في مثل هذه الأيام، خرج الآلاف من المصريين للاحتجاج على نظام مبارك. مظاهرات سرعان ما تحوّلت إلى مدٍّ بشري ترافق مع إضراب عمالي سرّع في رحيل الرئيس. وإذا كان المجلس العسكري كثف من الأخطاء لدرجة أن رحيله كان سريعاً، فإن جماعة الإخوان المسلمين التي توّلت السلطة خلال فترة وجيزة سقطت في التجربة نفسها لتطبيقها السياسات النيوليبرالية ذاتها، وتحت أقدام الشعب الذي خرج مجدداً لاستكمال ثورته. إلى أن جاء عبد الفتاح السيسي الذي يؤسس، بتؤدة صاخبة، أسس حكمه المقبل.

في مثل هذه الأيام، خرج الآلاف من المصريين للاحتجاج على نظام مبارك. مظاهرات سرعان ما تحوّلت إلى مدٍّ بشري ترافق مع إضراب عمالي سرّع في رحيل الرئيس. وإذا كان المجلس العسكري كثف من الأخطاء لدرجة أن رحيله كان سريعاً، فإن جماعة الإخوان المسلمين التي توّلت السلطة خلال فترة وجيزة سقطت في التجربة نفسها لتطبيقها السياسات النيوليبرالية ذاتها، وتحت أقدام الشعب الذي خرج مجدداً لاستكمال ثورته. إلى أن جاء عبد الفتاح السيسي الذي يؤسس، بتؤدة صاخبة، أسس حكمه المقبل.

بكلّ حال، هذه الصورة الوجيزة للسيرورة الثورية التي تعيشها مصر، لا تختصر بكل تأكيد الثورة، وفي الوقت نفسه، أكد الحراك الثوري أنه، وبفعل التغيرات العميقة والسريعة، لا يمكن اختزاله بشخص. فإذا كانت السلطة الحالية تؤسس لحكم تظنّه سيمتدّ إلى سنوات قادمة، طويلة كما تأمل، فإنّ التحدي الأساسي أمام هذه السيرورة هو في استمرارها.

بالطبع، استمرار الثورة لن يتمّ، من خلف مكتب أو عبر التمنيات والآمال، إنما التغيير، يطرح نفسه كفعلٍ شعبي يواجه السلطة بكل أشكالها، ضد فلول نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك، وضد أعمال العسكر، وبمواجهة الإخوان الذين خانوا الثورة ما إن وصلوا إلى سدّة الحكم.

بأي حال تقدم السلطة الحالية ما يكفي للثورة عليها من جديد. إذ تسارع إلى التشبث بالسلطة، حتى تسعد بها وتمارسها، والفعل هذا لا ينمّ عن عفوية سلطوية أو حتى عن غباء سياسي، إنما هو النهج الذي اعتمدته، وتعتمده، السلطة لترسيخ أسس حكمها. وكانت الثورة رفعت منذ بدايتها شعار “خبز، حرية، عدالة اجتماعية”، هذا الشعار- البرنامج البسيط في كلماته، والعميق في دلالاته، يُقَدِّم المقياس الشعبي لمدى احترام أي سلطة قد تُمسِك بالحكم له.

وإذا كانت السلطة قد فازت في الاستفتاء على التعديلات الدستورية، الأمر الذي عدّته انتصاراً على معارضيها، وعلى رأسهم الإخوان المسلمين، فإنها ضمن سياق حكمها سارعت، ومنذ اللحظة الأولى لخطفها الحراك الثوري، إلى ضرب هذا الشعار، مستخدمةً الوجه القمعي في فرض السيطرة على الشارع. إذ تساقط المئات من الشهداء على يد القوى الأمنية في اعتصامات متعددة سواء خلال فض اعتصام رابعة أو داخل الجامعات. 

والسؤال الأساسي، الذي يطرح نفسه هنا، ما هي الحريات التي يتغنّى بها أركان هذا النظام حين يقولون إنهم يكملون “مسار الثورة”، هل يكمن ذلك في قانون الحد من حرية التظاهر؟، أم من خلال استمرار الاعتقالات؟، والأحكام القضائية التعسفية؟ أم في استمرار الفحوصات المهبلية والتحرّش الجنسي بحق المعتقلات داخل أقسام الشرطة؟ أو في استهداف اللاجئين السوريين والفلسطينيين الهاربين من حرب النظام السوري على الشعب الثائر في سوريا؟

السلطة المصرية انتقدت تقرير منظمة العفو الدولية السنوي حول مصر، الذي صدر الخميس الماضي، على لسان مساعد وزير الخارجية لشؤون الهيئات الدولية والأمن الدولي، السفير بدر مساعد، الذي اعتبره “غير متوازن وغير دقيق” فضلاً عن أنه “يجافي الواقع”. ويضيف مساعد أن المنظمة تعاني من ضعف “في فهم الواقع الوطني” خاصة في ظل مكافحة حكومته لما سماه “الإرهاب”. تقرير منظمة العفو ليس يتيماً إذ سبقه آخر أصدرته منظمات حقوقية ونسوية مصرية، في بداية شهر كانون الثاني/يناير، بعنوان “أذرع الظلم” أشارت فيه إلى أن أوضاع حقوق الإنسان تتردّى بشكل متواصل. تقرير الجمعيات المصرية تحدّث عن مقتل 2665 شخصاً خلال عهد السيسي/عدلي منصور، في حين وثقت منظمة العفو الدولية مقتل 1400 شخص منذ 3 تموز/يوليو عام 2013.

أياً يكن من أمر، تتذرع السلطة الحالية بـ”محاربة الإرهاب”، لكن أجهزتها الأمنية لم تتدّخل حين أحرق مجهولون وإسلاميون 43 كنيسة. حتى أنّ عمرو موسى سوّق للدستور بأنه خالٍ من “الشريعة الإسلامية”، لـ”طمأنة المسيحيين”. لكن موسى تغاضى، أن المادة 2 منه تنص بشكل واضح على أن “الإسلام دين الدولة.. ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع”.

تقدّم السلطة نفسها على أنها ستحقق العدالة الاجتماعية، وهي تضم في صفوفها الوزير الناصري، كمال أبو عيطة، الذي انتقل من الهتاف “الإضراب مشروع مشروع، ضد الفقر وضد الجوع” إلى القول إن الإضرابات العمالية “سياسية”. أبو عيطة طمأن العمال بأن الدستور، يحافظ على حقوق العمال، لكنه لم يسأل نفسه لماذا تزايدت الإضرابات العمالية خلال الفترة الأخيرة في ظل حكم هذه السلطة، هو يريح نفسه من عناء الجواب حين يعتبر أن جماعة الإخوان المسلمين تحرض على ذلك. أبو عيطة يعلم، أو لا يعلم، أن الحبر الذي كُتِبَ به الدستور لن يحقق العدالة الاجتماعية، فالأخيرة لن تحققها الدساتير، ولن تُسقًط من فوق عبر توهيمات خطابية.

الناشط علاء عبد الفتاح كتب من سجنه، حيث تكرّمه السلطة لأنه شارك في الثورة، أنه يشعر بـ”قهرة الروح”، وإذا كانت مصر قد أدهشت العالم، بثورتها وبملايينها، وأدمعته لسقوط هذا الكم ّمن الدماء خلالها، حيث السلطة رفعت سقف التحدي مع معارضيها، بالتسبب بمقتل هذا  العدد من الشهداء، خاصة خلال الفترة الأخيرة، وكأنها تقول لهم “هذا هو مصير من يتحداني”. لكنها اليوم تقرأ العبارة الأخيرة في نص عبد الفتاح: “هبقى مشغول بأسباب جديدة للغضب والمقاوحة (العناد)”. غضب لأن “مين اللي يقدر ساعة يحبس مصر؟”.

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *