثورات العربية التي تؤكد على روح التضامن الثوري وأمميته، ومنها شعارات تخلّد الشهداء كتعبير عن تجذّر الثورة في أعماق الأرض، بالإضافة إلى الشعارات التي تحمل نقدا لاذعا للممارسات القمعية لوزارة الداخلية، مثل ذلك الشعار الذي كُتِبَ على جدران مقبرة القطيف: "يا نايف إنت المسؤول، عن كل شهيد ومقتول!".

إلى هذا، تفاعلت رسومات الغرافيتي في القطيف مع الواقع بمنتهى الروعة، خصوصاً ذلك الغرافيتي الذي هو عبارة عن رسم لبوق كُتِبَ عليه "كفى كذبا وتضليلا"، في إشارة إلى دجل إعلام الطبقة الحاكمة وأبواقها الذين يروجون أكاذيبهم لتزييف الواقع. وقد كُتِب أيضاً على إحدى الجدران عبارة "السعودية أكبر سجن في العالم"، وهو شعار بليغ يصوّر مدى معاناة الإنسان السعودي، ولا يختزلها في قضية ظلم ومعاناة فردية، إنما يعممها على كامل تراب هذا الوطن الذي جرى نهبه واعتقاله!

لقد حولّت الثورة الفن التشكيلي القطيفي إلى نوع آخر من النضال، بما يملك من إبداع، فتفاعلت فنانات القطيف مع الحراك الثوري، وقمن برسم وجوه المعتقلين والشهداء، وأبدعت فنانة قطيفية أخرى برسم صورة للمعتقل الحقوقي فاضل المناسف، والناشط خلف الشمري، وقامت فنانات أخريات برسم وجوه الشهداء. إنها الثورة التي تُنتِج كل يوم أساليب نضالها وبذلك تحرر فنها!

كما برز فن التصميم الغرافيكي، فظهرت العديد من الابداعات التي تدعم الثورة، مثل ذلك التصميم الرائع الذي يحمل صورة لرجال مكافحة الشغب وكتبت تحتها عبارة "قمعكم هدفنا واسكاتكم غايتنا" في دلالة بليغة لدور رجال الأمن الذي يهدف إلى سلب الأمن وليس إلى تحقيقه كما يزعمون! بالإضافة إلى هذا، نرى تصميم آخر، حمل علم السعودية وكتبت تحته عبارة: "في بلاد لا إله إلا الله، تسفك الدماء "!في دلالة على استخدام الدين كغطاء للاستبداد والظلم!

لقد طوّر حراك القطيف الفن بجميع أنواعه، فعبّر عن اغتراب الإنسان القطيفي الكادح وبدأت الصراعات الأخرى كالصراع الطائفي الذي انعكس رفضه من خلال صور فنية تصرخ: "لا للطائفية" وتعبر عن الوحدة والتضامن.

إن الثورة تخلق ذلك الفن الأممي الذي يخرج من النفق القومي والعرقي البائس إلى فضاء العالم الإنساني، فيكون كل مقهور على الأرض هو لوحة الفنان الذي سيسلط عليها شعاعه!

الخلاصة:
إن منطق الفن السائد والمتذيل للبرجوازية، والذي يعتبر أن الفن الاحتجاجي والتحريضي ليس بفن حقيقي، لم يكن يهدف إلا إلى تأبيد الحركة الفنية البرجوازية المسيطرة، وبالتالي لم يكن يهدف إلا لقتل كل محاولة للخروج عن النسق. لذلك تم الاعتراض على الكثير من الأعمال الفنية التي تحمل تمردا على ذلك التأبيد ونقدا للواقع المادي بمختلف صوره، كما رُفِضَت آراء العديد من المثقفين والثوريين، واعتقل الكثير من الفنانين لتقديمهم رؤى وفنون ثورية. كما أن الفن السائد يخضع وبالضرورة لعلاقات الإنتاج المتمثلة في علاقات المال والمصالح، حيث تأتي الثورة لتحرره من تلك العلاقات البائسة وتستبدلها بعلاقات إنسانية تقوم على الحب والمشاركة .

إن ذلك الفن هو ما يطمح إليه المجتمع الاشتراكي، حيث ريشة الفنان هي ذاتها بندقية الثائر!