بعد المعركة الأخيرة من الحرب الإسرائيلية المستمرة على لبنان والمنطقة، والتي انطلقت أعمالها العسكرية مجدداً في 12 تموز 2006 وتوقفت (مؤقتاً) في 14 آب، ازدادت الأوضاع المعيشية للعمال سوءاً. فقد خسر عدد كبير منهم عمله بسبب سياسات الصرف التعسفي التي استعملتها الشركات كوسيلة للحد من تقلص الأرباح الناتج عن هذه الحرب. عمليات تخزين المواد خلال المعارك ورفع أسعارها بعد وقف النار زادت من معاناة الطبقة العاملة. وكمكافئة لها على كل هذه المواقف “الوطنية المقاومة”، أخذت الشركات، من خلال الهيئات الاقتصادية، تطالب بإعفائها من الرسوم والضرائب.

بعد المعركة الأخيرة من الحرب الإسرائيلية المستمرة على لبنان والمنطقة، والتي انطلقت أعمالها العسكرية مجدداً في 12 تموز 2006 وتوقفت (مؤقتاً) في 14 آب، ازدادت الأوضاع المعيشية للعمال سوءاً. فقد خسر عدد كبير منهم عمله بسبب سياسات الصرف التعسفي التي استعملتها الشركات كوسيلة للحد من تقلص الأرباح الناتج عن هذه الحرب. عمليات تخزين المواد خلال المعارك ورفع أسعارها بعد وقف النار زادت من معاناة الطبقة العاملة. وكمكافئة لها على كل هذه المواقف “الوطنية المقاومة”، أخذت الشركات، من خلال الهيئات الاقتصادية، تطالب بإعفائها من الرسوم والضرائب. أما السلطة السياسية، فقد شن طرفاها (الموالاة والمعارضة) حرباً إعلامية وسياسية أخطر بكثير من حرب 12 تموز. عجّت محطات الإعلام بخطابات تتضمن كل وسائل التفرقة، من تخوين وشحن طائفي واتهامات بالعمالة. وقد تخلل هذا الصراع الشرس على السلطة جلسات الزعماء حول طاولة التشاور التي يساوي شكلها الدائري، وعن وجه حق، بين أطراف الحوار/الصراع.

وبينما كان صوت هذه المعارك الكلامية يصم الآذان، لم نسمع، حتى في تصريحات الأحزاب التي تعتبر نفسها في طليعة المدافعين عن الطبقة العاملة، إلا القليل النادر من التحليلات والمطالبات الخجولة المتصلة بالوضع المعيشي للعمال، بينما توافق الجميع على وجوب تعويض الشركات وأصحابها. هل سمع أحدكم عن متمول لبناني استشهد على جبهة النضال أو خسر أحد أبنائه أو تهجر أو جاع أو حتى أصيب بتلبك معوي جراء هذه الحرب؟ هل قدم أحد أصحاب الفنادق أو ملاكي الأبنية غرفاً أو منازل مجانية للنازحين وعوائل الشهداء؟ هل فتحت مطاعم السوليدير أبوابها للمهجرين؟ هل أن خسارة مفترضة لبعض من الأرباح تعتبر تضحية وطنية أكثر من القتال والاستشهاد والتهجير والجوع والعيش الذليل في المدارس الرسمية والأبنية المهجورة .

ألم يتغنى الجميع بالنصر الأخير على إسرائيل؟ فلماذا لا يشارك الجميع في تحمل أعباء هذه الحرب؟ من يستطيع أن يضحي أكثر؟ من خسر القليل من المال الذي كان يدره عليه عمله والذي بالكاد يكفيه لإطعام أولاده، أم الذي يلهو بالبورصة لمجرد أن كل ما يمكن أن يجده في المتاجر موجود، وبكثرة، في منزله؟

بعد كل هذا الاستغلال والظلم الذي تتعرض له الطبقة العاملة، نرى بعض “ممثليها” يطالبون بحماسة تناهز حد التضرع لانعقاد مؤتمر باريس 3، ويرتعدون كلّما حذر أحد السياسيين من أن أي تحرك مطلبي سياسي أو اقتصادي قد يضيّع على لبنان “فرصة” انعقاد هذا المؤتمر.

في ظل هذا الخوف غير المبرر، تبدأ الهيئات الاقتصادية وزعماء النقابات الغاشمين عن مصالح العمّال بلعب دورهم في المسرحية الأكثر عبثية في التاريخ، تحت عنوان تحالفهما ضد أي انقسام سياسي في البلاد حفاظاً على باريس3 . كأن زمن المعجزات لم ينتهي بعد وكأن هذا المؤتمر هو المعجزة التي ينتظرها الاقتصاد اللبناني وورقته الاصلاحية هي عصا موسى النبي التي ستشق البحر ليمر البلد إلى الجنة المنتظرة في أورشليم.

يا جماعة، لم يكن اسم هذا المؤتمر بالصدفة أو عن عبث “باريس 3″، فهو كمؤتمر باريس 1 وباريس 2 (هل تذكرون)، يهدف إلى استبدال الدَين الداخلي بآخر خارجي وزيادة الارتهان إلى البنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية، وتأكيد انصياع البلد لمطالبهما المتمثلة بالورقة الاصلاحية التي تتضمن زيادة الضريبة على القيمة المضافة – التي لا تطال سوى الطبقة العاملة – إلى 15%. كما يتضمن مشاريع الخصخصة ورفع الدعم عن المحروقات والمزروعات وإلغاء تعويضات نهاية الخدمة وتعويضات الصرف في القطاع العام والتعاقد الوظيفي… ولا أظن أن أي من هذه البنود “الإصلاحية” تخدم مصلحة الطبقة العاملة.

ولكن، كي نكون منصفين، علينا ذكر الشعارات الرنّانة المعتادة عن وقف الهدر والفساد الإداري والسياسي والمالي. والسؤال يبقى: من سيوقف الهدر و الفساد؟ هل سيحاسب الفاسدون والمهدرون أنفسهم؟هذه الشعارات لا يمكن تحقيقها ما دام النظام السياسي الطائفي مترسخ في كل الممارسات السياسية والإدارية ويمنع أي شكل من اشكال المحاسبة بسبب تمترس من ستطاله المحاسبة وراء إحدى الطوائف الكريمة.

ليس بالتحالف مع أعدائنا أو خوض حروب غيرنا أو تبنّي الأوهام التي تبثها لنا وسائل إعلام الطبقة الحاكمة عن باريس3 وغيره يمكن للطبقة العاملة أن تحصل على حقوقها. ليس بترك نقاباتنا بيد رؤساء لا يدعون للنزول إلى الشارع سوى لاستغلالنا في صراع ما على السلطة، بينما يبقى الحد الادني للأجور لا يكفي لإطعام شخصين، وتبقى مؤسسات التعليم الرسمي بحالة مزرية، وتبقى المؤسسات الصحية معدومة الإمكانات، والضمانات معدومة والتقديمات معدومة والخدمات معدومة.

لقد انتصرنا على إسرائيل في المعركة الأخيرة وعلينا استكمال هذا النصر بالهجوم على الطبقة الحاكمة وأحزابنا الرجعية وقادة نقاباتنا الخونة لتحرير مقاومتنا من استئثار فريق ما ولجعلها مقاومة شعبية فعلاً، لتحرير حياتنا الاقتصادية من المصالح الضيقة لأصحاب الشركات، لتحرير حياتنا السياسية من النظام الطائفي العفن، لوقف ارتهاننا إلى حكومات العالم الأول ولربط نضالنا بنضال طبقاتها العاملة. لما الخوف ما دمنا لا نملك ما نخسره سوى أغلالنا وحملنا الثقيل؟

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *