27 شباط 2013، يوم سيذكره التاريخ على أن “هيئة التنسيق النقابية” أعادت الألق إلى الحركة النقابية الديمقراطية والمستقلة في لبنان. يوم سيفخر معلمو وأساتذة لبنان بتدريسه إلى طلابهم. وسيقولون فيه أنه شهد خروج آلاف المعلمين من القطاعين العام والخاص والموظفين والمتعاقدين والمتقاعدين والأجراء موحدين في وجه الانقسامات الطائفية والمذهبية، وأعادوا تحديد بوصلة الصراع إلى مكانها الصحيح، ما بين طبقة مستغِلّة وأخرى مستغلَّة.


27 شباط 2013، يوم سيذكره التاريخ على أن “هيئة التنسيق النقابية” أعادت الألق إلى الحركة النقابية الديمقراطية والمستقلة في لبنان. يوم سيفخر معلمو وأساتذة لبنان بتدريسه إلى طلابهم. وسيقولون فيه أنه شهد خروج آلاف المعلمين من القطاعين العام والخاص والموظفين والمتعاقدين والمتقاعدين والأجراء موحدين في وجه الانقسامات الطائفية والمذهبية، وأعادوا تحديد بوصلة الصراع إلى مكانها الصحيح، ما بين طبقة مستغِلّة وأخرى مستغلَّة.

خرجوا وشعاراتهم وهتافاتهم تفضح مكامن الخلل في النظام ومن يديره ويسرق موارده. خرجوا لا للمطالبة بإحالة السلسلة إلى مجلس النواب حصراً، بل ليسترجعوا الوطن من أيدي اللاهثين على السلطة ومن خلفهم أصحاب المال والتجار والسماسرة أيضاً. من مرجعيون وصور والنبطية وصيدا والشوف وبعبدا وجونيه وجبيل والبترون وطرابلس وعكار وزحلة… زحفوا تلبية لنداء هيئة التنسيق النقابية. وتجمعوا في منطقة البربير قبل الانطلاق إلى السرايا الحكومية في وسط البلد.

بداية، وجد المنظمون صعوبة كبيرة في تنظيم “الزحف” الذي وصلت طلائعه إلى منطقة النويري، بسبب كثرة الأعداد، قبل انطلاقة التظاهرة رسمياً. يسارع النقابي محمد قاسم إلى تسلم مكبر الصوت ويقول: “لا تتقدموا أكثر، المظاهرة لم تنطلق بعد، نحن بانتظار المئات القادمين من طرابلس”، فتهلل جموع المتظاهرين لسماع هذا الخبر. رجل في مقدمة التظاهرة يلتفت إلى الخلف وعيناه ترقصان فرحاً من الأعداد المحتشدة. “مشهد خرافي” يقول بعفوية، ويضيف، ونقطتا دمع تجمعتا أسفل عينيه: “عاد الشارع إلى أصحابه”.

دقائق وتنطلق الجموع وتعلو الهتافات: “يا دولتنا العاليّة، حرمتي شعبي رغيف الخبز، وحقوقه الوظيفية. والمصارف مليانة من الصفقات المخفيّة. يا هيئة يا أم العروس، أنتِ حملتي القضية. بك ارتفعت الرؤوس، بالوحدة النقابية”. اللافتات التي حملها المتظاهرون واضحة في نقدها لأطراف الحكم، وتقول إحداها: “حدد الإجابة الصحيحة. من هو رئيس حكومة لبنان؟ نجيب ميقاتي، محمد شقير أو نعمة افرام؟”. أما المشاركة النسائية فكانت بارزة، فهن يشكلن العمود الفقري للوظيفة العامة والقطاع التعليمي. إحدى المعلمات القادمات من طرابلس تقول لـ”المدن”: “الإضراب أعاد اللحمة في ما بيننا وشدنا إلى بعضنا، وأعاد لي شخصياً نشاطي النقابي بعد انكفاء عشر سنين”. وشهدت التظاهرة مشاركة طلابية واسعة. وخرج الطلاب بهتاف جامع يقول: “يا شعبي قوم وطالب مع المعلم والطالب”. كامل شبو طالب في ثانوية برجا تقول لـ”المدن”: “مشاركتنا هذه لدعم أساتذتنا ونحن كطلاب في برجا ننظم صفوفنا ونؤسس لجنة طلابية لدعم الإضراب ونشجع غيرنا من الطلاب على المشاركة أيضاً”.

مع وصول التظاهرة إلى مقصدها أمام السرايا الحكومية في رياض الصلح، كان آخرها لا يزال في منطقة الباشورة. المنصة جاهزة والإعلام أيضاً. دقائق وتبدأ كلمة نعمة محفوض، التي أمهل فيها الحكومة “حتى نهاية هذا الأسبوع بالكثير لإحالة السلسلة وإلا سيفلت منا الوضع”. “المطلوب اليوم من مجلس الوزراء بعد الظهر، أن يبحث في الموضوع من خارج جدول الأعمال، أو غدا في جلسة استثنائية وإلا سيتحمل رئيس الحكومة والـ30 وزيراً مسؤولية هذه الأصوات التي تعبر عن الغضب الساطع عن جوع اللبنانيين ووجع اللبنانيين” أضاف. أمّا حنا غريب، ومن بعد أمتار قليلة من قصر نجيب ميقاتي قال بصريح العبارة: “الألوف المؤلفة” المشاركة في الاعتصام “ليست الذروة لهذا التحرك لكنها إشارة واضحة فليفهموها جيداً، إنها البداية لانتفاضة ثورة الجياع في لبنان”. أضاف: “إذا لم تحيلوا السلسلة هذا الأسبوع، استعدوا أيها الزملاء إلى إضراب عام شامل في كل لبنان، ليس فقط في القطاع العام والمدارس. إنها دعوة إلى الشعب اللبناني بأكمله ليقف إلى جانب هيئة التنسيق النقابية في وجه اللصوص والفساد وسارقي المال العام الذين سرقوا الحقوق المكتسبة في القطاع الخاص ويستعدون لسرقة القطاع العام”.
إضراب عام إذن، إن لم تحل السلسلة، هو ما تتجه إليه هيئة التنسيق النقابية. يقول حنا غريب رداً على سؤال “المدن” حول التحضير لإضراب كهذا: “إن لم تقر السلسلة، سنتجه نحو المزيد من التصعيد، والإضراب العام هو واحد من أوجه هذا التصعيد. ولهذا الهدف نحن سنتواصل مع طلابنا ومع أهاليهم”. ويضيف: “هيئة التنسيق النقابية تخلق مناخاً عاماً في البلد وتشجع كل ذي حق للانتفاض لينتزع حقه في أي قطاع تواجد”. أمّا رئيس رابطة موظفي الإدارة العامة محمود حيدر فيقول “للمدن” أن “التنسيق مع باقي الاتحادات النقابية جار على قدم وساق، وخاصة اتحاد نقابات المصالح المستقلة والمؤسسات العامة والخاصة”. وعليه، أعلن الإتحاد في بيان له عن الإضراب يوم الخميس المقبل في مؤسسة مياه لبنان الشمالي. على أن يليها سلسلة من الإعتصامات والإضرابات في كل المؤسسات المنضوية تحت راية الاتحاد. ويضاف ذلك إلى إضراب سيعم كل فروع الجامعة اللبنانية في اليوم نفسه تضامنا مع هيئة التنسيق. كذلك، دعا حيدر: “كل الاتحادات النقابية، ومن بينها اتحاد موظفي المصارف إلى تأييد هيئة التنسيق في هذه المعركة”.

هيئة التنسيق اليوم كانت تختبر ذاتها وقدرتها على الحشد في وجه الحكومة. وقد نجحت بذلك نجاحاً باهراً. وهي ستراكم على هذا اليوم في اتجاه المزيد من التصعيد في حال لم تقر السلسلة هذا الأسبوع. وعليها تعقد آمال اللبنانيين في قيادة حركة التغيير التي طال انتظارها. فالحركة النقابية كانت دائماً محركاً أساسياً من محركات التغيير. فهل تنضم قطاعات عمالية أخرى لهذا الحراك من أجل استرجاع حقوق مهدورة وأخرى مكتسبة تم الانقضاض عليها؟

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *