في خضمّ تواتر أحداث وأخبار حزينة هذه الايام تهلّ علينا بشائر الأمل والنصر من اليونان. فقد فاز حزب سيريزا، الحزب اليساري العمالي، في الانتخابات التشريعية السابقة لأوانها؛ حيث حصد أكثر من 36 بالمائة من أصوات الناخبين اليوناني، وهي نتيجة ستمكّنه من حكم اليونان وتنفيذ برنامجه المعادي لسياسات التقشف التي عانى منها اليونانيون كثيرا طيلة ما يقارب عقدا من الزمان.

في خضمّ تواتر أحداث وأخبار حزينة هذه الايام تهلّ علينا بشائر الأمل والنصر من اليونان. فقد فاز حزب سيريزا، الحزب اليساري العمالي، في الانتخابات التشريعية السابقة لأوانها؛ حيث حصد أكثر من 36 بالمائة من أصوات الناخبين اليوناني، وهي نتيجة ستمكّنه من حكم اليونان وتنفيذ برنامجه المعادي لسياسات التقشف التي عانى منها اليونانيون كثيرا طيلة ما يقارب عقدا من الزمان.

هذا الانتصار هو حدث تاريخي بكل المقاييس. ففضلا عن انتصار إرادة الشعب اليوناني وطليعته المناضلة ضد الترويكا (صندوق النقد الدولي والبنك المركزي الاوروبي والاتحاد الاوروبي بقيادة حكومة ألمانيا الليبرالية خصوصا) والاحزاب اليونانية اليمينية، يأتي انتصار سريزا بعد هزائم متتالية للقوى اليسارية والعمالية في أوروبا. انتصر حزب سريزا رغم المناورات الكثيرة ضد وصوله للسلطة، إذ صرحت لرئيسة صندوق النقد الدولي، كريستين لاغارد، بأنّ ” صندوق النقد جمّد قسط التمويل المخصص للإنقاذ” وأنّ خيار الذهاب الى انتخابات مبكرة من شأنه أن يعطل مسار الاصلاح والإنقاذ. وصرحت المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، “أنّه في صورة انتصار سيريزا فإنّ اليونان ستخرج من منطقة اليورو” في إشارة إلى أن الاتحاد الأوروبي سيواصل ضغوطه على الحكومة اليسارية الجديدة في اليونان.

ما كان لهذا الانتصار أن يتحقق لولا وضوح الخط السياسي لسيريزا منذ نشأته والذي أكّد عليه في حملته الانتخابية وهو معارضة سياسة التقشف ومختلف الاجراءات والشروط الليبرالية المملاة من الترويكا. وقدّم سريزا للشعب اليوناني، الذي أنهكته السياسات الليبرالية، برنامجا بديلا يرتكز على الدفاع عن السيادة الشعبية والوطنية ومقاومة ديكتاتورية المديونية (سبق أن كان لسيريزا حضورا مميزا في الملتقى المتوسطي لمقاومة ديكتاتورية المديونية الذي نظمته الجبهة الشعبية بتونس في مارس 2013) وتقديم إجراءات اقتصادية واجتماعية عاجلة للفئات الشعبية المنهكة التي كانت أبرز ضحايا سياسة التقشف طيلة حوالي 6 سنوات.

لا شكّ أنّ أهمية هذا الانتصار وثماره تتجاوز حدود اليونان، إذ لأوّل مرة يصل حزب معاد للرأسمالية إلى السلطة في أوروبا الغربية، مهد الرأسمالية ومعقلها وهو ما الأمر الذي سيؤثر بشكل أكيد على عموم المنطقة بدءا بإسبانيا التي تشير فيها استطلاعات الرأي إلى تقدم واضح لحزب بوديموس Podemos في الانتخابات المبرمجة في سنة 2016. إنّ هذا الانتصار السياسي وتنفيذ البرنامج البديل سيتجاوز تأثيره جنوب أوروبا وقد يمثّل بداية منعطف تاريخي عموم المنطقة كما يحصل في جنوب القارة الأميركية.

إنّ انتصار سيريزا اليوم لدرس سياسي بليغ ومهم جدا لكل القوى والأحزاب العمالية والثورية وخصوصا للجبهة الشعبية في تونس. فلقد كان تأسيس حزب سريزا رفضا وتجاوزا لخيانة الاشتراكية الديمقراطية وخيبات الأحزاب الشيوعية التقليدية ليكون في طوره الأول جبهة سياسية جمعت مجموعة من الأحزاب اليسارية ليتحول لاحقا (سنة 2012) إلى حزب موحّد. وفضلا عن الدرس التنظيمي الذي وجب على كل رفاقنا في الجبهة الشعبية الاستفادة منه يقدّم لنا انتصار سريزا درسا آخر وهو وضوح الرؤية السياسية وتماسك الموقف وعدم التردد في معارضة سياسة التقشف ومعاداة وصفات المؤسسات المالية الدولية والاقليمية المسمومة.

على رفاقنا في اليسار التونسي أن يستفيدوا من هذه التجربة الملهمة وأن يتجاوزوا التردد السياسي والخلافات الايديولوجية و”الفئوية” ببناء اطار تنظيمي متين ومتجذر في الحركة الشعبية ومتسلح ببرنامج يقطع بوضوح مع سياسة التقشف ووصاية الدائنين ومستند إلى السيادة الشعبية. علينا أن نبرهن لشعبنا بوضوح أنّه هناك طريق آخر ممكن وأنّه من العاجل والضروري أن نبدأ السير فيه فورا.

إنّ الدرس اليوناني المقدم من سيريزا، بالإضافة إلى درس انتفاضة 17 ديسمبر – 14 جانفي، هو أنّه طالما أنّ الحركة الثورية والانتفاضة الشعبية تفتقد إلى اطار سياسي وتنظيمي قوي فإنّ الطريق تبقى مفتوحة أمام الثورة المضادة وهو ما نحن بصدده في السنوات الأخيرة.

إنّ النضالات لا تفشل إلاّ حين نرفض خوضها بالطريقة التي يجب أن تخاض بها..!

تونس، 26 كانون الثاني/يناير/جانفي 2015

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *