كثر الحديث في الأسابيع الماضية عن الجزر الأمنية في لبنان والقنابل الموقوتة التي تنتظر ساعة الصفر، لتفجَر، من جديد، حرباً تكون أروع وأفظع وأكثر ضراوة من الحرب التي مرت على لبنان منذ خمسة عشر سنة وما يزال الكثيرون من اللبنانيين يعيشون فيها، أو إن جاز التعبير يعيشونها. يعيشونها في داخلهم فقط لأنها (أي الحرب)، في الواقع، قد انتهت.

كثر الحديث في الأسابيع الماضية عن الجزر الأمنية في لبنان والقنابل الموقوتة التي تنتظر ساعة الصفر، لتفجَر، من جديد، حرباً تكون أروع وأفظع وأكثر ضراوة من الحرب التي مرت على لبنان منذ خمسة عشر سنة وما يزال الكثيرون من اللبنانيين يعيشون فيها، أو إن جاز التعبير يعيشونها. يعيشونها في داخلهم فقط لأنها (أي الحرب)، في الواقع، قد انتهت.

إن سبب بقاء الحرب كمعيار لتصرفات الكثيرين وكركيزة أساسية تقوم عليها حياتهم وآرائهم وتصرفاتهم يعود في بالواقع إما إلى خلفية لا ترى سوى الحرب سبيلاً للحياة، أو أن بعضهم لم يرضى بالنتيجة التي آلت إليها حربنا السابقة فرفضوا الاعتراف بنهايتها، علهم يحظون بحرب جديدة تكمل التي سبقتها، يعززون بها مراكزهم أو يعوضون من خلالها ما قد سبق وخسروه في الحرب التي فعلاً قد انتهت منذ خمسة عشر سنة.

ومن الطبيعي أن ينعكس هذا التفكير، وبفضل نعمة التقسيم الطائفي المناطقي، على التكتلات الطائفية في المنطقة الواحدة. فتتحول تلقائياً إلى ما يطلق عليه اسم “الجزر الأمنية”، حيث تقام حواجز إن لم تكن عسكرية ففكرية ومجتمعية، وتبدأ التحضيرات التي لم يسبق لها وأن انتهت، من رص للصفوف وقسم للّواء وتحية للراية التي ندر وإن اتحدت إلا في كرنفالات الحرية المصطنعة في نهارات التحالف الطائفي لتعود وتغير ألوانها في المساء انسجاما مع ما تقتضيه أو تطلبه الجزيرة الأمنية المزعومة والمتزعمة لهذا التكتل الطائفي أو ذاك.

أنا، وبطبيعة الحال، كوني أعيش على الأراضي اللبنانية، لا بد لمحلة سكني إلا وأن تكون في جزيرة أمنية ما. هذا لأن الأراضي اللبنانية، وللأسف، قد نفذ ت منها البقع التي لا تنتمي لطائفة معينة تحولها إلى جزيرة أمنية خاصة بها. إن جاز لنا القول، هذا باستثناء الوسط التجاري لبيروت، لكنّه جزيرة أمنية لطائفة الرأسماليين والسوّاح. وأنا لا أنتمي إلى أي من هذه الطوائف. كما قلت سابقاً، أنا أعيش في جزيرة أمنية، لكنني، ولسوء حظي، لا أنتمي إلى أي صف من صفوفها بل لا أجد مكاناً لي بينهم ولا أؤمن بقسمهم ولا تلفتني ألوان رايتهم بل تشعرني بأني سجين!

سجين فعلاً. سجين في بقعتي الأمنية التي صنعتها بنفسي ورصصت بها صفوف تفكيري وأقسمت بها أن لا أكون عبداً فرفعت رايات الحرية فوق أسوارها. خطئي الوحيد أني لم أقفل أبوابها ولم أقم الحواجز فسمحت لسكان الجزر المجاورة والبعيدة بالدخول إلى جزيرتي متى شاؤوا، فدخلوها ومارسوا حريتهم فيها، حريتهم التي تعلموا فن ممارستها على أيدي زعماء جزرهم، و منعوني بالمقابل من أن أمارس حريتي في جزيرتهم فبقيت سجين جزيرتي الأمنية أمارس حريتي فيها على الدوام دون انقطاع.

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *