لم يكن اليسار في سوريا أميناً لخط ونهج الحركة الشيوعية التقليدية الذي ساد منذ نهاية عشرينيات القرن الماضي مثلما هو اليوم. كما لم يكن منسجماً مع اليسار العالمي، حتى ذلك الذي نشأ بعد سقوط الاتحاد السوفياتي وتفكك المنظومة الاشتراكية، كما هو اليوم، ولاسيما بما خص موقفه من الثورة السورية.

لم يكن اليسار في سوريا أميناً لخط ونهج الحركة الشيوعية التقليدية الذي ساد منذ نهاية عشرينيات القرن الماضي مثلما هو اليوم. كما لم يكن منسجماً مع اليسار العالمي، حتى ذلك الذي نشأ بعد سقوط الاتحاد السوفياتي وتفكك المنظومة الاشتراكية، كما هو اليوم، ولاسيما بما خص موقفه من الثورة السورية.

فعلى مدى قرن تقريباً كانت تتحدد صحة خط حزب يساري تقليدي ونهجه بموقفه وسياسته المعادية للامبريالية بشكل أساسي. على مدى قرن تقريباً، هناك خندقان، خندق الامبريالية والخندق المعادي للامبريالية. وعلى اليسار أن يكون في الخندق المعادي للإمبريالية وصديقاً للواقفين بجانبه، بغض النظر عن طبيعة هؤلاء الأصدقاء، من حكام ديكتاتوريين وفاسدين ولصوص وقامعين لشعوبهم، وحتى قامعي قوى ثورية وشيوعية في بلدانهم. هكذا تم الوقوف إلى جانب سلطات وحركات من أصول برجوازية صغيرة، في أفريقيا وآسيا، باعتبارها حليفةً، في الخندق المعادي للإمبريالية.

في بداية الثمانينيات من القرن الماضي، وفي خضم الصراع بين النظام والقوى الاسلامية المسلحة، خرج تقرير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوري، قائلاً: “لو أن الحزب حدد موقفه من النظام وفقاً للسياسة الداخلية التي ينتهجها النظام، لكان الحزب في المعارضة”. طبعاً كان الحزب يشير إلى السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي  بدأت تتوضح منذ أواخر السبعينيات، لصالح فئة من البورجوازية التقليدية وشركائهم من برجوازية الدولة البيروقراطية. اللافت للنظر أن الملاحظة التي يوردها التقرير عن هذه التحولات لا تشير الى  أسوأ ما يميز النظام، وهو الديكتاتورية، وغياب أي هوامش ديمقراطية واحترام لحقوق الانسان، فضلاً عن السمة الطائفية للنظام، وتفتيت البنية المجتمعية، وتمزيق النسيج الأهلي للمجتمع السوري. فالديمقراطية واحترام حقوق الانسان ليسا ضمن أجندة هذا اليسار.

وتجري اليوم عند بعض من يعتبرون أنفسهم من اليسار وغيروا مواقفهم، وخرجوا عن الخط التقليدي لليسار المشار إليه أعلاه، ووقفوا إلى جانب الثورة، مراجعةٌ ظريفة تتمثل بالقول إن النظام ليس معادياً للامبريالية، وليس نظاماً ممانعاً. والسؤال لهؤلاء: لو كان النظام معادياً للامبريالية وممانعاً، من دون أي تغيير في بنيته الحالية، هل يتوجب الانضمام للثورة والسعي من أجل إسقاطه؟؟؟

في ضرورة الثورة ولحظتها

ساد فهم عند الكثير من اليساريين يقول: إن كنت ثورياً فاصنع ثورة. والمقصود ليس الناشط الثوري وإنما حزب الثورة، الحزب اليساري ذو القيادة الثورية والبرنامج الثوري. هذه الرؤية كانت تستلهم تجربة الثورة البلشفية وحزب لينين. وعلى الرغم من صحة هذه المقولة من حيث الجوهر إلا أنها أربكت العديد من اليساريين، ولا سيما أولئك الذين تربوا في المدرسة التقليدية لليسار. فكثيراً ما تسأل أولئك إبّان الثورات العربية: أين الحزب الثوري؟ أين البرنامج الثوري؟

الثورة لا تأتي إلا بعد أن تقتنع أغلبية الشعب أن هناك استعصاء في التطور والتقدم من أجل حل المشاكل الأساسية، التي تجثم على كاهلهم، وعلى كل المستويات؛ وتأتي قضية الحرية في مقدمة هذه القضايا والمشاكل. لا تأتي الثورة إلا عندما يصبح حتى الإصلاح قضية مستحيلة. هذه اللحظة من التاريخ التي ينطلق فيها الشعب لاقتحام السماء، على حد تعبير ماركس، لحظة الثورة. وعلى الثوري أن ينخرط فيها، بغض النظر عن النتائج التي تفضي اليها، وشكل الحكم الذي يمكن أن يكون من نتائجها. لأنه لا يوجد أسوأ من بقاء القديم الذي كان سبباً في الاستعصاء. الثورة بإسقاطها النظام القديم تكسر هذا الاستعصاء، ولكنها لا تحقق كامل أحلام الثائرين، وإنما تفتح الطريق من خلال إصلاحات متتالية لتحقيق هذه الأحلام. وفي اللحظة التي يعجز فيها النظام الجديد عن تقديم الاصلاحات، يكون قد أوصل المجتمع إلى لحظة الاستعصاء مجدداً، أي الثورة. وهي عملية سترافق المجتمعات البشرية ما دامت موجودة، بغض النظر عن طبيعة النظام الذي يحكمها. 

في ظل نظام قادر على تقديم الإصلاحات المتتالية، مهما كانت بسيطة، وفيما أكثرية من الشعب ما زالت تأمل أن تكون هذه الإصلاحات قادرة على تحسين حياتها، لا مكان للثورة عليه. هنا يجدر الانتباه إلى أن ما كان للعامل الذاتي من دور، في صنع الثورة، في بداية القرن العشرين، لم يعد كما هو، في بداية القرن الواحد والعشرين. ان طبيعة وثقافة مجتمعات القرن الواحد والعشرين تختلف اختلافاً جذرياً عن ذلك في مجتمعات القرن العشرين، وحتى في تلك البلدان الأكثر تخلفاً.

صعود اليسار

جاء صعود اليسار في أميركا اللاتينية، مع نهاية قرن وبداية قرن جديد، بعكس التيار العالمي. ففي الوقت الذي كانت تنهار فيه أنظمة وتتفكك منظومات ودول كانت محسوبة على اليسار، وتتراجع أحزاب يسارية، ويتحول رعيل من اليساريين نحو الليبرالية، سيطر اليسار في أميركا اللاتينية على عدة دول. وقد اعتقد بعض اليساريين أن موجة جديدة من صعود اليسار على الصعيد العالمي قادمة، ولا سيما في دول الاطراف (١). ولكن قوة وسطوة المراكز الامبريالية جعلتا اليسار، حتى في أميركا اللاتينية، يتعثر، على الرغم مما قدّمه من إنجازات لشعوب تلك البلدان. ويجبر على الانكفاء، يوماً بعد يوم.

لم تعرف ساحة في العالم هيمنة لليسار التقليدي مثلما عرفت الساحة السورية. فعلى مدى أكثر من نصف قرن لم تعرف الساحة السورية تيارات سياسية يسارية غير التيار التقليدي. لا ماوية، ولا تروتسكية، ولا حتى انشقاق ذو قيمة من اليسار التقليدي، قبل منتصف السبعينيات من القرن الماضي.

ثم جاء الانشقاق في الحزب الشيوعي السوري، في بداية السبعينيات، مخيباً لآمال جيل من الشباب كان يبحث عن أجوبة عن الهزيمة التي منيت بها الأنظمة العربية في حرب 67. من هذه الأجواء ولدت رابطة العمل الشيوعي عام 1976، وهي التي أصبح اسمها فيما بعد حزب العمل الشيوعي. كان حزب العمل الشيوعي أول تيار سياسي يساري يظهر في سوريا، من خارج الخط التقليدي لليسار. كانت الولادة في ظروف غير مؤاتية، فمن جهة، كانت الموجة اليسارية التي بدأت في أواخر الخمسينيات، مع انتصار الثورة الكوبية (ثم تواصلت مع ثورة الـ68 الطلابية، واستشهاد تشي غيفارا)، كانت على مقربة من نهايتها، والديكتاتوريات احتلت الخارطة السياسية على مساحة واسعة من العالم (أكثر من 100 بلد باتت تحكمها أنظمة ديكتاتورية، سواء في أميركا اللاتينية والوسطى، أو في أفريقيا وآسيا وأوروبا)، وكانت المهمة الرئيسية التي تنطحت لها هي القضاء على منظمات اليسار. أما على الصعيد المحلي، فإن دخول النظام إلى لبنان عام 76 لاحتواء المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية، وما رافقه من رفض شعبي واسع في سوريا لم يعهده النظام منذ استيلائه على السلطة، في انقلاب تشرين الثاني/نوفمبر 1970، جعله يشدد من قمعه لأي حراك سياسي معارض. وكان حزب العمل الهدف الرئيسي للنظام في الملاحقة والاعتقال الطويل، خلال ما يقارب العقدين من السنوات.

وفي بداية الثمانينيات، استغل النظام الصراع مع الحركة الدينية المسلحة، وانتصاره عليها، لاجتثاث كل حراك سياسي أو صوت معارض، وخلق جواً من الإرهاب والخوف استمر حتى انطلاقة الثورة (٢).

في ظل صراع مسلح يجمع بين الحرب الأهلية والصراع الطائفي وحرب نظام ضد الشعب وصراعات إقليمية ودولية، لا أعتقد أن هناك فرصة لتيار يساري أن يكون فاعلاً، على الأقل في المدى المنظور. فالنشاط السياسي حتى بالحدود الديمقراطية يعاني القمع والملاحقة، في المناطق “المحررة”، بنفس الدرجة التي يعانيها، في مناطق سيطرة النظام. وفي ظل هذه الظروف التي تعيشها سوريا ويمر بها اليسار، تبقى المهمة الراهنة والمركزية لليسار هي إسقاط النظام وبناء دولة ديمقراطية حديثة. هذه المهمة باعتقادي ستستغرق عمل اليسار لسنوات طويلة. ولكن من دون تحقيق هذا الهدف (بناء دولة ديمقراطية حديثة)، يظل هذا اليسار (وبرامجه) يقاتل طواحين الهواء.

30/11/2013

هوامش:

(١) في ندوة عام 2005 في بروكسل جمعتني بصاحب كتاب المال ضد الشعوب (إيريك توسان)، كان متفائلاً بأن هذا الصعود سيكون له أثر في الوضع العالمي، في الوقت الذي أعربت فيه عن أن صعود اليسار، في المراكز الرأسمالية، هو وحده القادر على التأثير.

(٢) استطاع النظام في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي تحطيم كل القوى المعارضة، وبالتالي فإن جيلين من السوريين قد عبرا إلى القرن الجديد صحراء خالية من أي حراك او طيف سياسي معارض. لم يجدا أمامهما أي قوى سياسية دينية أو ديمقراطية أو يسارية مع ماكينة النظام الطائفية، كل هذه العوامل خلقت وعياً مشوهاً لدى المجتمع، فتقوقع في أقليات وأكثريات.

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *