وما زلتَ ميتًا

نشر في‫:‬الأثنين, كانون اول 10, 2012 - 13:46
الشهيد باسل شحادة
الكاتب/ة: رزان غزّاوي.
ترجمه‫/‬ته الى العربية‫:‬ هلال شومان      
المصدر‫:‬      

هل تذكر متى بدأ كل شيء؟ أعتقد أني حينها أضفتُكَ على فايسبوك. قابلتُك في اليوم السابق في حانة شام محل. أنت مع سالينا وكنانة كنتم تحضّرون لعروض نادي الأفلام. الفيلم الأول الذي عرضتموه كان "سلينغ شوت هيب هوب". أذكر أننا كنا نتكلم عن فقدان الوزن، لكنّك كنتَ فخورًا بكرشك. “بدون كرشي، لن أستطيع أن أشرب القهوة وأنا مستلقٍ على السرير"، شرحتَ.

أتذكّر شَعرَك، وابتسامتكَ الرائعة.

كنت تقرأ تدويناتي، قلتَ لي على "جي توك". تحمّستُ. تقاربنا أكثر عندما بدأت الثورات في تونس ومصر. هل تتذكر تلك الأيام؟ كنّا أحياء من جديد. لا. كنا آنذاك نولد للمرة الأولى في حياتنا. أنظر إليَّ أبتسم فقط لأني أتذكر تلك الأيام. جاء زمننا. كلنا عرفنا ذلك.

كنتَ واحدًا من منظمي الإعتصام أمام السفارة المصرية. كدتَ أن تُعتَقَل لولا أنّ لينا سحبتكَ من بين أيديهم. عليّ إخبارك بشيء: كلما رأيتُ لينا، شعرتُ أنك معنا، تجلس على الكرسي الثالث الفارغ جنبنا، وتستمع. باسل، هل تشتاق إلي كما أشتاق إليك بهذا الشكل الرهيب؟ هذا الاشتياق مؤذٍ. عليكَ أن تفعل شيئاً بصدده، ولا أحد غيرك يستطيع.

أرسلتَ لي رسالة عندما تمّ الإعلان عن "أيام الغضب". كنا نجلس أنا وأنت في مقهى الروضة، ننتظر معجزةً ما لتتحقق. في المقهى، كان هناك بعض المدنيين، وكان باقي الموجودين من المخبرين. ثمّ قررنا أن نترك المقهى قبل أن يأتوا إلينا. لكنهم أتوا قبل أن ننصرف. “أعطونا هوياتكم"، طلب منا خمسة رجال بلهجة آمرة. “لماذا؟"، سألتُ أنا بخوف. لكنّك فقط قدمتَ لهم هويتَك، واصفرّ وجهك. نظروا إلى إسمك، وتركونا نذهب. “إنه ليس هو"، غمغموا وهو يتركوننا.

اتفقنا لاحقًا أن الظهور في ذلك النهار كان من أغبى الأشياء التي فعلناها في حياتنا. كان شيئًا غبيًا، لكننا كنا أطفال جائعين لبعض من الإلهام، أليس كذلك؟

ثم بدأت الثورة في سوريا، وكنتَ مضحكاً يا باسل فعلاً. كنت أحدِّث أخبار المظاهرات إثر حصولها، فيما أنت تبعث لي برسائل من نوع: “رزان، يا مجنونة. ابني بروفايلًا مجهولاً على الأقل. سيمسكون بك!”

لكن من كان ليصدق شخصيةً مجهولة يا باسل؟ كان هذا سبباً لاستخدامنا أسماءنا الحقيقية. كنت تسافر بدراجتك النارية في ذلك الوقت، وكان عليّ أن أترك لبنان سريعًا عندما اعتقلوا عامر. ذاك الزمن!

ثم عدنا. أنت رجعتَ للأبد. لقد متَّ يا باسل. متَّ في البلد التي عملتَ بها حتى النفس الأخير. حتى النفس الأخير. هل أغمضتَ عينيك، أم إنهم هم من أغمضوها عنك؟

ولماذا عليّ أن أعرف كلّ هذا؟

أحياناً كنت أُصعَق أنك ما زلتَ ميتًا! لأنك لم تختفِ على الإطلاق من حياتي. لا أزال أذكركَ في أحاديثي، أسخر منك، وأرى صوَرك على حساباتي على الويب.

باسل، لا أفهم كيف لا تزال ميتًا. أنت واحد من أعز أصدقائي. الأمر لا يسهل، والزمن لم يشف شيئًا. تفكيري بك يستمر بإبكائي. هل تستوعب؟ لقد فقدنا الكثير من

إنسانيتنا، خدّرتنا الأخبار، لكنت ما زلت تستطيع إبكائي. كيف تكون ميتاً لي يا باسل، وأنت التي تعيدني ببكائي إلى إنسانيتي؟

يجب أن تعرف هذا: أحسدك. فعلاً أحسدك. لقد كنتَ واقعًا في الحب. أحببتُ كيف كنتَ تخبرني عنها لمّا كنتَ في حمص. كلامك كله كان عنها. وأنا كنت أستغرق بالضحك. هذا الصبي واقع في الحب! حدث ذلك قبل أن يقتلوك بأربعة أيام. أربعة أيام.

المرة الأخيرة التي رأيتُك فيها كانت في دمشق، ساروجة. أمسكتُ بك وقلتُ لك: “تعرف أنك عزيز جداً علي. صح؟" أمسكتَ بي وابتسمت. لم تقل شيئًا. عندما عرفتُ أنك متّ، فكرتُ في ذلك المشهد مرات عدة. “لماذا لم يقل لي شيئًا حينها؟ ألم أكن عزيزة عليه أيضاً؟" وبكيتُ كثيراً يا باسل. هل تستطيع أن تتخيل؟ لقد متَّ وهذا كان كل الذي فكرتُ به في الداقائق الأولى المعدودة. ثمّ أخبَرَتْني هي أنك أحبَبْتَني كثيرَا، وأنك دافعتَ عني مرات لا تحصى، ولم أكن أعرف. لم أكن أعرف.

مذ متَّ وأنا أصبحتُ هذا الشخص الذي يعبّر. “أحبّك"، أكرر أقول للناس. “أحبّك"، حتى في حال حصول أي شيء، تعرف كيف شعرتُ تجاهك.

لا أحد سيقرأ هذه التدوينة الطويلة. صح؟ لكنّها لكَ يا باسل. تحمّلني، فأنا ما زلت غير مصدّقة أنك متّ.

ترجمة عن الانكليزية للنص الاصلي http://razanghazzawi.org/2012/12/03/and-youre-still-dead/

ترجمة هلال شومان مع جزيل الشكر

٣-١٢-٢٠١٢