من المعلوم أن هيئة التنسيق النقابية ليست ابنة اليوم، ولا السنتين الفائتتين. هل يمكنكم اطلاعنا كيف نشأت هيئة التنسيق النقابية وما هي المكونات النقابية التي تشكلت منها تاريخيا؟

من المعلوم أن هيئة التنسيق النقابية ليست ابنة اليوم، ولا السنتين الفائتتين. هل يمكنكم اطلاعنا كيف نشأت هيئة التنسيق النقابية وما هي المكونات النقابية التي تشكلت منها تاريخيا؟
خلال الحرب الأهلية بدأ عمل تنسيقي ما بين روابط الأساتذة والمعلمين وناشطين يساريين من موظفي القطاع العام. كان همنا الأساسي حينها، المساهمة بالصمود الشعبي عبر تأمين الخدمات الأساسية للمواطنين من كهرباء ومياه ومدارس، في ظل تردي الخدمات العامة. فقمنا بعدة مبادرات مثل فتح وتسيير المدارس الرسمية وصيانة شبكات الهاتف والكهرباء والمياه بالتنسيق مع الموظفين في المصالح الحكومية، ومتابعة المسائل المتعلقة بالنظافة العامة مع عمال بلدية بيروت وغيره من المبادرات.

في المرحلة الأولى لم تكن قد نشأت بعد “هيئة التنسيق النقابية” كما نعرفها اليوم. بل كان هناك عمل تنسيقي جمع “مكتب المعلمين” (أي روابط المعلمين ما دون الجامعي) بالاتحاد العمالي العام. كنا نعتبر أنفسنا أذرع تنفيذية للاتحاد، وكنا نحضر الاجتماعات تحت مظلته وقيادته في كل ما يتعلق بتصحيح الرواتب والأجور والغلاء والاحتكارات وغيره، باعتباره الهيئة الأكثر تمثيلا للفئات الاجتماعية ويعبر عن نبض الشارع إلى هذا الحد أو ذاك. وخضنا إلى جانب الاتحاد معارك خاصة في فترة الثمانينات مع بداية انخفاض سعر الليرة وارتفاع سعر الدولار، أدت إلى استقالة الحكومة.

والجدير ذكره، أنه خلال فترة الحرب كانت روابط المعلمين منقسمة. ومع بداية مرحلة التسعينات بدأت الروابط تدخل في مرحلة توحيد جسدها. فوحّدنا رابطة الثانوي التي كانت رابطتين. ووحّدنا نقابة المعلمين في المدارس الخاصة التي كانت نقابتين. ووحّدنا رابطة التعليم الأساسي التي كانت 5 روابط. وأنشأنا رابطة التعليم المهني وانضمت إلينا رابطة الأساتذة المتفرغين في الجامعة اللبنانية. ومع توحد جسم المعلمين في القطاع الرسمي، استُكمل التنسيق مع الاتحاد العمالي العام. ففكرة “هيئة التنسيق النقابية” هي بالأساس التنسيق ما بين الهيئات النقابية في القطاع الخاص المتمثلة بالاتحاد العمالي العام والهيئات “النقابية” في القطاع الرسمي المتمثلة بروابطنا.

أما المرحلة الثانية فقد تمثلت ببروز “هيئة التنسيق النقابية لموظفي القطاع العام” بعد وقف العمل التنسيقي مع الاتحاد العام نتيجة ومصادرة قراره من قبل السلطة. وضمت الهيئة، بالإضافة إلى روابط الأساتذة والمعلمين، رابطة متخرجي معهد الإدارة، ورابطة الأساتذة المتفرغين في الجامعة اللبنانية. والهيئة بتركيبتها هذه برزت خلال معركة إسقاط مشروع التعاقد الوظيفي (المظاهرة الشهيرة في 10 أيار 2006) عندما نزل إلى الشارع 250 ألف مواطن للتصدي للمشروع ولرفض زيادة الضرائب.

وكان لا بد من نشوء هذه الهيئة لمواجهة مشروع الانقضاض على مكتسبات العاملين في القطاع العام المتمثل بمشروع نظام التعاقد الوظيفي، وضرب نظام التقاعد وأنظمة الحماية الصحية وصناديق التعاضد وتعاونية الموظفين وتجميد الرواتب، وشل الاتحاد العمالي العام. أي كان الهدف تصفية ما تبقى من دولة الرعاية الاجتماعية. وكانت الهجمة، المستمرة حتى اليوم، في القطاع العام تتم على 5 محاور: ضرب التعليم الرسمي، تراجع الخدمات الصحية، ضرب نظام التقاعد، فرض ضرائب جديدة والخصخصة.

أما المرحلة الحالية، فهي المرحلة الثالثة من تكوين هيئة التنسيق النقابية والتي اكتمل فيها العنقود. حيث نشأت “رابطة موظفي الإدارة العامة”خلال التحرك الأخير والتي توسعت لتشمل كل فئات العاملين بالإدارة. فأصبح جسم الروابط موحدا وأكثر تمثيلية، جامعا ما بين المعلمين في القطاع الرسمي والخاص (ما دون الجامعي) والموظفين في كل الإدارات العامة والوزارات.

هل نستطيع القول أن المرحلة الرابعة ستكون بتحويل روابطكم إلى نقابات؟
تخوض هيئة التنسيق النقابية اليوم معركة في وجه السلطة. وبعد أن نجحت بفرض إحالة مشروع سلسلة الرتب والرواتب إلى مجلس النواب محققة بذلك إنجازا نقابيا معنويا، يجب المراكمة على هذا الإنجاز عبر إرساء قواعد ومرتكزات قوية لاستكمال المعركة في المستقبل، خاصة أن المعركة هذه جعلت من عودنا شديداّ. وبالتالي طرحنا موضوع تحويل روابطنا إلى نقابات.

ولكن في الوقت الذي نخوض فيه معركتنا في وجه السلطة، تخوض السلطة معركتها في وجهنا ولسان حالها يقول :”من أين نبتت هيئة التنسيق النقابية هذه، بعد أن قضينا على الاتحاد العمالي العام؟”، وبالتالي تسعى السلطة لضربنا على أكثر من مستوى. فقد فشلت في ضربنا عبر رفضها إقرار السلسلة ومن ثم إقرارها بما يخالف الاتفاقات. بل إن تعنتها تجاه مطالبنا زاد تحركاتنا زخما على مدار السنة والنصف الماضية. حاولت السلطة ضربنا من الداخل، فهي حاضرة بقوة في بعض روابط هيئة التنسيق النقابية. إلا أن مخططها انكشف بفعل وجود بنية ديمقراطية للروابط الخاضعة لرقابة القواعد والجمعيات العمومية. وهذا ما حصل في إحدى التحركات خلال إضراب الـ33 يوم. فأدوات السلطة في هيئة التنسيق ستنكشف وستتجاوزها الناس متى خانتها.

فالسلطة، ممثلة بالحكومة والهيئات الاقتصادية، لم تستطع ضربنا من الداخل ولا من الخارج. فأعدت خطة بديلة لضربنا عبر “تخريب” الروابط، بطريقة شبيهة بتلك التي تم استخدامها مع الاتحاد العمالي العام عندما تم “تفريخ” نقابات واستنساب إعطاء التراخيص. في وقت نريد فيه المحافظة على هذه الروابط كأدوات وأسلحة بأيدينا ومحاولة تعزيزها وتطويرها.

ألهذا السبب لا تزالون مترددين في تحويل روابطكم إلى نقابات؟
نحن نصمم على تحويل روابطنا إلى نقابات، لكن يجب أن نكون حذرين من محاولة السلطة وضع يدها على هيئة التنسيق النقابية عبر إلغاء صيغة الروابط. فمنذ مدة أحال وزير العمل سليم جريصاتي مشروع قانون للتصديق على اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 87 الخاصة بالحرية النقابية وحماية حق التنظيم متحفظا على بندها الثاني الذي يقول: “للعمال وأصحاب العمل، دون أي تمييز، الحق، دون ترخيص سابق، في تكوين منظمات يختارونها…”.

ما هو الهدف من التحفظ على المادة الثانية من الاتفاقية الدولية 87 برأيكم؟
التحفظ يرتبط بمحاولة استعادة تجربة “ضرب” الاتحاد العمالي العام. فلم يعد بمقدور السلطة بعد اليوم التملص من السماح بإنشاء نقابات في القطاع العام، لكن من خلال التحفظ على المادة الثانية، تريد الحكومة الإبقاء على سلطة وزارة العمل الاستنسابية في منح التراخيص لمن تشاء. وبهذه الطريقة تكون السلطة قد نجحت بضرب صيغة الروابط من جهة، وتحت مسمى الحرية النقابية، تنشئ نقابات في القطاع العام مفصّلة على مقاسها.

لكننا نطالب مجلس النواب بالتصديق على الاتفاقية الدولية رقم 87، من دون أي تحفظ. وعلى السلطة عدم التدخل في عملنا النقابي، سواء على مستوى أنظمتنا الداخلية أو على صعيد منح التراخيص. نحن نريد تحويل الروابط إلى نقابات، لا إنشاء نقابات بديلة عن الروابط. فيكفي أن نحذف كلمة رابطة واستبدالها بكلمة نقابة. ونحن نعمل حاليا على إنضاج الطرح على مستوى الروابط.

من يعترض على هذا الطرح داخل الهيئة؟
تعترض أطراف السلطة داخل هيئة التنسيق النقابية على الطرح. إلا أننا كتيار يساري نقابي داخل هيئة التنسيق النقابية نقول بأنه علينا، كي ننجح في تحويل الروابط إلى نقابات، المبادرة والإعلان عن نقاباتنا فنضع بذلك السلطة أمام الأمر الواقع. وهنا يجب أن أذكر أن الروابط لم تنشأ إلا عن طريق نضال دام سنوات. فحركة المعلمين في التعليم الأساسي مثلا، ناضلت على مدار نصف قرن من الزمن إلى أن توصلت لبناء رابطة موحدة. والآن إن مهمة فرض نقابات تمثلنا بشكل حقيقي هي مهمة نضالية بمواجهة سياسة وضع اليد.

هنالك مراهنة على هيئة التنسيق النقابية لتلعب دورا أكبر على المستوى النقابي العام، خاصة بظل حالة الإهتراء التي تصيب الاتحاد العمالي العام. أين أنتم من هذا الطرح؟
لا يستطيع أحد الحلول مكان أحد. فالقضايا ذات الطابع الوطني كالسياسة الصحية ونظام التقاعد والنظام الضريبي والتعليم ودولة الرعاية الاجتماعية، أي القضايا المتعلقة بالسياسات الاجتماعية، لا تستطيع هيئة التنسيق النقابية حملها منفردة. هناك أحزاب وقوى نقابية يجب أن تتحمل مسؤولياتها في هذا الاتجاه. فهيئة التنسيق النقابية لا تطرح نفسها كبديل عن الشعب اللبناني ولا هي تمثل العمال في القطاع الخاص. هي تمثل تحديدا الموظفين في القطاع العام، والمعلمين في المدارس الخاصة.

لكن عبّر بعض قيادات التنسيق النقابية الذين التقى بهم المرصد عن رؤى لتجاوز الواقع النقابي القائم، سواء عبر إنشاء اتحاد بديل أو عبر ضرورة القيام بورشة إصلاحات جذرية داخل الاتحاد العمالي العام، فما هو رأيكم؟
أتفهم هذا الكلام فهو نابع عن رغبة وطموح نتيجة خسارتنا للمبادرة النقابية في القطاع الخاص ولأن الظلم اللاحق بالعمال في القطاع الخاص يفوق بأضعاف مثيله في القطاع العام. لكن موضوعيا، لا أحد يستطيع تمثيل العمال سوى العمال أنفسهم. لا يستطيع المعلمون تمثيل العمال ولا العمال تمثيل المعلمين. ذلك لا ينفي طبعا أن التضامن هو واجب نقابي. إلا أني لا أحبذ البناء المفتعل والمركب بطريقة فوقية الذي قد يؤدي إلى نتيجة عكسية.

لماذا حصلت معركة في القطاع العام حول تصحيح الأجور لا في القطاع الخاص؟ يجب أن نعترف أن الأزمة مستفحلة في الحركة النقابية في القطاع الخاص. وجوهر الأزمة أن النقابات خالية ومجوفة من الداخل وأن القيادات العمالية بمكان والعمال بمكان آخر، أي أن الرأس مفصول عن الجسم. وهذا يتطلب حلولا جذرية. 15% من العاملين في القطاع الخاص نظاميين، فما هي نسبة المنتسبين منهم إلى النقابات. هناك نقابات لا تمثل 2% من العاملين في القطاع. وهنا تكمن المشكلة على وجه التحديد، وهنا أيضا تكمن وسائل المعالجة. لا يمكن لهيئة التنسيق النقابية أن تقفز فوق هذا الواقع. لا تستطيع هيئة التنسيق النقابية تمثيل القطاعين العام والخاص، فتصبح كالاتحاد العمالي العام، بالاسم ممثلة للعمال فيما العمال غير منظمين أساسا في نقابات.

إذا الأولوية كما تراها هي لإنشاء النقابات القاعدية ذات التمثيلية الفعلية، خاصة في القطاع الخاص؟
نعم، يجب بناء النقابات من الأسفل. فهذه هي الطريق الأسلم والأمتن ولو كانت الأطول والأصعب. أما إسقاط النقابات بالمظلة وبدون قواعد متينة، سيبقى بناء تعسفياً.

أتكلم هنا بمعزل عن التطورات السياسية في البلد التي لها الأثر البالغ على الحركة النقابية. فلو حصل تقدم على الصعيد الحركة الديمقراطية في البلد لساهم ذلك في نهضة الحركة النقابية في لبنان التي يفترض أنها بطبيعتها معارضة وبطبيعتها ديمقراطية. وبرأيي إن محاولات معالجة أزمة اليسار جزء من نهوض الحركة النقابية. فلا وجود لحركة نقابية مستقلة من دون وجود يسار قوي وفاعل.

إلى أي مدى وكيف يتم الإعداد لكوادر شابة للعب أدوار قيادية في هيئة التنسيق النقابية؟
حصل فراغ نقابي في البلد نتيجة الحرب الأهلية مما ترك تأثيرا على أجيال لناحية الوعي الحقوقي والنقابي. فشبيبة المرحلة السابقة توجهت إلى العمل العسكري، فتعسكرت. أما الجيل الذي أتى بعدها لم يعايش، بطبيعة الحال، مرحلة الصعود في الحركة النقابية التي عرفناها في الستينات والسبعينات من القرن الماضي. ونحن كهيئة تنسيق نقدم من خلال تحركاتنا مدرسة للنضال النقابي لا تقدمها ورش العمل وورش التدريب التقليدية. نحن نعد كادرا نقابيا من خلال المعارك المكثفة التي نخوضها. فنحاول عبر ذلك حل مشكلة الانقطاع الجيلي هذا.

لكن يجب الاعتراف بالمشاكل التي تعترضنا وذلك نتيجة التغير بطبيعة الوظيفة العامة وآليات التوظيف. فاليوم الدخول إلى الوظيفة يتم عبر التعاقد وبالواسطة بعد أن تناتش السياسيون مقدرات الدولة وشروط الوظيفة العامة عبر الخصخصة، فأصبح الموظف تابع لمن عيّنه، وبالتالي أقل قدرة على المقاومة. لذا فإن أهمية العمل النقابي هنا تكمن في محاولة استرداده ما فقده الموظف من هيبة ومن قدرة على الدفاع عن حقوقه. لذا فالمعركة النقابية كبيرة، وهي أساسية في كسر آليات الاستتباع لقوى السلطة التي تجدد لنفسها عن طريق التوظيف وإفساد الوظيفة العامة.

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *