خطوة إلى الأمام

نشر في‫:‬السبت, اذار 21, 2009 - 23:19
الكاتب/ة: باسم شيت.

كماركسيين، لا نفصل الصراع السياسي عن الصراع الاقتصادي. فالسياسي هو تعبير عن واقع الصراع الطبقي من خلال انعكاسات التناقضات في طابع القوى السياسية المسيطرة من جهة، والتناقضات بين البنية الفوقية (الدولة، المؤسسات السياسية، الخ...) والبنية التحتية للمجتمع (الطبقات الاقتصادية، الواقع المادي الذي نعيش فيه) من جهة أخرى. دورنا كاشتراكيين وماركسيين ويساريين هو أن نفضح هذه التناقضات ونبني مواجهة سياسية واقتصادية للنظام القائم من خلال موقعنا في الطبقة العاملة. هذا يعني أن نفضح الأفكار السائدة في الطبقة العاملة (الأفكار التي تبثّها الطبقة الحاكمة المسيطرة على أدوات المعرفة من تعليم وإعلام وثقافة...) وبناء بديل ثوري يستطيع أن يبني حركة مواجهة فعلية للقوى الطبقية المسيطرة، إيماناً منا بأن الطبقة العاملة قادرة على تحرير نفسها بنفسها.

الحركة العمّالية وباراك أوباما

صعود أوباما عبّر عن رغبة الملايين في الولايات المتحدة في رؤية التغيير، والأعداد الضخمة التي رافقته في حملته الانتخابية هي أكبر برهان عن وجود هذه الرغبة العارمة في الشارع الأميركي. المسألة الأهمّ هنا هي أنّ الأميركيين من أصول إفريقية كانوا قد حصلوا على حق التصويت منذ 50 سنة فقط، واليوم نرى أوّل رئيس أسود في البيت الأبيض. وقد تلقّت الفكرة القائلة بأنّ العنصرية متجذرة في الشعب الأميركي ضربة قاسية بعد انتخابه.

"انتصار أوباما، بينما هو شأن كبير، ولكنه سوف يغيّر القليل"، هكذا يقول غاري يونغ في جريدة الغارديان البريطانية. من البداية، وضع أوباما نفسه بتأنّ كمرشح "التغيير" وعَرف جيداً إن الأصوات التي سوف تجيّر له ليست أصوات دعم لمرشح الحزب الديمقراطي، بل هي تعبير عن غضب عارم في الشارع الأميركي، من جهة ضد سياسات بوش وحروبه التوسعية، ومن الجهة الأخرى نتيجة الانهيارات الاقتصادية الضخمة الّتي رمت في عرض البحر مستقبل الكثيرين، وتهدّد برمي مليوني عائلة خارج منازلهم.

لا يمكننا النظر إلى أوباما إلا من خلال ما يجري من تغيّرات في صلب الحركة في الشارع من جهة، ومن جهة أخرى، تصرّفات الإدارة الأميركية، ولا يمكننا أبداً بناء الأوهام حول الرئيس الأميركي الجديد. ففي ظل الغضب من المتسببين بالأزمة الاقتصادية، أكّد أوباما التزامه بالرأسمالية الأميركية ووافق على إعطاء 700 مليار دولار للشركات العملاقة المفلسة، من دون أي طرحٍ يعيد الأمل إلى ملايين العمّال المتضررين من هذه الشركات.

بالمقابل، نرى الكثير من التحركات العمّالية في الولايات المتحدة. مكتب الإحصاء العمالي (Bureau of Labor Statistics) سجّل ارتفاعاً في عدد المنتسبين للنقابات لأوّل مرة منذ الـ1983، حيث انضم 311،000 عاملٍ جديدٍ إلى النقابات. وكانت أبرز التحرّكات قيام 27،000 عاملاً من شركة بوينغ بالإضراب احتجاجاً على محاولة الشركة استبدال وظائفهم بمصادر خارجية (outsourcing) هرباً من دفع مستحقات الضمان الاجتماعي والتأمين الصحي. هذا مثل واحد عن التحركات التي ينظّمها يومياً عمّال غاضبون في الولايات المتحدة.

في السياسة الخارجية، التزم أوباما الصمت تجاه الاعتداءات على غزّة وأكّد دعمه حماية إسرائيل. هذا يؤكّد التزامه أيضاً بالامبريالية الأميركية، في ظلّ تحركات شعبية كثيرة قامت في الولايات المتحدة ضد الحرب على غزّة. يضع هذا ثقلاً كبيراً على أكتاف أوباما لن يستطيع الرد عليه، والذي قد ينتج فرصة ذهبية للمنظمات العمّالية واليسار لإعادة بناء المقاومة الاقتصادية والسياسية بوجه الرأسمالية والإمبريالية الأميركية.

مقولة "أن العمال الأميركيين باعوا أنفسهم للحلم الأميركي"، أصبحت اليوم مقولة خائبة. إذ أنّه بالرغم من الخوف والغضب تجاه سياسات الحرب والأزمات الاقتصادية، هناك مقاومة تنشأ وإمكانية أكبر لإعادة بناء النقابات، وإمكانية أكبر للربط ما بين العمال البيض والسود واللاتين. وهناك رغبة جدية في المجتمع الأميركي في التغيير ولكن علينا الانتباه جيداً إنّ التغيير هذا، لن يأتي به أوباما، بل سوف تأتي به الطبقة العاملة التي لطالما حُذِف تاريخها من شاشات التلفزيون والإعلام الرأسمالي.

العدوان الإسرائيلي على غزّة

لا بدّ من الإشارة أولاً أن هناك رابط ما بين نهاية ولاية بوش وبداية ولاية أوباما والحرب الإسرائيلية على غزّة، وهناك أيضاً ترابط بين الحرب والانتخابات الإسرائيلية، لكنها ليست نقطة الارتكاز الأساسية في أسباب وأهداف العدوان الصهيوني على غزّة. فسياسات التطهير العرقي الصهيونية مستمرّة منذ قبل 1948، وخصوصية العدوان الأخير هو أنه، بالدرجة الأولى، محاولة من السلطة الإسرائيلية وضع معادلات جديدة على أرض الواقع الذي يمكنه أن يعطي الاحتلال قدرة أكبر على الإمساك بزمام الأمور.

المقاومة والصمود في غزّة ضربا المعادلة الإسرائيلية وأجبراها على التراجع ولم تمكّناها من تحقيق أهدافها، ومنعاعا من تحقيق أي إنجازٍ فعلي، الأمر الذي شكّل خسارة سياسية هامة أمام حركات المقاومة في المنطقة. الخطة فشلت، لكن المحاولات الإسرائيلية لم تنتهِ، وأكبر دليل هو صعود كبير لليمين الإسرائيلي وخاصة الليكود، حيث يقول نتنياهو (زعيم الليكود) أنه سوف "ينهي المهمة في غزّة" ويهدد باستخدام القوّة ضدّ إيران لمنعها من امتلاك أسلحة نووية.

وقد بدا جلياً أيضاً أن السلطة الإسرائيلية لم تعد تمتلك، بعد حربها على غزّة، اليد الأعلى في تأليب الرأي العام العالمي إلى جانبها، فبينما كانت آلة الحرب الإسرائيلية تدمّر المنازل والبيوت في غزّة كان الملايين حول العالم يصرخون بصوت عالٍ ضد العدوان ودعماً للمقاومة والصمود في غزّة.

كيف تتحرر فلسطين؟

أرادت السلطة الإسرائيلية استخدام الوقت الأنسب لشنّ حربها من دون مواجهة، لكنّها صُدمت كما أنظمة الاعتدال العربي بجهوزية الشارع العربي والعالمي وقدرته على التجييش والتحرّك بمواجهة هذه الحرب. وتراجعت الأنظمة العربية والعالمية المساندة للكيان الصهيوني جرّاء الضغط الشعبي الذي أنتجته حركة مناهضة للحرب، والذي، ومن دون جدال، هو امتداد رصين وجدّي للحركة التي سبقت في عام 2003 (مناهضة الحرب على العراق) وما قبلها.

الحرب على غزّة أثبتت أيضاً إن حلّ الدولتين هو غير ممكن وغير عادل. وأثبتت أنه لا يمكن للسلطة الصهيونية ودعامتها الأساسية الولايات المتحدة أن يقبلا بسلطة فلسطينية مستقلة ولا بدولة مستقلّة. ومن جهة أخرى، من غير الممكن واقعياً ومادياً قيام دولة فلسطينية في ظل الكانتونات والتجزئة الجغرافية وجدار الفصل العنصري.

على اليسار اليوم أن يستعيد الخطاب الذي بَنى على أساسه مقاومته وحركة التحرر وأسس فيه امتداده العالمي، وهو طرح الدولة الفلسطينية الواحدة العلمانية الديمقراطية، حيث يعيش المسلمون والمسيحيون واليهود والملحدون في كيان واحد. وهذا يكون من خلال النضال المشترك للطبقة العاملة الفلسطينية والإسرائيلية ضدّ الكيان الصهيوني. كما أنه أصبح واضحاً أنّ تحرير فلسطين لا يمكن أن يتمّ إلا من خلال نضال الشعوب العربية ضد أنظمة القمع والطغيان الشريكة في العدوان والحصار على غزّة.

اليوم، الصراع من أجل التحرر هو الصراع من أجل التحرير، فمَن يقف في وجه التحرير هي ذاتها الطبقة البرجوازية العربية التي تستغل وتقمع شعوب المنطقة يومياً، ومَن يقاوم اليوم هو نفسه من يقف في الإضراب والمظاهرات من أجل مستقبل أفضل.

المقاومة والدولة

العلاقة بين المقاومة والدولة اليوم في الشرق الأوسط ربما تكون المسألة الأساسية لتحديد واقع القوى السياسية الفاعلة وقدرتها على التغيير. فالدولة وجهازها يبدوان كشبكة يتم رميها على حركات المقاومة لإسكاتها ولجمها، فمن لا يستطيع الإجابة على مسألة الدولة ودورها لا يستطيع أن يكمل مسيرة التحرير والتحرر. هذا ما تواجهه بالذات الحركات الإسلامية المقاومة، التي عند اصطدامها بالدولة وفي المسائل الاقتصادية والحياتية، تلتزم بالخطاب البرجوازي المسيطِر.

ينطبق المثل على كلّ من حزب الله وحماس، فمشروعهما المقاوم يهدف في واقعه العملي والسياسي إلى تحسين ظروفهما في معادلة السلطة، وذلك بسبب طبيعة مصالح من يُمثلون طبقياً. حزب الله يمثل جزءاًً كبيراً من البرجوازية الصغيرة الشيعية والبرجوازية الصاعدة التي تعمل لإيجاد مكان متقدم لها في النظام الطبقي القائم. وكذلك تعتمد حماس بشكلٍ أساسي على دعم البرجوازية الصغيرة في غزّة، والتي تحاول أن تجد لها مكاناً ما في السلطة القائمة. من هنا نرى خيارهما بالتمسّك بالسلطة وبداية التراجع التدريجي في خطابها وعدم قطع علاقاتها مع الأنظمة التي كانت شريكة للسلطة الصهيونية في الحرب على غزّة وعدوان تموز 2006.

هذا لا يعني أننا نتوقف عن دعم هذه الحركات المقاومة، بل بالعكس تماماً، إن دعمنا غير مشروط، ولكنْ، لنا حق النقد. كذلك علينا ألاّ نتذيّل لهذه الحركات، كونها عاجزة عن إكمال مسيرة التحرير. من الضروري الاستمرار بالدعم الواعي للمقاومة ولكن، وبشكل مباشر، علينا العمل من أجل إنتاج حركة ثورية تربط ما بين مسألة التحرير والتحرر، وتستطيع فعلياً الإجابة على الأسئلة المطروحة وأن تبني حركة تسعى من أجل التغيير الفعلي وليس بهدف الالتحاق بالطبقة البرجوازية المسيطرة.

التراجع إلى "الوحدة الوطنية"

نشهد في لبنان عملية الالتحاق هذه، خاصة بعد مؤتمر الدوحة، حيث أصبح التوافق و"حكومة الوحدة الوطنية" هي الوصفة التي تعتمدها الطبقات الحاكمة العربية من أجل استيعاب الحركات الاعتراضية وحركات المقاومة. ولم يمرّ على نجاح أوباما الساعات حتى قامت هذه السلطات بالتبشير بالعهد الأميركي المقبل بأنه، حسب وليد جنبلاط، "أمل للمنطقة ولشعوبها". ولكن حتّى هذا التبشير تلقى ضربة قاسية بعد الحرب على غزّة، ممّا أدّى إلى صمتٍ سياسي والاكتفاء بإضاءة الشموع والبكاء على الشهداء.

يؤكد سعي حزب الله باتجاه حكومة الوحدة الوطنية بعد حرب تموز وأحداث 7 أيّار، أنّه لا يريد مواجهة فعلية مع الأنظمة القائمة، وهو يسعى ليجد لنفسه مكاناً في السلطة. هذا يعود إلى عدم وجود مشروع بديل للواقع المُعاش. وظهر الموقف المتردد أيضاً أثناء الحرب على غزّة، حيث امتنع حزب الله عن الخروج إلى الشارع واجتزأ مواجهة الأنظمة الشريكة في العدوان، فوصل بخطابه إلى السماء دون أية خطوة فعلية تُذكر في المواجهة السياسية المحلية للواقع القائم، وكانت تحرّكاته هزيلة دلّت على تراجعٍ في موقعه السياسي.

في ظلّ هذا التراجع السياسي الذي أصاب جهتي المعادلة الطبقية الطائفية الحاكمة، وجد اليسار نفسه الطرف الأبرز في بناء حركة الدعم والتضامن مع الصمود والمقاومة في غزّة. فكان الاعتصام المفتوح من أمام مبنى الإسكوا، المكان الأبرز لتبلور هذه الحركة التي جمعت اليسار من معظم أطيافه، ليعدو بخطىً ثابتة، وإن كانت في كثيرٍ من الأحيان صعبة من جهة بناء الحراك بين المنظمات والأحزاب اليسارية. ولكنه استطاع في أوّل تجربة من نوعها بعد حرب تموز أن ينخرط في موقع متقدّم في الصراع السياسي المباشر وبموقفٍ يربط فعلياً ما بين مقاومة الشعوب العربية من أجل التحرر من أنظمتها والمقاومة المباشرة من أجل التحرير، والذي كان استكمالاً لتراثٍ سياسي يساري بُني من خلال الاعتصام المفتوح ضد حصار رام ـ الله في الـ2002، وحملة "لا للحرب-لا للديكتاتوريات" في الـ2003.

اليسار والانتخابات

في الوجه الآخر للصراع في لبنان، تشهد الحكومة الحالية مناوشات بين طرفي السلطة، وخاصة في التحضير للانتخابات، والكلّ إلى مواقعه يجيّش ويتحضّر للمعركة القادمة. ورأينا مهرجان 14 شباط، التي حاولت قوى 14 آذار من خلاله إعادة تجميع قواها للمعركة القادمة، واليوم ننتظر ردّة فعل قوى المعارضة. المعركة الانتخابية القادمة تبقى سياسية بامتياز. فخطاب المعارضة ينادي بإصلاحات طفيفة تلتزم بحدود تمكين موقع البرجوازية في السلطة ويواجه، في الوقت نفسه، معركة من أجل حماية المقاومة، مما يكسبه وقعاً جماهيرياً أوسع من قوى 14 آذار. ولكن تراجعه في كثير من المواقف السياسية التي تُعنى بحياة الناس (الحد الأدنى للأجور، الخصخصة، الخ...) أدّى إلى تراجع الأصوات المؤيدة له، واتجه الكثيرون من الناس إلى "الوسط"، أي إلى البحث عن بديل، أو فقدان الأمل.

هذا الواقع هو ما شجّع جنبلاط للقيام بمناورة إنشاء قطب وسطي لم يعمّر كثيراً، خاصة وإنّ هذه المحاولة كانت واضحة في أنّها ليست إلا محاولة لتقليص أصوات المعارضة.

على اليسار أن يتجه إلى أرض المعركة السياسية القادمة ويدخل في طرح بديل جدي عن القوى السياسية المسيطرة، وفضح الديمقراطية المزيفة التي تعيد إنتاج القوى نفسها وتحمي البرجوازية الطائفية المسيطرة من النقمة والمعارضات الشعبية. ولكن دخول الانتخابات لا يجب أن يكون من ضمن منطق برلماني أو من أجل التمجلس في المقاعد والاجتماعات والكومبينات والاتفاقات العقيمة، بل من أجل فضح النظام وتأليب الرأي العام عليه، لأن التغيير لن يُقرّ في مجلس نيابي تحتلّ فيه البرجوازية تاريخياً الأغلبية الأكبر من المقاعد بينما هي فعلياً على أرض الواقع الأقلية. بل سيتمّ فرض هذا التغيير على النظام من قبل حركات جماهيرية تصعد من الشارع، من العمال والطلاب، من الناس أنفسهم.

ومن هنا، على اليسار أن يطرح مشروعاً سياسياً تقدمياً يستطيع الاستفادة من النقمة الموجودة على القوى المسيطرة من أجل إنتاج حركة سياسية أوسع وينتقل إلى صلب المعركة السياسية، من دون التخلّي عن مواقفه بشأن قانون الانتخابات أو من مواقفه في الشأن الاقتصادي والاجتماعي وعن الحقوق المدنية للشعب الفلسطيني، والمساواة والعدالة. إنّ الانتخابات هي أداة لتأليب الرأي العام على الواقع الذي نعيش فيه من أجل بناء حركة ثورية في المجتمع، وليست هدفاً بحد ذاتها. وهذا ما يجب أن يكون المرتكز الذي ينطلق منه اليسار إلى المعركة القادمة.

فالطرح القائل بأن نرتمي في أحضان المعارضة، ليس إلا تهرب من المعركة. يجب تكون لنا الجرأة للقول إننا مع المقاومة وسنحميها ونبنيها، لكننا لن نقبل بأن نكون شهود زور على ما تقوم به المعارضة بالشراكة مع الموالاة في تضييق الخناق أكثر وأكثر على الناس وتركهم لرحمة فوضى السوق التي تهدد الآلاف بالفقر والجوع. لن نرضى أن يبقى هذا النظام الطائفي النتن يتحكّم بحياتنا وبمستقبلنا.