“أنظري إليهم جيداً، لا تضحكي لهم أبداً يا ليلى!”. لم يخطئ الكاتب “عبد الرحمن منيف” في هذه الوصية، والتي كان قد سجلها في الجزء الأخير من روايته “شرق المتوسط”.

كانت ليلى يومذاك، ودائما بحسب رواية “منيف”، طفلة تبكي كثيراً، وقد أصبحت اليوم شابة تشارك في صناعة الأمل على ساحل المتوسط، وفي كل زوايا المنطقة من المحيط إلى الخليج. كيف لا وهي تعرف أن الحلم بغد أفضل ليس بترف بقدر ما هو حق، وتعرف أيضاً أن الحياة، حياتها وحياتنا، لن تقوم إلا بمن يسعى إلى تحقيق هذا الحلم.


“أنظري إليهم جيداً، لا تضحكي لهم أبداً يا ليلى!”. لم يخطئ الكاتب “عبد الرحمن منيف” في هذه الوصية، والتي كان قد سجلها في الجزء الأخير من روايته “شرق المتوسط”.

كانت ليلى يومذاك، ودائما بحسب رواية “منيف”، طفلة تبكي كثيراً، وقد أصبحت اليوم شابة تشارك في صناعة الأمل على ساحل المتوسط، وفي كل زوايا المنطقة من المحيط إلى الخليج. كيف لا وهي تعرف أن الحلم بغد أفضل ليس بترف بقدر ما هو حق، وتعرف أيضاً أن الحياة، حياتها وحياتنا، لن تقوم إلا بمن يسعى إلى تحقيق هذا الحلم.

أما اليوم، ترسم ليلى ورفيقاتها ورفاقها، أي الملايين من الجماهير الثائرة، عذابهنّ/م وانتصاراتهن/م على جدران الوقت الماضي، كي لا تنسى اللحظات القادمة نضالهن/م، وكي تستمرّ كما استمروا قبلها في الزمان والمكان، فيملأون الحاضر حركة وثورة مستمرتين. أجل، في هذه الاوقات بالذات تسأل ليلى، أين الفن من ثورتي؟

خلال محاولة الإجابة عن هذا السؤال، يقف أي فنان أمام مرآة نفسه وضميره، ويسأل أين موقعي اليوم؟ أين أقف في ظل شهادات الاستغلال والقمع الحية التي تصدح بها الشعوب، آيات في فضاء الأيام العابرة؟ أين أنا من كل أشكال الديكتاتوريات القائمة؟ هل أشارك حلم وحركة الملايين المسحوقة والمنتفضة؟ هل أقف ورأسي في الرمال، حتى تمر تلك العاصفة الثورية، علها تعبر بأقل الأضرار الممكنة؟

إلا أن ليلى لن تنتظر كثيراً، فعيونها لن ترحم من صمت خلال السنوات القليلة الماضية، وكلماتها لن ترضى أن تكون سجينة لمديح ديكتاتور من هنا أو حاكم من هناك. فحرّية ليلى من حرّية الكلمة والقلم، وأنخابها الجديدة ستخرج من خضم تلك العاصفة الثورية التي وعدتها اليوم، كما وعدت “محمود درويش” بنبيذ وبأقواس قزح منذ زمن ليس ببعيد.

والتاريخ أيضاً يقف إلى جانب ليلى، فيمسك بيدها، ليتذكرا بمرارة وألم وغضب كل من صفّق لجُمل مديح الديكتاتور القاتلة والمنمقة، كل من أشاح بنظره عن تلك الدماء التي ملأت شوارع الحرية والكرامة، وكل من تخلّف عن درب الانتفاضة والثورة واختار الخنوع والرضوخ والصمت.

ولكنهما أيضاً، سيرفعان أيديهما وابتساماتهما وآمالهما الى السماء. سيتنفسان الحرية مع كلمات كل من يقطن السجون والمعتقلات. سيهتفان مع الحناجر التي رميت في الغياهب، فوجدت وقع صوتها يصدح في فضاء العتمة. سيعزفان مع الأنامل التي خطت كلمات الحرية على الجدران والاوراق والكتب واللوحات. سيسرحان مع العيون التي صورتنا، كما نحن، وتركت لنا في صورها وأفلامها بريقاً للأمل الذي نستحقه. سينشدان مع الأصوات التي تخلق معنىً جديداً للثورة، مع كل رنين لحرف من أحرف كلماتها. هؤلاء ستجدونهم في كل مكان، ابحثوا عنهم، أيضا، في القبور، حيث نورهم يضيء الكوكب. ابحثوا عنهم هنا، وفي المنافي، ابحثوا عن أغانيهم، ورسوماتهم، وأفلامهم، وكتبهم، فهم سيصنعون الحلم وكل الأمل.

أما بعد، لماذا الفن والثورة؟ وهل أن الفن يحقق الثورة ويحرر الشعوب؟ وهل يسقط الأنظمة؟ وهل يبني مستقبلا أفضل؟ الجواب هنا لا يقتصر على نعم وكلا، فالثورة من خلال وقعها في التاريخ، هي فنّ، هي الحقّ في تخيّل مستقبل أفضل، والطريق إليه. الثورة هي النقطة التي يتعرّف فيها الحاضر إلى مستقبله، في مساحة الوعي المنتفض، حيث تضطرب المعادلات القائمة، وتنكسر الحواجز التي تغلق وجودنا، فيخرج الفنّ صوتاً وصورةً وكلمة، وقصائداً من الألوان والأحرف والنغمات ليرسم التاريخ والحياة والأمل. فالفن لا ينفصل عن الثورة، كما لا تنفصل الثورة عن حركة الجماهير والشعوب.

لذا، فإننا في أسرة “المنشور” (المنتدى الاشتراكي) ومن خلال هذا الملفّ عن “الفنّ والثورة”، وعبر اختيار هذه العينة من الفنانين/ات، وبمختلف أنواع أعمالهم/ن، ومن خلال المقابلات والمقالات المنشورة، نؤكد على أن الفن يصنع الثورة، كما تصنعه هي بالتحام الحلم بالحركة.

لا يستطيع الفنان أن يحقق الثورة بمفرده، بل عبر التحامه بالشعوب التي حققت وستحقق أحلامه. فالشعوب من عمال وعاملات، وفنانين وفنانات، وطلاب وطالبات، وغيرهن/م، هن/م من سيعيد الضحكة إلى وجه ليلى. فمن هتاف “بن علي هرب”، مروراً بشعار “إرحل يعني إمشِ، يللي ما بتفهمشِ”، وصولا إلى “حرية للأبد غصبا عنك يا أسد”، بالإضافة إلى الجداريات التي خطتها أياد مجهولة، نستدل إلى فن ثوري قاعدي حقيقي، يكسر الموت بالحياة، ويتخطى الموت بالحرية.

إن الهدف من إطلاق هذا الملف هو محاولة لإعادة فتح النقاش المتعلق بدور وموقع الفنان/ة في الثورة، والبحث عن دور الفن في عملية التغيير، كما أنها محاولة للتنقيب عن التأثير المتبادل بين الواقع والفنان، وإعادة التأكيد على أن الفنون يمكن أن تجذّر الصراع مع الأنظمة، بحيث لا يكون الفن مسألة برجوازية، إنما يستطيع المشاركة في عملية التغيير المنشود.

ختاماً، لا يمكن إطلاق هذا الملف، إلا بتوجيه تحية إلى روح الشهيدين “ابراهيم القاشوش” و”باسل شحادة” بالإضافة إلى “يوسف عبدلكي”، لأن “سوريا بدها حرية” تماماً كما الدول الأخرى، ولأن “الثورة هي تذكرة دخول، وليست تذكرة خروج”، ولأن “الفراشة ستخترق السكين”.

ليلى، بكينا معك كثيرا، آن لنا اليوم، نحن وأنت، أن نحيا ونحب، وأن نحلم، وأن ننسج عالماً أفضل!

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *