احد المفاهيم الأكثر تداولاً حول الحماية الاجتماعية هو بوصفها إطاراً يشمل مجموعة أوسع من البرامج والأطراف المعنيين والأدوات المرتبطة بخيارات أخرى كـ”السياسات الاجتماعية” أو “الضمان الاجتماعي” أو “التأمين الاجتماعي” أو “شبكات الأمان”.

احد المفاهيم الأكثر تداولاً حول الحماية الاجتماعية هو بوصفها إطاراً يشمل مجموعة أوسع من البرامج والأطراف المعنيين والأدوات المرتبطة بخيارات أخرى كـ”السياسات الاجتماعية” أو “الضمان الاجتماعي” أو “التأمين الاجتماعي” أو “شبكات الأمان”. وفي هذه المقالة، يُستخدم مصطلح “الحماية الاجتماعية” للدلالة على أيّ مبادرة يطلقها القطاع العام والخاص، يكون من شأنها توفير تحويلات الاستهلاك ومصادر الدخل للفقراء وحماية الفئات الضعيفة من مخاطر البطالة فضلاً عن تحسين وضع الفئات المهمشة اجتماعياً، وذلك بغية تحقيق الهدف العام المتمثل بتقليص حدة ضعف الفقراء وسواهم من الفئات المهمّشة على المستويين الاقتصادي والاجتماعي(1).

ولكن، لا بدّ من الإشارة إلى وجود تفسيرات كثيرة ومتنوّعة لتوضيح المكوّنات المحدّدة للحماية الاجتماعية. وحتى لو كنّا نواجه خطر الوقوع في فخ التبسيط، بوسعنا تحديد رؤيتين مختلفتين تتمثلان بما يلي:

– رؤية محدودة تعتبر الحماية الاجتماعية أداة لتوفير الإعانة القصيرة الأمد لمساعدة الأفراد والأسر على مواجهة الصدمات فيما تسمح لهم في الوقت عينه بالبحث عن فرص اقتصادية جديدة تتيح لهم فوراً إمكانية تحسين أوضاعهم.

– رؤية موسّعة تعتبر أن الحماية الاجتماعية تضطلع بوظيفتين في سبيل تقليص الفقر، إحداهما قصيرة الأمد والأخرى طويلة الأمد: مساعدة الأفراد على المحافظة على أصولهم وتجميعها، وتحويل علاقاتهم الاجتماعية الاقتصادية بما لا يجبرهم على اقتناص الفرص عبر الزبائنية.

ارتبطت الحماية الاجتماعية تقليدياً بمجموعة من السياسات العامة التي وضعتها البلدان الصناعية “الثرية” من أجل حماية الأفراد من الفقر والحرمان. وتشتمل هذه البرامج عادة على معايير العمل، وحماية العمالة، والأنظمة الأخرى الخاصة بالحالات الطارئة المرتبطة بدورة الحياة (أي الأمومة والإعانات الأسرية والمعاشات التقاعدية)، والتعويضات عن حالات الطوارئ ذات الصلة بالعمل (أي البطالة والإصابات الناجمة عن حوادث العمل).

في التسعينات، شهد مفهوم الحماية الاجتماعية تحوّلاً في سياق الأزمات الاقتصادية والتكييفات الهيكلية، ما أدى إلى تحديد جدول عمل للسياسة الاجتماعية في البلدان النامية. وفي هذا الإطار، غدت الحماية الاجتماعية أوسع نطاقاً من الضمان الاجتماعي أو المساعدة الاجتماعية أو شبكات الأمان الاجتماعي.

تعميم الضمان الاجتماعي وتوسيع نطاقه: ضرورة عالمية

ضئيلة هي نسبة سكان العالم، لا سيما سكان البلدان النامية، الذين يستفيدون من الضمان الاجتماعي المنظّم في إطار مؤسّسات. وبالتالي، يُضطرّون في غالبيتهم إلى الاعتماد حصراً على المجتمع المحلي والتضامن الأسري فضلاً عن أشكال أخرى من المساعدة المتخصّصة والأعمال الخيرية.

وقد تمّت بلورة توجّهات كثيرة لتوسيع نطاق آليات الحماية لتغطّي المجموعات الضعيفة. وفي الواقع، ترتبط النقاشات الدائرة حول الضمان الاجتماعي بالتحوّل في الإيديولوجيات بشأن الأدوار والمسؤوليات التي ينبغي أن تناط بالأفراد والعائلة والمجتمع والسوق والدولة. من جهة أخرى، يرتبط تآكل مفهوم الدولة-الأمة وبروز اعتبارات جديدة بشأن المواطنة ارتباطاً جزئياً بهجرة الأفراد عبر الحدود بحثاً عن فرص تساعدهم على مواجهة أوضاعهم الاقتصادية. وتعكس وجهات النظر هذه رؤيات مختلفة بشأن الجهات التي ينبغي أن تتشارك مسؤولية تحسين الحماية الاجتماعية: فهل ينبغي أن تتمثل هذه الجهات بالدولة أو أرباب العمل، و/أو المجموعات القوية الناشطة ضمن مجتمع ما أو الأفراد؟

هل الحماية الاجتماعية حقّ من حقوق الإنسان

إن وضع الحقوق العام في الدول العربية يطرح إشكالية كبيرة. فالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية والمدنية تبقى خاضعة لقيود في غالبية الدول. وعلى الرغم من أنّ المسيرات الوطنية تختلف من دولة إلى أخرى (إن بسبب تأثير الاستعمار أو الموارد أو سواها)، كثيراً ما يُنظر إلى الحقوق الاجتماعية على أنّها حظوة يُغدق بها الحاكم على الأفراد بغالب الأحيان على أساس تمييزي (أي على أساس الجنسية، وضع العمل، الجندر…الخ) بدلاً من اعتبارها انتصاراً سياسياً جاء تكليلاً لنضالات الحركات الاجتماعية.

أضف إلى ذلك أنّ الضمان يدخل في عداد القضايا المثارة في الدول العربية. والحقيقة أنّ الضمان الاجتماعي لا يشكّل إلا بعداً واحداً من أبعاد كثيرة لضمانٍ لا يُمنح بشكل منتظم للمواطنين والمقيمين والعمال. فضمان شخص أو عائلة رهن إلى حدّ بعيد بأصوله الاقتصادية ووضعه الاقتصادي ورأسماله السياسي.

وتجدر الإشارة إلى أنّ الكثير من الدول العربية تسعى حالياً إلى توسيع نطاق الضمان الاجتماعي ليشمل بتغطيته العمال غير المحميين، إلا أنّ الإرادة السياسية و/أو الموارد الاقتصادية غالباً ما تفتقر إلى إصلاحات مهمة. فلا يسع السوق وحده دمج أكثر فئات اليد العاملة ضعفاً، لا سيما حيث تشهد الاستثمارات الاقتصادية المنتِجة تباطؤاً لأنّها تبقى حكراً على الأفراد النافذين والعائلات القوية بدون أن تأتي بهدف توفير الرفاه لأكبر عدد ممكن من الفئات السكانية.

والحقيقة أنّ المكانة التي تحتلّها دول عربية كثيرة في الاقتصاد المعولم، فضلاً عن ظروف اللاأمان العامة التي تسود فيها، تشكّل جميعها عوامل تساهم في تهميشها وتهميش أعداد كبيرة من الفئات السكانية الناشطة فيها.

إنّ هذا الوضع بالتحديد يحتّم علينا إيلاء اهتمام للحماية الاجتماعية وبنوع خاص “للشق الإجرائي” منها، باعتبار الضمان الاجتماعي حقاً من حقوق الإنسان بما أنّ مفهوم الحماية الاجتماعية أصبح عملة رائجة في الأوساط السياسية، وهذا ما يزيد من خطورة وضع أكثر الفئات والمجموعات ضعفاً.

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *