مع حلول الرابع عشر من آب 2007 يكون قد مرّ عام كامل على توقف المعارك التي انطلقت في الثاني عشر من تموز 2006. ثلاث وثلاثون يوماً برهنت خلالها المقاومة أنها الوسيلة الأنجع، لا بل الوحيدة، القادرة على حمايتنا من الاعتداءات الإسرائيلية التي تستهدف أرضنا وحياتنا. فقد تخطى أداء المقاومين في معارك تموز وآب 2006 كل التوقعات بعد أن أربك آلة الحرب الإسرائيلية وشلّ حركتها وانتصر عليها أخيراً رغم أنف بوش ومجلس الأمن وأذناب الامبريالية في العالم العربي ولبنان.

مع حلول الرابع عشر من آب 2007 يكون قد مرّ عام كامل على توقف المعارك التي انطلقت في الثاني عشر من تموز 2006. ثلاث وثلاثون يوماً برهنت خلالها المقاومة أنها الوسيلة الأنجع، لا بل الوحيدة، القادرة على حمايتنا من الاعتداءات الإسرائيلية التي تستهدف أرضنا وحياتنا. فقد تخطى أداء المقاومين في معارك تموز وآب 2006 كل التوقعات بعد أن أربك آلة الحرب الإسرائيلية وشلّ حركتها وانتصر عليها أخيراً رغم أنف بوش ومجلس الأمن وأذناب الامبريالية في العالم العربي ولبنان. إلا أن هذا النصر الاستراتيجي، على أهميته، لم ينه حربنا المستمرة منذ ما قبل 1948 مع العدو الصهيوني، ولم يشكل سوى صدعاً صغيراً في حائط الهجمة الامبريالية على المنطقة.

فشل حركات المقاومة على هذا الصعيد يكمن في نظرتين مختزلتين للصراع الدائر في المنطقة وفي عدم وجود برنامج مقاومة واضح يطال مختلف الأصعدة والمستويات في هذا الصراع. اختزال صراعنا ضد الكيان الصهيوني بمنظور ديني أو قومي أو عرقي يخفي حقيقة أن حربنا ضد إسرائيل هي حرب ضد الإمبريالية، هي حرب من أجل حياة أكثر عدالة وحرية وكرامة. وان كان هذا النوع من الاختزال يضعف المقاومة، فاختزال صراعنا ضد الإمبريالية بحربنا مع الكيان الصهيوني يشكل النكسة الأكبر في فكرنا المقاوم.

ما جرى بعد الرابع عشر من آب 2006 يشكل الدليل القاطع على تلك الحقائق. فصدور القرار 1701 الذي وضع المقاومة وتحركاتها تحت رقابة جوية وبرية وبحرية للأمم المتحدة، الأداة الأبرز بيد الولايات المتحدة الأميركية، والذي أرسل الجيش اللبناني إلى الجنوب ووضعه في حالة دفاع عن العدو الإسرائيلي، يشكل الهزيمة السياسية الأولى للمقاومة.

توالي الأحداث كان أخطر وأشد وطأة. فقد عمدت السلطة اللبنانية، بمعاونة السعودية ودول عربية أخرى، إلى تسليح مجموعات سلفية لمواجهة المقاومة ونقل صراعها إلى الداخل من جهة، ولنشر وهم الحرب على الإرهاب وتبرير نشوء سلطة بوليسية قمعية من جهة أخرى. مظاهر السلطة الأمنية هذه وأدوات قمعها بدأت تظهر جليّاً في لبنان من خلال زيادة موازنة التسليح للجيش اللبناني وانتشار منظمات ميليشياوية رديفة للأجهزة الأمنية كميليشيات تيار المستقبل و”أنصار الجيش” وشركات الأمن “الخاصة”، ومن خلال تطبيق حالة الطوارئ غير المعلنة التي تجلت في كثافة الحواجز الأمنية التي يشارك فيها عناصر من فرع المعلومات تماماً كما كان يحصل في زمن الوصاية السورية.

يترافق هذا مع تبني القوى الأمنية للنهج الأميركي المطبّق في العراق وأفغانستان في التعاطي مع الأحداث الأمنية. فبعد أحداث نهر البارد، الذي كان مسببها الرئيسي مغامرات سعد الحريري الميليشياوية، لم يجد الجيش أي حل سوى تدمير المخيم على رؤوس قاطنيه.

استغلت السلطة هذه الأزمة لإرساء جو من العنصرية الفجّة لتقسيم الطبقة العاملة في لبنان، كما تعمّدت إطالة الأزمة لخلق جو من الرعب وعدم الاستقرار الأمني أدى بالمواطنين إلى القبول، لا بل المطالبة، بإرساء نظام عسكري شبيه بالأنظمة العربية الأكثر قمعاً. وبما أن السنيورة بات شريك بوش بالحرب المزعومة على الإرهاب، وصلت الوقاحة بالأخير إلى الإعلان عن تجميد أموال “كل من يعارض حكومة السنيورة ويهدد استمرارها” بإشارة واضحة إلى نية الولايات المتحدة إنشاء نظام دكتاتوري موالٍ لها في لبنان.

أما على الصعيد الاقتصادي، فقد بدأت تأثيرات هذه الهجمة الإمبريالية تلقي بظلالها على حياتنا اليومية بعد أن أدت سياسيات السنيورة الاقتصادية، التي تهدف إلى تأمين متطلبات الانضمام لمنظمة التجارة العالمية، إلى ارتفاع رهيب في أسعار السلع، وتهديد خطير لحقنا بالضمان الاجتماعي والطبابة والتعليم والأمان الوظيفي، وأخيراً أدّت هذه السياسات إلى انقطاع متوحش في التيار الكهربائي عن معظم المناطق السكنية، ماعدا بيروت الإدارية حيث الشركات والفنادق.

بعد كل هذه الهجمات التي تستهدف الحقوق والمكتسبات، لم يبقى لدى السلطة سوى متابعة الهجوم الوقح على المقاومة، مطالبة بنزع سلاحها بحجّة الدفاع عن شرعية الدولة وديمقراطيتها.

مفهوم الديمقراطية الأميركية وحربها المزعومة على الإرهاب لم يسلم منه الداخل الفلسطيني. فقد أدى فرض الولايات المتحدة حصاراً على الفلسطينيين، عقاباً لهم على اختيارهم لنهج المقاومة بانتخابهم لحماس، بالتزامن مع تسليحها ميليشيات فتح والدحلان لإشعال مواجهة عسكرية داخلية، أدّى إلى احتقان شعبي عارم لم يجد له متنفساً، في ظل غياب أي أفق سياسي أو خطاب يعيد الأولوية لمقاومة الاحتلال ويوضّح مسؤوليته عن معاناة الشعب الفلسطيني، وبعد أن أثبت نظام المحاصصة فشله المتكرر بحل الأزمات، إلا بحرب داخلية في غزة أدت إلى انفصال القطاع عن الضفة الغربية.

هذا التشنج الذي سيطر على الساحة الفلسطينية أتاح لمحمود عباس الهجوم على المقاومة وإصدار الأمر بنزع سلاحها، طارحاً نفسه كشريك في المشروع الأميركي في المنطقة ومستفيداً من الدعم السياسي والمالي والعسكري للإدارة الأميركية لمصادرة القرار الفلسطيني والسيطرة على حياة الشعب في الضفة الغربية.

أما في العراق، فالكارثة كانت أكبر، حيث تقف السلطة العراقية بوجه المقاومة متذرعة بالدفاع عن شرعية الدولة وديمقراطيتها. وفي المقابل، لم تجد هذه السلطة أي تهديد لشرعيتها يتأتى عن المجازر التي ترتكبها قوات الاحتلال الأميركي والشركات الأمنية الإسرائيلية العربية المشتركة بحق الشعب العراقي. كما لم تجد هذه السلطة ما يستدعي المواجهة والاستهجان حين انتشرت فضائح سجن أبو غريب وأخبار التعذيب والإهانة التي تعرض لها السجناء فيه، لا بل قررت مكافأة الاحتلال على فعلته بإقرار قانون النفط الجديد الذي يعتبر مقدمة لسرقة الاحتلال الأميركي لنفط العراق تلاه قرار منع نقابة عمّال النفط وملاحقة نشطائها بناءً على قانون من حقبة المقبور صدّام حسين.

في ظل كل جرائم الاحتلال في العراق ولبنان وفلسطين، نجد الأنظمة العربية تطلق مبادرات السلام وعروض التطبيع مع إسرائيل مقابل حصولها على لقب “دول الاعتدال في الشرق الأوسط” كصك براءة يضمن لها البقاء في السلطة، وفي مقابل إبرام بعض صفقات الأسلحة التي سمعنا عنها مؤخراً، والتي لن تستخدم إلا لزيادة قمع الشعوب العربية.

وفي ظل هذا الاستهداف لمصالح العمال بشكل خاص، والفقراء بشكل عام، نجد اليسار العربي غائباً كلياً عن الساحة السياسية أو أنه موجود ومتواطئ.

في لبنان، لم يجد اليسار رداً على هذه الهجمة إلا باتخاذ موقف “وطني” أقل ما يوصف به أنه عنصري تجاه الفقراء. فقد رفضت معظم أحزاب اليسار اللبناني اتخاذ أي موقف، ولا حتى على الصعيد الإنساني، يدين المجازر التي ارتكبت بحق اللاجئين في نهر البارد. وفي حين كان من المطلوب من اليسار أن يوضّح أسباب الأزمة ويطالب بتحميل السلطة مسؤوليتها عن هذه الأحداث والتحريض الطائفي التي استخدمته كسلاح في صراعها مع المعارضة، ومن خلال تسليحها لفتح الإسلام وحرمان اللاجئين الفلسطينيين من حقوقهم المدنية والسياسة، أخذ يتبنى خطاب اليمين اللبناني إبان الحرب الأهلية، إذ نجده يحمّل المسؤولية للاجئين الفلسطينيين ويقف داعماً للسلطة في عنصريتها ضدهم، حتى وصل الأمر بالبعض إلى المجاهرة بعدم معارضتهم أن يحكم الجيش لبنان كون المؤسسة العسكرية مؤسسة “وطنية”.

فأي فاشية هذه التي تبيح لمدّعي الماركسية بتبني خطاب اليمين القومي اللبناني؟ وأي فاشية هذه التي تسمح لحزب يساري أن يقبع ساكناً أمام الكوارث الاقتصادية والمعيشية متحججاً بأولوية بناء الدولة؟

اليسار الفلسطيني لم يتعاط بغباء أقل مع الأزمة الداخلية، فقد غاصت أطرافه أيضاً في سجال عقيم حول بناء الدولة الديمقراطية، متناسيةً أن خمسين نائباً فلسطينياً، منتخبون ديمقراطياً، يقبعون في سجون الاحتلال بتهمة عدم اعترافهم بسلطته.

بعد كل ما قيل، لا يجوز أن نستمر باجترار حلاوة نصر تموز العسكري في حين أن الامبريالية لا تأل جهداً لمصادرة حقنا بالحياة الحرّة الكريمة. علينا في هذه المرحلة أن نتنبّه لعدة حقائق، ليس أقلها خطراً أن حالة اليسار لدينا تناهز الكارثة.

لقد برهنت نظرية “بناء الدولة”، وما يترتب عنها من ميوعة سياسية، فشلها الذريع في تحقيق التحرير والتنمية وفي تحسين حياتنا. وقد برهنت عقدتنا الـ”وطنية” في نظرتنا للصراع في المنطقة أنها أخطر ما يمكن أن يتهدد المقاومة.

التعامل مع هذا الواقع يتطلب النظر إلى حركات المقاومة ليس في معناها التجريدي أو الآدابي، بل كامتداد للحالة الثورية التي نشأت في المنطقة في الستينيات والسبعينيات، وكان حاملها عندئذ اليسار، وعندما تخلّى اليسار عن البندقية أتت الحركات الإسلامية لتحملها عنه وتجدّد خيار المقاومة. فمشروع الخنوع والانهزام والتسليم بالأمر الواقع ليس هو خيار أغلبية الشعوب في المنطقة العربية، بل إن خيار المقاومة هو الخيار الديمقراطي الوحيد أمامها.

من واجب اليسار التاريخي والحالي أن يبدأ جدياً ببناء جبهة مقاومة ثورية تنخرط في حركة المقاومة الناشئة في المنطقة. وهنا يمكن بناء التحالف مع الحركات الإسلامية المقاوِمة، على أسس مقاومة لا على أساس الالتحاق. فجميعنا يعرف أن الحركات الإسلامية، بالرغم من نجاحها في المقاومة العسكرية، لم تستطع حتى الآن أن تصنع مشروعاً يتخطى بديهيات المقاومة العسكرية ويقدر على إنتاج مقاومة على كل الجبهات المفتوحة مع الإمبريالية وخاصة الجبهة الاقتصادية. وإن كان بعض أقطاب اليسار يبحثون عن بنادق يقاومون بها الاحتلال والإمبريالية، فهذا هو السلاح؛ حقوق العمال ومصالح الطبقة العاملة ومواجهة الواقع الاقتصادي هي السلاح الأقوى للجم وصدّ الهجمات الإمبريالية على المنطقة.

العلاقة مع الإسلاميين من هذا المنطلق تكون في إطار الندّ المقاوم وليس الملتحق، ومن هنا على اليسار، وبشكل أساسي ومباشر، أن يبني جبهة المقاومة الشعبية الثورية تغلّب الصراع الطبقي المقاوم على المنطق القومي والوطني المحدود. اليوم، تدفع طبقة العاملة والطبقات المسحوقة ثمن الحروب وجزية الاحتلال والثمن الباهظ للسياسات الاقتصادية الملتحقة بالنيوليبرالية الأميركية والأوروبية، وهي من يدفع ثمن استسلام الأنظمة، كل الأنظمة، للإمبريالية. هذه المقاومة علينا أن نبنيها في إطار صراع الطبقة العاملة من أجل تحررها من قيود الرأسمالية والإمبريالية بكل أشكالها، السياسية والاقتصادية والأمنية. فالممانعة هنا خيار أشبه بمن ينتظر الناس لتموت كي يبدأ بالبكاء. الآن كما كان سابقاً، لا مجال للممانعة، إما المقاومة أو التخاذل.

اليوم أصبح خيار بناء هذه المقاومة واجباً تاريخياً على اليسار. في تموز 2006، برهن اليسار قدرته على فعل ذلك، وخير مثال كان حملة صامدون التي بنت شبكة تعاضد طبقي وتضامن شعبي تمكّنت من ربح خيار المقاومة لدى أغلبية الشعب ومكّنت المقاومة من الانتصار على العدوان.

لا شرعية في ظل الاحتلال، إلا للمقاومة. ولا تحرير إلا بتحرر الطبقة العاملة ومقاومتها من أجل واقع آخر. شركاؤنا هم شعوب العالم وحركات المقاومة العالمية، لا الأنظمة. فنضالنا نضال عالمي ضد الاستغلال والقمع والفقر ضد الإمبريالية والرأسمالية أينما وجدت.

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *