مازن السيّد: دور المثقف ليس منح أوسمة للمتظاهرين

نشر في‫:‬السبت, شباط 18, 2012 - 15:23
ألبوم كشف المحجوب لمونما والراس
الكاتب/ة: ديمة ونوس.

وأنا أحمل ألبوم «كشف المحجوب» في حقيبتي، شعرت بالارتباك. كأنني أحمل كتاباً عن علم الذرة، أو عن كوكب اكتشفت على أرضه كائنات فضائية. الـ «سي دي» الذي أنجزه الصحافي الزميل مازن السيّد، اعتقدت بداية أنه ينتمي إلى موسيقى الـ «راب». إلا أن مازن يرفض تصنيفه على أنه «راب» ويقول: «لسنا في حاجة إلى استنساخ «الراب» لإنجاز هذه المقطوعات والأغاني. لأن ما نقوم به، ليس سوى جزء من ثقافتنا العربية، وهو موجود أصلاً، مثل الزجل. لذلك أسمّيه تطوراً طبيعياً لأدوات ثقافية تخــصّنا. وبما أن الشعر هو ديوان العرب، فبذلك لا يكون عملنا هذا تمرداً على ثقافتنا لأن الشعر ليس منسلخاً عن الواقع».
لقائي بمازن كان لمناسبة إطلاق ألبومه الأول «كشف المحجوب» المقرّر يوم الأربعاء المقبل في «ميترو المدينة». وعلى الرغم من أن مازن شغوف بالموسيقى إلا أنه لم يكن معنياً بالجانب التسويقي وبإصدار ألبوم موسيقي. كان يكتفي بكتابة الأغاني والعزف على آلات الإيقاع والبزق التركي «باغلاما». ويقول إن إيمانه بالحوار المباشر مع الآخر، كان سبباً في عدم إصداره ألبوماً قبل الآن. وهل يكون الألبوم الأول هذا تعبيراً مبطناً عن العجز؟ العجز عن الحوار والتواصل مع الآخر؟ ينفي مازن فكرتي: «مهما كانت الظروف صعبة، يستحل أن أنطلق من فكرة العجز عن الحوار، لأنها قيمة مطلقة. لكنني اتبعت في «كشف المحجوب» تكتيكاً جديداً. بما أن إحدى الإشكاليات المطروحة في مجتمـعنا، هي افتقار الحوار إلى أرضية فكرية حقيقية يقوم عليها. إضافة إلى أن الحوار يتّسم في مجتمعاتنا في كثير من الأحيان بالغوغائية، فكان الألبوم محاولة دخول إلى الحوار من أبواب مختلفة».

مسألة مزاجية
وأشرح لمازن إحساسي بالغربة عندما أستمع إلى الـ «راب» عموماً والعربي منه خصوصاً. تلك الغربة المعجونة بقلة الحيلة. كأنني أجهل تماماً كيفية الإصغاء إلى هذا النوع من الموسيقى. لا أعرف متى يمكنني سماعها. في السيارة مثلاً أم أثناء الكتابة أم في دعوة عشاء؟ لم أعثر لها على مكان في قلبي. أما مازن فيعتبر أن هذا النوع يمثل حالة مدنية، مرتبطة بالمدن الكبرى. والاستماع إلى هذه الأغاني مرتبط بنمط الحياة في هذه المدن، ويتجاوب مع إيقاع معين في حياتنا اليومية. ويشير إلى أنه لا يمثل بالتأكيد حالة طربية تتطلّب صفاءً نفسياً. في المقابل، يعتقد مازن، أننا في حاجة أيضاً إلى موسيقى قابلة للاستهلاك بالمعنى اليومي. ويجب أن تكون ذات سوية معينة.. وليس قبول هذا النوع سوى مسألة مزاجية بحتة، لأن الكلمات قد تلامس أي أحد.

«كشف المحجوب» يضم 11 أغنية من تأليف مازن السيّد «الراس» ومن توزيع جواد نوفل «مونما». وحدها المقطوعة رقم 12 من توزيع ساري موسى. ويشرح مازن أن الألبوم يضم 11 مقطوعة مثله مثل كتاب التصوف الشهير «كشف المحجوب» للهجويرى الذي يحتوي في نهايته على 11 باباً لفك الحجاب. ويرى مازن أن لمشروعه علاقة وثيقة بالتصوّف. وملامحه الأساسية هي الخروج من الازدواجية الظاهرية وكشف الزيف والولوج إلى باطن الأشياء وجوهرها. ويرى مازن أن في الألبوم ثمة محتوى فلسفياً مجرّداً، وقد يرتبط أحياناً بحالة فردية.

تراكمات جيل
«عزيزي الوالد، القتال مشتعل، والاستشهاد وارد بس الجو بارد، بتمنى تعذر يا بيي رداءة خطي، إيدي اليمين منصابة، ولاففها بحطّة، حلفتك برحمة ستي ما تجيب سيرة لأمي، ولأختي قلها ما تهتمي، خيّك نسج من خط النار سجادة أفكار، رح ترقصي عليها بنهار قريب، لما نحرر وطنا من الجهل المعيب. دم الشهدا لازم يغذي قلوب مش جيوب، نحنا بدمنا عم نقاتل والكرامة حقنا. مش تتستفيد البدلة وتقبض هي حقنا. مش تحتى تطول اللحية وتحبسلنا جسمنا». هذا مقطع من الأغنية العاشرة بعنوان «من ثائر». الألبوم الذي لم يستثنِ الحب في رسالته، يتحدث أيضاً عن الثورات العربية. «من يعتبر نفسه داخل الثورة، سيكون معنياً بالضرورة بالإشكاليات التي تطرحها هذه الثورة. وليس السؤال الآن ما إذا كانت تلك الثورة على صواب أم على خطأ. بل يجدر بنا أن نتساءل عن القيم التي تحملها الثورة. عن مشروعها الاقتصادي والفكري والسياسي بغض النظر عن العنوان المباشر الذي تنادي به مثل «إسقاط النظام». يقول مازن الذي يعمل في مجال الصحافة أيضاً (جريدة «السفير»). السياسة حاضرة في عمله الأخير. ربما لأنه ينتمي على حد تعبيره إلى مدرسة فكرية ترفض التخصيص. ليس هنالك من رسالة دينية أو روحية أو اجتماعية أو سياسية. الأمور لا تتجزأ بالنسبة إليه. والمطلوب رؤية شاملة، مضيفاً ان إسقاط النظام هو من المسلمات. وهذا لا يكفي. الإشكالية برأيه لم تعد محصورة بخوف الناس أو قدرتهم على النزول إلى الشارع ومواجهة الأنظمة القمعية التي تحكمهم. وما دام الشارع لا يزال عاجزاً عن استلهام مشروع متكامل، فلن نصل إلى حلّ قريب. أذكّره بأن عجز الشارع هو الحصيلة المنطقية لسنوات طويلة من التهميش والتغييب والنفي والقمع. يجيـبني: «لن تحلّ الأزمة بين ليلة وضحاها»، منتقداً في الوقت نفسه المثقفين والمفكرين «الذين لم نرَهم في الصفوف الأمامية من المواجهة، بل كانوا مشغولين بالتنظير وبالحديث عن شرعية هذه الثورة أو عدمها. ليس دور المثقف منح أوسمة شرف للمتـظاهرين. أولئك الذين أسمّيهم ملح الأرض هم الذين خلـقوا المواجهة الجسدية مع النظام، وأجسادهم كانت الضحية والثمن في الوقت ذاته». في مكان آخر من الأغنية العاشــرة، يقـول مازن: «عزيزي الوالد، أتمنى أن تبارك ثورات جيلنا البطل، لقد شهدنا ما حصل، وما حصدنا من ثوراتكم غير الكلام في الظلام، غير العتاب والنحيب، وما نفع أقوالنا وجسمنا معلق فوق الصليب وقدسنا سليب».

«كشف المحبوب»، الألبـوم الأول لمازن السيد، يحمل بين إيقاعاته وكلـماته الموزونة، تراكمات جيل عاش صامــتاً ثم ثار. وإن افترضنا أنه يحمل موضوعة أساسية، فالتمرد هو جوهر تلك الموضوعة. التمرّد على المسلمات وكشف المحجوب بأسلوب سلس وجريء، في انتظار حكم الرقيب.