ضمن العديد من التقاليد الصوفية والباطنية المنتشرة في بلادنا وفي أماكن أخرى من العالم، هناك جملة تتكرر في مدارس التفكير الخاصة بها. وهذه الجملة كتبت بداية باللغة العربية خلال القرن السادس أو الثامن، ومن ثم ترجمت لاحقا إلى اللاتينية خلال القرن السادس عشر، وقدمت على شكل مبسط: “كما فوق، كذلك تحت”.

ضمن العديد من التقاليد الصوفية والباطنية المنتشرة في بلادنا وفي أماكن أخرى من العالم، هناك جملة تتكرر في مدارس التفكير الخاصة بها. وهذه الجملة كتبت بداية باللغة العربية خلال القرن السادس أو الثامن، ومن ثم ترجمت لاحقا إلى اللاتينية خلال القرن السادس عشر، وقدمت على شكل مبسط: “كما فوق، كذلك تحت”.

بمعنى مجرد، “كما فوق، كذلك تحت” تؤكد على أن فهمنا المادي يعكس ويشكل المستوى غير المادي، والعكس صحيح، حيث يعكس ويشكل العالم غير المادي- الأفكار، الأنماط، واللاوعي- الواقع الملموس. قبل أن تخترع القنبلة، كانت هناك فكرة القنبلة، أو حتى أن فكرة القنبلة نفسها خلقت من واقع أدى إليها.

الفكرة تثير غضبي، وتسبب لي الصداع النصفي عندما أفكر بها. بصراحة قد يكون ذلك سذاجة أو هراء خالص، ومع ذلك أجد المفهوم جديرا بالتفكير به على مستويات أكثر عملية وعقلانية.

“كما فوق، كذلك تحت” يمكن أن ينطبق كذلك على كيفية تشكيل وتشكّل بيئتك الخاصة، وهي فكرة غالبا ما تناقش في علم النفس التحليلي، وعلم الاجتماع خلال الحقبة السوفياتية، وفيزياء الكوانتم والفيزياء الذرية، والعديد من العلوم.

يمكننا على الأقل الاتفاق على أن الفرضية الأساسية لم تأت من فراغ.

أنت- كإنسان وحيوان اجتماعي (بغض النظر عن مشاعر القلق وانعدام الأمان)- جرى رعايتك واحتضانك وتطورك عبر محيطك، مثل العائلة والأصدقاء والمجتمع بشكل عام والنظام (الأنظمة) التي تتحكم بسلوكك وتفكيرك. وأنت تقوم بالتحول والتطور والتغير بطرق صغيرة أو كبيرة من قبلهم كلهم، كذلك فإن تفكيرك وأفعالك يمكن أن تؤدي أيضا إلى تغيير المجتمع وتطويره و/أو تغييره بطرق صغيرة أو كبيرة. أنت لست ببساطة أنت، إنما جزء من كل، سواء أعجبك ذلك أم لم يعجبك، فأنت تتماثل، أو تحارب، أو تهرب، أو تختبئ، أو تموت مع أو ضد هذه الأشياء التي تحيط بك.

وهذا ما يقودني إلى فكرة ملحة أخرى، ما الذي يحدث لنا عندما ننخرط في المجتمع الأوسع- على الصعيد الوطني أو الإقليمي أو الدولي- الذي دخل فعليا حقبة متسارعة من الفاشية (أو أننا كنا دائما نعيش في مثل هذه الحالة ولكننا أصبحنا وقحين، بشكل لا مهرب منه بشكل مرعب)؟

مع انتشار الفاشية في الشوارع، هل تنتشر الفاشية في الأسرّة؟ وإذا كان الأمر كذلك، كيف نحاربها؟

للجواب عن السؤال الأول، يمكننا القول بثقة أن الأمر يبدو كذلك؟ لنفكر بذلك: مع الفشل الذريع والإساءات غير المسؤولة، والخلل المدمر الذي تسببه الأنظمة الجاثمة فوق رؤوسنا، يبدو أنها تنعكس داخل المجتمعات والمجموعات التي تصف نفسها بأنها “المجتمع المدني”، أو “الدوائر التقدمية” أو يمكنك أن تضيف التسمية التي تريد لتسمية أولئك الساعين لمواجهة النظام(الأنظمة). فهم أيضا لديهم فشلهم، وإخفاقهم وإساءاتهم واختلالاتهم السائدة بين صفوفهم – سواء تلك المقصودة أو غير المقصودة، عن حسن أو سوء نية، وغالبا ما يكونوا مدفوعين من غرورهم، وكبريائهم، ومصالحهم الخاصة والعاطفة المؤذية. هناك العديد من القصص التي سمعناها عن هذا الناشط أو ذاك الذي قام بأمر سيء أو لا يغتفر أو استغل موقعه أو قام بأمور رهيبة أثارت الخلاف والنزاع. وعلى الأرجح، سيظهر العديد من الأفراد- ما لم تحصل مواجهة جادة لهذه القضايا أو السماح بهذه الجروح بالبقاء دون علاج فعلي بحيث يستمر هذا القيح ويتزايد مع الأيام والأسابيع والأشهر والسنوات. لا عجب إذاً، كما يفعل النظام(الأنظمة) الذي يحكمنا أن العديد من هذه المجموعات لا تتعاون أو ببساطة لأنها لا تستطيع بفعالية التعاون فيما بينها (وهو أمر نحتاجه بشدة في هذه الأيام الصعبة) للنضال من أجل حقوق أساسية لنا جميعا. لقد وقعنا بالفخ، الذي يقيدنا ويشلنا، منتظرين حلا يأتي بشكل تلقائي كما لو أنه سيهبط علينا من السماء، في حين أن القوى المهيمنة تستمر بأخذ وتجريد كل قطعة من حياتنا وكرامتنا.

إذاً، كيف يمكننا محاربة الفاشية في الشوارع، والفاشية في الأسرّة؟

لا توجد إجابة بسيطة على هذا السؤال، ولا يمكنني تقديم إجابة وافية وشاملة على الإطلاق. لدي أفكاري، سواء كانت خاطئة أو صحيحة.

أعتقد أنه يمكننا على الأقل البدء بهذه الفكرة البسيطة: لم نخسر كل شيء، أحثكم على إشاحة مفاهيم الاستسلام في هذا الوقت.

انطلاقا من هذا التأكيد، دعونا ندرك أننا جميعا عرضة للفاشية في الشوارع. نحن لسنا معصومين ولسنا في منأى عن التأثر بهذه القوى وسوف نفشل- في أوقات مذهلة للغاية. قد نشوه سياستنا التقدمية، ولكن هل نحن كنا فعلا كذلك؟ للأسف، أقول لا، ليس بشكل كامل. هذا الاعتراف والاقتناع بطبيعتنا غير الكاملة أمر ضروري باعتبار أن الغطرسة هي إحدى مكونات الفاشية، وهي اعتقاد مخادع بأننا أنقياء دائما وبإرادتنا ألا نكون محترمين سواء من الداخل أو الخارج. هذا لا يعني أننا نبرر ونتجاهل السلوك الرث حتى يصبح “لطيفا”. لا، ليس الأمر كذلك. علينا مواجهة جميع الإساءات فورا بدون تردد أو خوف. فالأزمة، بعد كل شيء، هي فرصة تأخذ أشكالا مختلفة حتى تصل إلى نتيجة أفضل. أعتقد أن بمثل هذه الطريقة يمكننا التشجيع على العدالة التحويلية في مواجهة الانتهاكات والخلل والفشل، والتي بدورها توفر إمكانية حصول تحول عميق وكبير، بدلا من تكرار المأساة الهزلية والمحبطة التي شاهدناها مرارا وتكرارا على مر العصور.

ربما تكمن الخطوة التالية بالرغبة بالهشاشة، والاستماع لبعضنا البعض، والتفاعل فيما بيننا والدعم المتبادل والانفتاح على أنفسنا وعلى بعضنا البعض. عادة ما يتم وصف الهشاشة بأنها نقطة ضعف. كلا، عزيزي القارئ، أعتقد أنها نقطة قوة. قوية وشجاعة، وتتطلب شجاعة بالغة وهائلة، أقوى بكثير، برأيي المتواضع، من مفاهيم القوة التي تروج لها الدولة والجيش والشرطة والمؤسسة الدينية والأبوية. فرموز قوة الأخيرين وهمية، وقابلة للتحطم مع ما يكفي من الضغط الممارس في اللحظة المناسبة. رؤيتهم قصيرة النظر، ومقيدة وبائدة وبليدة وقليلة الخيال والإمكانية. دعونا أن نكون أمرا مختلفا تماما.

سأنهي مقالتي هنا، عزيزي القارئ، حتى لو كان هناك حاجة للمزيد من الكتابة سأنسحب مكررا التحذير أعلاه: كن مدركا بشدة للفاشية في الشوارع، وللفاشية بين أوراقك، بكلمات أخرى: “كما فوق، كذلك تحت”.

نشر النص باللغة الانكليزية في موقع المنشور بتاريخ 8 كانون الثاني 2019

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *