لا يقوم بالثورة إلا إنسان (امرأة أو رجل) كسر عقدة الخوف من الموت، لكننا نتربي منذ الولادة علي الخوف من الموت، فكيف نتخلص منه؟

سمعت جدتي الريفية (أم أبي) تقول إن عزرائيل يأتي في الليل ليقبض أرواح الناس، أحيانا كنت أراها في منتصف الليل جالسة منتصبة في فراشها في حالة تحفز وترقب، أسألها لماذا لا تنامين؟ تقول: «عشان عزرائيل لما ييجي يلاقيني صاحية يمشي ويروح لحد تاني يقبض روحه» ثم أسمعها تضحك بصوت مكتوم، تخفي فمها بيدها وتقول « اللهم اجعله خير يا رب».


لا يقوم بالثورة إلا إنسان (امرأة أو رجل) كسر عقدة الخوف من الموت، لكننا نتربي منذ الولادة علي الخوف من الموت، فكيف نتخلص منه؟

سمعت جدتي الريفية (أم أبي) تقول إن عزرائيل يأتي في الليل ليقبض أرواح الناس، أحيانا كنت أراها في منتصف الليل جالسة منتصبة في فراشها في حالة تحفز وترقب، أسألها لماذا لا تنامين؟ تقول: «عشان عزرائيل لما ييجي يلاقيني صاحية يمشي ويروح لحد تاني يقبض روحه» ثم أسمعها تضحك بصوت مكتوم، تخفي فمها بيدها وتقول « اللهم اجعله خير يا رب».

كانت تخاف الضحك مثل الموت، تعتبره شرا سيأتي حتما، فتدعو الله أن يجعله خيرا. في المدرسة كان مدرس الدين يقول لنا إن الله لا يحب الفرحين، فما بال البنت التي تضحك بصوت مسموع، فما بال البنت التي ترقص علي الموسيقى وتغني، كان ذلك في الأربعينيات من القرن الماضي، لم يكن الحجاب مفروضا على البنات في المدارس، وكان أبي وأمي يشجعانني على تعلم الموسيقي والرقص والغناء والرياضة البدنية، تربيت في أسرة تحب المرح والضحك والأدب والشعر والموسيقي، حتي أشعار أبي نواس وبشار بن برد وجدتها في مكتبة أبي، ورسالة الغفران لأبي العلاء المعري وغيرها مما كان محرما في المدارس، وأدخلني أبي كلية الطب مع الرجال، كان يؤمن بأن اختلاط الجنسين في المدارس والجامعات واجب وصحي للأخلاق. بعد أن كبرت ودرست تاريخ الأديان اكتشفت أن الكنيسة في أوروبا العصور الوسطي حرمت الضحك على النساء وحرمت عليهن أيضا الكتابة أو الإبداع. بعد أن درست الطب النفسي أدركت العلاقة بين شجاعة الإبداع وكسر الخوف من الموت، وعلاقة السعادة أو اللذة أو الضحك بالإبداع.

أمضيت بعض سنوات عمري في دراسة وتدريس العلاقة بين الإبداع والتمرد والثورة، يؤدي الخوف إلي الكبت الفكري النقدي، يؤدي الكبت إلى كتمان الرغبة في الإبداع والفرح والضحك، وكيف يؤدي كل ذلك إلي كبت الرغبة في مقاومة التمرد علي السلطة الظالمة والثورة عليها؟! منذ نشوء العصر العبودي تم تخويف العبيد والنساء من التمرد والثورة على الظلم القائم في القوانين والدساتير ونظم التربية والتعليم. هناك مخاوف كثيرة يتربي عليها الأطفال، منها الخوف من عقاب السلطة الحاكمة في المدرسة والعائلة والدولة، ترتبط هذه المخاوف بالخوف من الموت ومن العقاب بعد الموت.. الحرق في النار. تحررت من المخاوف الطفولية عبر السنين، أدركت أن الخوف من الموت وهم كبير، لأن الموت غير موجود، أو على الأصح حين أموت لا أكون موجودة لأشعر بالخوف. من أجل النجاة من عقاب السلطة يتعلم الأطفال طاعة الأوامر جميعها، في البيت والمدرسة والحكومة والدولة، الطاعة أصبحت الفضيلة التي يتحلي بها النساء والعبيد.

الطاعة هي السم القاتل للعقل النقدي أي الإبداع أي التمرد أي الثورة منذ الولادة حتى الموت، سمات الطاعة والخنوع علي وجوه الكثيرين والكثيرات، يكفي أن ننظر إلي الموظفين في الحكومة المصرية منذ عصر فخامة رمسيس الأكبر الأول حتي عصر فخامة الرئيس الأخير. للجسد الخانع المطيع لغة مألوفة.. انكسارة العين أمام صاحب الأمر، انخفاض الصوت، التلعثم أو اللجلجة أو الثأثأة، مع العبارة التاريخية «حسب توجيهات السيد الرئيس». ألا تذكرون هؤلاء الموظفين من درجة وزير (أو أكثر) الذين كانوا يرددون هذه العبارة كأنما هي صلاة يومية، وجيش الموظفين في الحكومة من الملايين الذين يعيشون ويموتون دون أن يرف جفن النظام الحاكم، هذا النظام الذي ارتعدت فرائصه حين سمع هدير الملايين: «يسقط النظام»؟

يقول لك: «أنا كنت عبد المأمور» يقولها بذل وهوان دون خجل أو حياء. حين يولد له طفل يسميه عبد المأمور أو «العبد». قلت: الضحك يشجع علي التمرد والثورة ضد كل المخاوف حتي الموت. النساء خرجن من بيوتهن بأمر الرجال للتصويت للرجال خوفا من الرجال، ليس للنساء برنامج حزبي ولا اتحاد نسائي ولا بند في الدستور ينص علي حقوق النساء ٥٠٪ من المجتمع، كل هذا ممنوع بالقانون والشريعة. وسألني الصحفي: وماذا تريدين من بنود جديدة في الدستور؟ قلت: أريد بندا يشجع الأطفال البنات والأولاد على السعادة والضحك والإبداع والخيال الجامح غير المحدود وعدم الخوف من الموت.

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *