‫في شهر تشرين الأول/أكتوبر عام 1956، شهدت المجر تشكيل العديد من اللجان الثورية والمجالس العمالية في المدن والمصانع. أعاد العمال/ات المجريون/ات إحياء توجهاتهم لإدارة المصانع والمجتمع بشكل مباشر ‬والتي ظهرت خلال ثورة المجالس العمالية عامي 1918-1919، ومن ثم عامي 1943-1944 إثر نهاية الحرب (1).

‫في شهر تشرين الأول/أكتوبر عام 1956، شهدت المجر تشكيل العديد من اللجان الثورية والمجالس العمالية في المدن والمصانع. أعاد العمال/ات المجريون/ات إحياء توجهاتهم لإدارة المصانع والمجتمع بشكل مباشر ‬والتي ظهرت خلال ثورة المجالس العمالية عامي 1918-1919، ومن ثم عامي 1943-1944 إثر نهاية الحرب (1).

لا يمكن فهم تطور المجالس العمالية عام 1956 إلا ضمن سياق تاريخ الطبقة العاملة المجرية. فقد جرمت الثورة المضادة والنظام المسيحي-الوطني الذي تزعمه ميكلوش هورتي المجالس العمالية خلال عامي 1918-1919، وحظرت الحزب الشيوعي ورفضت، باسم الملكية الخاصة، جميع أشكال الملكية المشتركة. ووضعت الأيديولوجيا الرسمية المسيحية-الوطنية المطالبة بالأراضي التي فقدتها بعد الحرب العالمية الأولى في صلب السياسة الوطنية. وعلى هذا الأساس، أقيم، لاحقا، الحلف مع ألمانيا النازية خلال الحرب العالمية الثانية.

على الرغم من غسيل الدماغ الطويل (حيث بقي هورتي في السلطة حتى عام 1944)، شكلت الطبقة العاملة الصناعية، خاصة العمال/ات المهرة/الماهرات العامود الفقري لحركة عمالية نظمت حوالي مئة ألف عضو/ة، التي ظلت وفية للاشتراكية الديمقراطية (التي بقيت شرعية). ولكن، وفي الوقت عينه، مع وصول النازيين إلى السلطة في ألمانيا، تجذر في المجر ما يعادلهم فضلا عن الأيديولوجيا العنصرية والمعادية للسامية بين العاطلين عن العمل وعلى أطراف الطبقة العاملة. مع نهاية الحرب، وجدت الدعاية السياسية المعادية للحرب الاشتراكية الديمقراطية والشيوعية صدى بين الجماهير العمالية، وفي عام 1945، انتشرت الماركسية والأفكار الاشتراكية ضمن وعي الطبقة المسيسة (ولكن الضعيفة نسبيا) من الطبقة العاملة. 

وظهرت أشكال مختلفة من التنظيم الذاتي بشكل عفوي، الأمر الذي يشير إلى وجود قوى مجدِدة في المجتمع. أعطى تدمير آلة الحرب النازية والإطاحة باليمين المتطرف بواسطة القوات السوفياتية مساحة لليسار المجري وللقوى البرجوازية المناهضة للفاشية الضعيفة. في الوقت عينه، أساء الحزب الشيوعي، بدعم من الاتحاد السوفياتي، لتقاليد الحركة العمالية المجرية وانحاز ميكانيكيا إلى النموذج السوفياتي. وقد زاد ذلك من حدته بدءا من صيف العام 1947 مع الحرب الباردة (2).

أدى التصنيع الإجباري ضمن إطار “اشتراكية الدولة” ووفق النموذج السوفياتي إلى تشكيل بروليتاريا صناعية جديدة ومهمة، المفترض أن تكون الأساس الطبقي للاشتراكية والطبقة الحاكمة الجديدة وفق أيديولوجيا النظام الجديد. في الواقع، “الطبقة الحاكمة” هذه لـ”دولة الطبقة العاملة” تحملت جميع تكاليف التصنيع.

بعد عام 1953، حرر “اجتثاث الستالينية” الذي قامت به، بحياء، قيادة الحزب الشيوعي المجري كل الغضب والسخط. في عام 1956، كانت الروح الثورية تتأجج بشدة.

جذور المجالس العمالية

كما هو الحال في التجارب السابقة (في روسيا عامي 1905 و1917، وفي المجر عامي 1918-1919) ثمة ظرفين غير منفصلين يفسران تجربة المجالس العمالية المجرية عام 1956: الأزمة السياسية الشاملة والبحث عن بديل جديد. كان الأمر يتعلق بتدمير النظام السياسي القديم بواسطة إضراب عام والانطلاق من جديد وإعادة تنظيم الانتاج على أساس جديد. إرادة إعادة تنظيم الانتاج والرقابة العمالية هي أقرب إلى الفكرة القديمة لمجتمعات العمل ولبعض السمات الأناركية الثورية.

وفي وقت كانت المجالس العمالية السابقة تثور ضد الرأسمالية، أرادت مجالس عام 1956 أن تؤشرك الاشتراكية ومعارضة عودة الرأسمالية. ومن جذور تطور المجالس، لم يقتصر الأمر على القمع السياسي والاقتصادي، وانخفاض مستوى المعيشة وانتهاك حقوق الإنسان الأساسية، ولكن أيضا عدم قدرة الجماعات المتنافسة من بين نخبة الحزب الشيوعي، لتبني على الأقل “النموذج البولوني” كحل للأزمة السياسية: في الواقع، انفجر الخلاف داخل قيادة الحزب بين عدة أجنحة ودخلت في صراع فيما بينها، في حين كانت القوات السوفياتية تقف مهددة.

وكان للحالة اليوغسلافية التأثير الأشد على المجالس العمالية، لأنها كانت التجربة المعاصرة الوحيدة للمجالس وأيضا لأن يوغسلافيا استعملت كمرجع. بالنسبة إلى “الإصلاحيين الشيوعيين”، كانت المجالس العمالية حاملة للأمل لأنها تمثل تطلعات العمال/ات لإدارة مصالحهم/ن الخاصة الناجية من النظام البيروقراطي. التاريخ القصير للمجالس العمالية المجرية يظهر أن لاشتراكية الإدارة الذاتية جذورا في وعي قطاعات الطبقة العاملة.

وقد تحررت يوغسلافيا دون مساعدة سوفياتية واستطاعت اختيار طريقها؛ أما المجر، فعلى العكس، كانت وريثة البديل الستاليني لاشتراكية الدولة الذي لم يكن له جذور في السياق المجري. وعلى الرغم من ذلك، فإن القوى الرجعية المرتبطة عام 1956 بالكاردينال ميندسزينتي لم تتجرأ على الإعلان بوضوح عن أهدافها المعادية للاشتراكية وقدمت أفكارا مشوشة حول اقتصاد مختلط.

الرغبة في السيطرة على الدولة والانتاج

الإرث الأهم لمجالس عام 1956 تمثل في التطلعات للرقابة العمالية المباشرة على الدولة والانتاج، والمنظمة من أسفل. وقد تشكل في 31 تشرين الأول/أكتوبر “برلمانا” للمجالس العمالية الذي جمع ممثلين من 24 مؤسسة كبيرة، وتحالفات فلاحية من خمس مقاطعات وبعض مجالس العمال/ات المهنيين/ات. وقد أصدر وثيقة مفصلة حول حقوق ومبادىء عمل المجالس، جاء فيها:

“1. المصانع تعود إلى العمال/ات. العمال/ات يدفعون/ات ضريبة وحصة ثابتة من الأرباح للدولة وفقا لانتاج المؤسسة.

2. هيئة الإدارة العليا هي مجلس العمال/ات المنتخب ديمقراطيا من العمال/ات.

3. ينتخب مجلس العمال/ات لجنة إدارة من 3 إلى 8 أعضاء التي تشكل الجهاز الدائم لمجلس العمال/ات. هذه اللجنة هي أيضا مسؤولة عن مهام أخرى يتم تحديدها.

4. المدير هو عامل في المصنع. يتم انتخاب المدير وغيره من الموظفين/ات الذين/اللواتي يشغلون/ن مواقع المسؤولية من مجلس العمال/ات. يجب على لجنة الإدارة أن تشجع الترشح إلى هذه المناصب.

5. المدير مسؤول أمام مجلس العمال/ات.

6. يمارس مجلس العمال/ات بشكل مباشر المهام التالية: الموافقة على خطط المؤسسة، تحديد الرواتب من الصندوق واستعمالته، تحديد جميع العقود والتحويلات مع الخارج، اتخاذ القرارات المتعلقة بجميع المعاملات الائتمانية.

7. في حال النزاع، يقرر مجلس العمال/ات بداية ونهاية العمل لجميع العمال/ات.

8. يجب أن يوافق مجلس العمال/ات على الحسابات واتخاذ القرارات المتعلقة باستخدام الأرباح تحت تصرف المؤسسة.

9. مجلس العمال/ات مسؤول عن توفير الحماية الاجتماعية لعمال/ات المؤسسة”.

في الأيام الأولى، كان النشاط السياسي للمجالس محليا بشكل أساسي (بغض النظر عن المطالب السياسية العامة: انسحاب القوات السوفياتية، والاستقلال الوطني وانتخابات ديمقراطية). هذا النشاط توسع مع هجوم القوات السوفياتية في 4 تشرين الثاني/نوفمبر. داخل المجالس، تعزز التوجه لتحقيق نظام يجمع بين إدارة عمالية ذاتية والديمقراطية التعددية مع ضمانات دستورية تحمي الأسس الاشتراكية ضد عودة الرأسمالية.

الوزير والمثقف المشهور استفان بيبو في حكومة ايمري ناجي خطط لذلك في 6 تشرين الثاني/نوفمبر. مجلس العمال/ات في بودابست الكبرى، والذي أنشىء في 14 تشرين الثاني/نوفمبر، قام بالأمر عينه. وبحسب وثيقة أصدرها بيبو، بعد انسحاب القوات الروسية التي عادت إلى بودابست يوم 4 تشرين الثاني/نوفمبر، “سيقوم النظام الاجتماعي في المجر على حظر الاستغلال (الاشتراكية)، ما يعني عمليا الحفاظ على الاصلاح الزراعي عام 1945 [الذي حدد حجم الاستغلال]، الحفاظ على تأميم المناجم، والبنوك والصناعات الثقيلة، والملكية الاجتماعية للمصانع الموجودة والمدارة ذاتيا بواسطة العمال/ات، المحافظة على ملكية العمال/ات أو تقاسم الأرباح، إمكانية إنشاء مؤسسات خاصة أو تعاونيات مع ضمانات لمنع الاستغلال”. وكان الهدف أن يتم التصديق على هذه الوثيقة من قبل جمعية تأسيسية، حيث لعبت المجالس داخلها دورا حاسما.

القيادات النقابية التي دعمت حكومة جانوس كادار التي تشكلت بدعم مباشر من الروس، سلمت اقتراحا مماثلا إلى ما يسمى بـ”الحكومة الثورية للعمال والفلاحين”، وقد أوصت فيه إنشاء برلمان من مجلسين يضم، إلى جانب المجلس التقليدي، مجلس المنتجين من المجتمعات العاملة. وأن تكون مهمته الأولى “السيطرة على الانتاج والتوزيع. وهكذا، يحدد المنتجون مباشرة كيف يمكن للدولة استعمال عائداتهم وكيف يتم تخصيص الموارد. بما خص الشؤون السياسة، يجب أن يكون لمجلس المنتجين حقوق موسعة يقترحها على مجلس النواب.

بعد 4 تشرين الثاني، واصل كادار المفاوضات مع الممثلين من المجالس العمالية لمدة أسابيع، ولم يكن ذلك فقط لأسباب تكتيكية. وتشير وثائق عديدة من تلك الفترة الزمنية، في الواقع، إلى رغبة السلطة في دمج المجالس ضمن نظام إدارة محدث. وقد جرى منح المجالس صلاحيات كبيرة في عملية الانتاج. وكانت موسكو قد سمحت بتلك المفاوضات.

وفق هذا المنظور، فإن التقدم في المفاوضات بين حكومة كادار والمجلس العمالي لأكبر مؤسسة في البلد (تضم 30500 عامل في 18 مصنعا للشركة التعدينية Csepel) كان واضحا. رغم أن المجالس في تلك المؤسسة (أي شبكة المجالس العمالية في كل المصانع، التي تتضمن حوالي 700 عضو، ويشغلون العضوية طوعا ودون أي بدل مالي) قد أعلنت أنها لن تعترف بحكومة كادار وتتمنى عودة إيمري ناج إلى منصب رئاسة الحكومة، وأصروا كأساس للتفاوض أن تعلن الحكومة في الصحف والراديو أنها تنوي الاعتماد على المجالس العمالية والتأكيد على حقوقهم. وقد تم تلبية هذا الشرط على الورق عبر إصدار مرسوم يوم 14 تشرين الثاني/نوفمبر. وقد أعطى هذا النص حقوق واسعة للمجالس ضمن المؤسسات.

السقوط

ويمكن هنا استعادة كلمات ممثلي مجلس عمال/ات Csepel، كان هناك حالة من “ازدواجية السلطة”. ولكن، وبطبيعة الحال، لا يمكن لذلك أن يستمر. في 22 تشرين الثاني، صدر قرارا من رئاسة المجالس العمالية يعطيها سلطة واسعة في التنسيق والتخطيط المركزي والمحلي وإدارة الأعمال. حول هذه النقطة، كانت الحكومة مستعدة لتقديم تنازلات للمجالس. ولكن، في الواقع، الأسئلة الأساسية لم تجد أجوبة لها سوى على الساحة السياسية.

لم يوافق مجلس عمال/ات بودابست الكبرى، أو المجالس العمالية بشكل عام المحاولات الحكومية التي تحصر المؤسسات العمالية بالإدارة الاقتصادية. وقد أعلن جانوس كادار أنه على المجالس العمالية إدارة المؤسسات ولكن دون أن تهتم بالسياسة. توطيد سلطة كادار ضاءل تدريجيا من دور المجالس، العالقة بين الوزارات وكوادر الشركات (وأحيانا خاضعة للدوائر الحكومية).

وقد نظم مجلس عمال/ات بودابست الكبرى، لضمان سلطته، إضرابات اعتبرتها حكومة كادار (والقادة السوفيات من خلفها) غير محتملة. الحزب الشيوعي، والذي أعيد تنظيمه تحت اسم الحزب الاشتراكي لعمال المجر، تعزز بشكل تدريجي داخل المؤسسات. في 9 كانون الأول/ديسمبر، حظرت الحكومة المجالس العمالية الإقليمية وقد اعتقل قادتها. في 11 كانون الأول/ديسمبر، اعتقل القيادي في المجلس المركزي للعمال/ات، ساندور راسز، وردا على الإضرابات والمظاهرات زادت الحكومة من منسوب القمع.

ميزان القوى أدى إلى حالة من المواجهة في نهايتها اختفى من الأفق أي إمكانية لتجديد تنظيم السلطة لاشتراكية مع تعدد الأحزاب. وحتى اليوم الأخير، استمرت المجالس العمالية في التأكيد، سواء بمواجهة الحكومة أو أولئك الذين طمحوا بعودة البرجوازية، على أن “المصانع والأرض هي للشعب ولن نسلمها لأي شخص”. منطق الصراع على السلطة (ورفض السوفيات التسامح مع حالة “يوغسلافية ثانية”) أدت إلى إحلال “اشتراكية الدولة”، ونظام الحزب الواحد، وتدمير التطلعات العفوية التي وضعت موضع التطبيق أشكالا جديدة من الاشتراكية وحتى سمحت للمجالس العمالية المجرية بدور محدود نسبة لنظرائهم في يوغسلافيا.

تبين التجربة المجرية أن المجالس العمالية كانت قادرة على إدارة الانتاج والبدء في بناء نظام اشتراكي قائم على الإدارة الذاتية. ولكن التجارب المحلية لا يمكن أن تستمر لوقت طويل في السياق السياسي لتلك الحقبة. وينبغي التأكيد على أن تجربة المجالس العمالية قد رفضها كل من نظام الحزب الواحد ونظام التعددية الحزبية الذي أقيم في نهاية الثمانينات. النخب الحاكمة التي احتفلت في الذكرى الخمسين لانتفاضة تشرين الأول/أكتوبر رفضت أن تأخذ بعين الاعتبار تراث المجالس كما زورت الطابع الاشتراكي الحق لما جرى خلال عام 1956.

الهوامش: 

(1) نشر هذا النص في الأصل عام 2014 في المجر. وقد أجريت عليه بعض التعديلات ولم تنشر الهوامش، العناوين الداخلية هي من خيار مجلة “المناهض للرأسمالية”.

(2) كان الحزب الشيوعي أقلية (نال 17 بالمئة من الأصوات في انتخابات 1945، وحتى عندما احتل الصدارة عندما نال 22 بالمئة من الأصوات عام 1947) ولكن كان يمكن أن يعول على دعم السوفيات، الذين أفهموا بقية الأحزاب أنهم بعيدين عن مسألة الحكم من دون الشيوعيين. لتعزيز سلطته، طبق الحزب الشيوعي ما سماه زعيمه ماتياش راكوشي “تكتيك سلامي”: البدء بالمطالب المحدودة، ومن ثم القيام بتلك الأكثر أهمية. في نهاية عام 1948، كان الحزب الشيوعي يتحكم تحكما كاملا بالدولة: اختفت الأحزاب البرجوازية والفلاحية، والحزب الاشتراكي الديمقراطي أرغم على الاندماج في الحزب الشيوعي والمجموعات الشيوعية المنشقة فقد أرغمت على الرضوخ (الملاحظة من مجلة “المناهض للرأسمالية”).

* نشر النص باللغة الفرنسية في العدد 75 من المجلة الشهرية “المناهض للرأسمالية” التي يصدرها الحزب الجديد المناهض للرأسمالية بتاريخ (نيسان/ابريل 2016) 

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *