في يدها مكبّر للصوت، لكنها تهتف من عينيها. «حيّوا الحركة النقابية والهيئة التنسيقية، لا منكّل ولا منمّل تننهي هالقضية»، يردّد وراءها حشد من الأساتذة. شادية معلمة في الخمسينيات من العمر، في مدرسة رسمية في الشوف. أتت إلى بيروت للمشاركة في «تظاهرة الزحف»، كما أسمتها.


في يدها مكبّر للصوت، لكنها تهتف من عينيها. «حيّوا الحركة النقابية والهيئة التنسيقية، لا منكّل ولا منمّل تننهي هالقضية»، يردّد وراءها حشد من الأساتذة. شادية معلمة في الخمسينيات من العمر، في مدرسة رسمية في الشوف. أتت إلى بيروت للمشاركة في «تظاهرة الزحف»، كما أسمتها.

على رأسها قبعة بيضاء تحميها من حرارة الشمس، وتبدو ملامح وجهها منهكة وحاسمة في آن. «هم علّمونا أن نحصل على مطالبنا بالقوة»، تجزم مستشهدةً بتجارب نقابية عالمية أخرى. بالنسبة إلى شادية، وجود جسم نقابي مستقل وديمقراطي، عابر للطوائف والقوى السياسية، هو ما دفعها تحديداً إلى صبّ كامل جهودها في هذا الإضراب المفتوح.. حتى تحقيق المطالب. المرأة تبدو نقابية مخضرمة، لكنّها في الواقع بدأت نشاطها النقابي مع بداية تحركات «هيئة التنسيق النقابية» لإقرار «السلسلة»، أي منذ نحو العام ونصف العام.

تتحدث عن محاولات القوى السياسية خلق معركة بين الأساتذة المضربين من جهة، وإدارات المدارس ولجان الأهالي من جهة أخرى. «لكن أهالي تلاميذها شايفين شادية وين هي من عشرين سنة لليوم. لم تشترِ سيارة ولا فرش بيت ولا ذهب». برأيها «لن يقف الأهالي بوجه أساتذة فقراء معاشهم بيخلص بأول الشهر». فتقول بحماس «أهالي تلاميذي يعرفون ذلك، يدركون أن حقوقنا ومصالح أولادهم لا تتعارض».

ليست لجنة الأهالي وحدها من يدعم شادية. «روحي تظاهري والغذاء بكون جاهز»، يقول لها زوجها، الجندي المتقاعد، كلّما أرادت المشاركة بتحركات «التنسيق». تتحدث عن أهمية الأمر. «للأسف، العديد من زميلاتي يحرمن من المشاركة لكي يطبخن لأزواجهن ويعتنين بأولادهن».

من جهتها، علياء المُدرّسة الأربعينية، من ثانوية المنية الرسمية، شاركت للمرة الأولى أمس في تظاهرة «التنسيق» في بيروت. تروي أن الأمر لم يكن سهلاً لتقنع زوجها بالاهتمام بثلاثة أولاد خلال تواجدها في التظاهرة. لكنها أصرّت، فانتهى الجدل بينهما بكلمات قليلة: «شاركي لتحققي المطلب».

المشاركة النسائية لم تنحصّر بالقطاع العام. فحضرت النساء الأصغر سناً من المدارس الخاصة أيضاً. سوزان شابة في منتصف العشرينيات، تردّد مبتسمةً الشعارات التي تعلو بين المتظاهرين. تضحك وهي تتلعثم في الهتاف، فتهمس زميلتها في أذنها الشعارات، ويضحكان سوياً. سوزان جاءت من مدرسة خاصة في جونية، لأنه «طفح الكيل». تتحدث أن الأمر لم يعد متوقفاً على موضوع الراتب والسلسلة، بل على كافة القضايا المعيشية. «ما يحركنا اليوم هو مصالحنا الإقتصادية – الاجتماعية وليس الزعماء»، تعتبر سوزان مشيرةً إلى أنها المرة الأولى التي تشارك فيها في تظاهرة نقابية، هي الأخرى.

مثلها وفاء التي قدمت من طرابلس إلى بيروت للمشاركة في تظاهرة «الزحف الشعبي». وفاء تُدرّس صفوفاً ابتدائية في مدرسة رسمية في طرابلس. «صحيح أننا تعبنا، لكن لا تراجع في معركة السلسلة على الإطلاق». أولاد وفاء جميعهم هاجروا للعمل في كندا، وزوجها لحق بهم. «سفّرتهم وبقيت لوحدي عم ناضل»، تلفظها ضاحكةً. وتضيف بنبرة أكثر جدية «سافروا لأن لا آفاق في هذا البلد، لكنّ الآفاق ستُفتح». تُشير بيدها إلى بداية المسيرة وهي تجزم بثقة «انظري، الآفاق أمامك». كنّ فاعلات أمس، من دون كوتا ولا مشاريع تمكين نساء ولا تدريب، لأنهنّ جزء لا يتجزأ من الحراك النقابي والشأن العام، حين يكون موجوداً. مشاركتهنّ، كنقابيات، مرتبطة بوجود جسم نقابي مستقل وديموقراطي، وقد تنعكس على موقعهنّ داخل المنزل، لا شيء مؤكد.

الأكيد أن انخراط فئات اجتماعية جديدة، شابة وغير منظمة سياسياً، في الصراع الإقتصادي – الاجتماعي وفي الشأن العام، يعدّ انجازاً بحد ذاته. هذا ما أثبتته تظاهرة «التنسيق» أمس.

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *