لم يكن مفاجئاً عدم إقرار سلسلة الرواتب في اللجان النيابية أمس، إذ أكدت القوى السياسية ما هو مؤكد: رضوخها لمصالح تجمع أصحاب الرساميل. ما جرى امس في اللجان النيابية المشتركة فتح باب الاحتمالات على إعادة تجديد الصراع المفتوح مع المعلمين والموظفين، إذ حسمت هيئة التنسيق النقابية خيار المواجهة مجدداً

لم يكن مفاجئاً عدم إقرار سلسلة الرواتب في اللجان النيابية أمس، إذ أكدت القوى السياسية ما هو مؤكد: رضوخها لمصالح تجمع أصحاب الرساميل. ما جرى امس في اللجان النيابية المشتركة فتح باب الاحتمالات على إعادة تجديد الصراع المفتوح مع المعلمين والموظفين، إذ حسمت هيئة التنسيق النقابية خيار المواجهة مجدداً

فتحت جلسة اللجان النيابية المشتركة أمس جولة جديدة من جولات الصراع المفتوح منذ 2011 بشأن تصحيح الأجور وإقرار سلسلة الرتب والرواتب للقطاع العام. فمنذ اللحظات الأولى لانطلاقة أعمال الجلسة، خرج نواب ووزراء ليقطعوا الشك باليقين، وباشروا الحديث عن صعوبة إقرار مشروع السلسلة منذ الاجتماع الأول، وأنّ الأمر يحتاج إلى وقت ليس بقصير «فالقصة كبيرة وتقرر مصير اقتصاد البلد ولا يمكن إنهاؤها في ساعات قليلة».

وزير التربية الياس بو صعب قال إنّ «أجواء الجلسة منذ البداية لم تعكس نية بإنهاء الموضوع، بدليل أنه جرى تأجيل الحديث عن مطالبتنا باعتماد الخيار الأول في تقرير اللجنة النيابية، المتعلق بالحقوق المكتسبة إلى نهاية الجلسة، وانسحب عدد من النواب عندما وصل الأمر إلى قبول الحقوق أو رفضها». وكان صادماً أن تكتشف وزارة المال بعد خمسة أشهر من البحث في المشروع أن كلفة السلسلة هي أكثر بـ 500 مليار ليرة لبنانية مما هو وارد في تقرير اللجنة الفرعية، علماً بأن الوزارة هي التي زودت اللجنة الأرقام والدراسات، ما قد يكون ذريعة لعرقلة المشروع.

هكذا ظهر المجلس النيابي الممدد لنفسه يسيّر أعماله تحت ضغط تجمّع أصحاب الرساميل، الذي ثبت مجدداً أنّه هو السلطة، وليس بنية احد في القيادة السياسية كسر إرادته ونفوذه. استجاب نواب الأمة، ممثلو الشعب، لاستنفار «الهيئات الاقتصادية» في اليومين الأخيرين، وراحوا يستعيرون عباراتهم لجهة أنّ مشروع السلسلة يهدّ الاقتصاد، وأنّ وضع البلد أهم منّا ومن السلسلة، مع أنّ هؤلاء أنفسهم قالوا إنهم أتوا ليصوتوا ربما تصويتاً سياسياً و«شعبوياً» مع مشروع قانون السلسلة وحقوق الناس. نواب آخرون أكدوا أن «الملف مفصلي، وليس بالبساطة التي يتوقعها الموظفون، ويجب دراسة الواردات لتمويل السلسلة بتأنٍ ودقة، وخصوصاً أنّه يبدو لنا أنّ مشروع البنود الضريبية لا يتضمن أرقاماً دقيقة وموثقة، وهو مجرد توقعات خيالية»، وهؤلاء كانوا من كل الكتل النيابية. بعض الأصوات اعترضت على عدم حضور ممثلين عن مصرف لبنان في الجلسة، بما أن الأخير سجّل موقفاً لجهة الانعكاسات السلبية للمشروع على الاقتصاد. بعضهم الآخر كان أكثر وضوحاً، فذهب إلى حد الموافقة على طلب أصحاب الرساميل استرداد الحكومة للمشروع. وبدا نواب حزب الله والتيار الوطني الحر أكثر المدافعين عن المشروعين: السلسلة وتمويلها، والأكثر حماسة لإقرارهما. وبالنسبة إلى الحديث عن أنّ الإيرادات المتوقعة مجرد تقديرات، قالوا إنّ الموازنة العامة تكون عادة عبارة عن تقديرات، شرط ألّا تكون الفروق بين الواقع والمقدّر كبيرة.

أما النائب إبراهيم كنعان فبدا واثقاً بالمشروع الذي أعدته اللجنة النيابية الفرعية، وأجاب لدى سؤاله عند دخوله قاعة المجلس عما إذا كانت هناك نية لاسترداد المشروع «عيب بعد كل هذا الشغل؟». وبعد الجلسة التي استمرت نحو 3 ساعات، قال إنّ «الجو كان إيجابيا، وما طرح هو تقرير اللجنة الفرعية الذي يشرح المداولات باختصار»، وأضاف «فتحنا باب المناقشة حول المشروع برمته، ودخلنا إلى المواد القانونية».

وأوضح انه «لم تُرفع الجلسة من أجل موضوع النصاب فقط، بل توصلنا إلى اعتبار أن السلسلة مبدأ متوافق عليه مع بعض التعديلات التي قد تحصل».

وزير المال علي حسن خليل رأى أن «ما حصل اليوم في جلسة اللجان النيابية المشتركة هو خلاصة عمل طويل للجنة الفرعية، تتطابق مع رؤيتنا في الوزارة». ووصف النقاش داخل الجلسة بالمسؤول والجدي، مشدداً على «ضرورة الحفاظ على التوازن الذي لا يضرب الاستقرار المالي والاقتصادي في البلد».

المفارقة الأكثر غرابةً أن تكون هيئة التنسيق النقابية مراهنة حتى اللحظة الأخيرة على الحس الوطني للنواب، وأن تصاب بخيبة أمل عبر عنها قادتها بعيد انتهاء أعمال اللجان المشتركة. أليست هي من تقاعست عن قيادة مشروع يتجاوز المطلب الإجرائي، بإحالة السلسلة على المجلس النيابي، وقررت إيقاف تحركاتها بمجرد تحقيق هذا المطلب، ولم تنخرط جدياً في حملة لإصلاح النظام الضريبي في الوقت ـ الذروة، الذي كان فيه الجزء الأكبر من مكونات المجتمع اللبناني متعاطفاً مع حركتها، التي تجاوزت الاصطفاف السياسي والطائفي؟ ماذا عن قواعدها من المعلمين والموظفين، هل هي مستعدة لإكمال المعركة؟

يوافق عضو الهيئة رئيس رابطة أساتذة التعليم الثانوي الرسمي حنا غريب على أنّ «هيئة التنسيق تتحمل مسؤولية عدم رفع سقف المطالب»، وإن كان يبرر ذلك بالظروف الأمنية، وبالفراغ في مؤسسات الدولة، سائلاً: «في وجه من كنا سنتحرك؟»، لكن غريب يؤكد أنّ قواعد الهيئة الآن مستعدة، وأكثر من أي وقت مضى للنزول إلى الشارع، وقد فُوضت بعض الروابط باتخاذ كل الأشكال التصعيدية التي تراها مناسبة، إذا استمرت سياسة المماطلة والتسويف في عدم إقرار السلسلة. وتعقد الهيئة عند الواحدة من بعد ظهر اليوم اجتماعاً استثنائياً، لاتخاذ الموقف المناسب، في ضوء نتائج جلسة اللجان المشتركة. وحمّل بعض القادة كل نائب يتذرع بموضوع الواردات بأنّه يقف ضد الحقوق، متمنين على رئيس مجلس النواب نبيه بري وضع مشروع السلسلة على جدول أعمال الهيئة العامة للمجلس من دون إمرارها عبر اللجان المشتركة.

المصدر: الأخبار

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *