– مضت اشهرٍ عدّة على بدء الانتفاضة الشعبية في سوريا، ويمكن للمهتم والمتابع لهذه الصيرورة اليقظية التي اجتاحت مدنًا وأريافًا في مشهدٍ قلّ مثيله في ما يُسمّى العالم الثالث ونًدُر مثيله في العالم العربي وبالاخص في سوريا، يمكن له أن يطرَح تساؤلاتٍ عديدةٍ و أن يخرج بمجموعة من الخلاصات والاستنتاجات الأولية، ريثما تكتمل هذه “الصيرورة الانتفاضية” وترسم انتصاراتها الكبرى وبدائلها المشروعة.


– مضت اشهرٍ عدّة على بدء الانتفاضة الشعبية في سوريا، ويمكن للمهتم والمتابع لهذه الصيرورة اليقظية التي اجتاحت مدنًا وأريافًا في مشهدٍ قلّ مثيله في ما يُسمّى العالم الثالث ونًدُر مثيله في العالم العربي وبالاخص في سوريا، يمكن له أن يطرَح تساؤلاتٍ عديدةٍ و أن يخرج بمجموعة من الخلاصات والاستنتاجات الأولية، ريثما تكتمل هذه “الصيرورة الانتفاضية” وترسم انتصاراتها الكبرى وبدائلها المشروعة.

لم يكن التعامل الدموي لأجهزة القمع السورية مع الاحتجاجات الشعبية مثيرًا للدهشة وللاستغراب، فهذه الاجهزة تملك تاريخًا حافلاً بابتكار أساليب القمع والبطش الدموي، وصلت لذروتها في مجزرة حماة في ثمانينات القرن الماضي، وتكررت بصورة أو بأخرى ولو على نطاقٍ اضيق وأقل خسارةً في الارواح في درعا وجسر الشغور وحماة مرة أخرى وحمص ودير الذور وغيرها من المناطق التي كانت تشهد يوميًا تصاعدًا في زخم الاحتجاجات المنادية بالحرية عبر اسقاط النظام.

ولتبرير عمليات البطش هذه، لجأ النظام عبر ابواقه الاعلامية الى ترويج يومي لمقولة وجود جماعات مسلحة تطوف القرى والمدن السورية وتقوم بعملية القتل والاغتصاب والترويع والنهب والسلب والتعدي على الممتلكات الخاصة والعامة. هكذا أراد النظام أن يحوّل عملية البطش ضد الشعب الى عملية دفاعٍ عن الشعب وعن الوحدة الوطنية، ضد مخربين وإرهابيين (وهي التسمية التي اعتمدها جيش الاحتلال الصهيوني ليصف بها المقاومين الفلسطينيين واللبنانيين والعرب اثناء اجتياح لبنان) يرمون الى تفتيت الوحدة الوطنية وتسعير الاقتتال الطائفي وتهيئة الظروف المناسب للتدخل الأميركي والاوروبي و”الاسرائيلي” بشتى الوسائل ومن بينها العسكرية. إنّ نية هؤلاء وأولئك هي ضرب الموقع الممانع والسيادي للنظام البعثي السوري، هكذا تحاجج السلطة الحاكمة في سوريا. وكثيرًا ما يجري تصوير الاحتاجات الشعبية بكونها احتاجات طائفية ومذهبية الطابع. ويمكن القول أن هذه السلطة قد نجحت حتى هذه الساعة والى حدٍ ما في تعميم وجهة النظر هذه (بالأخص عندما يتولّى في أحيانٍ كثيرة رجال دين معارضين التحدّث بإسم الحركة الاحتجاجية)، حتى أمكن القول ان الشعب السوري بات منقسمًا بالفعل بين فئةٍ ما زالت مستمرة في حراكها اليومي، وأخرى إما تؤيد النظام باعتباره ضمانة استمرارها، وإما صامتة لا حول لها ولا قوة.

إن سلّمنا بموقف السلطة القائمة وبما يروّج له، امكن لنا أن نطرح عددًا من التساؤلات وتقديم بعض الإجابات المشروعة والتي تبقى على كل حال قابلة للنقاش:

– على ماذا يدلّ وجود هذه العدد الكبير من المجموعات الإرهابية، التي ما زالت ناشطة، والتي تمتلك أسلحة مختلفة وتقوم بكافة عمليات البطش والترويع؟ إن دلّ على شيء، فهو يدلّ أولاً على الضعف الكبير للقوى الامنية السورية وللجيش في عملية حفظ الأمن وحماية المواطنين. اي أنّ ما يتبجج به النظام من قدرة على الإمساك بشؤون اللعبة الامنية الداخلية ومن إمكانية إفشال كل مخططات التدخل الخارجي، هذا كله قد أثبت على الأقل هشاشته. وهذا معناه، ايضًا، أن الذراع الأمني الذي يشكّل إحدى أهم ركائز النظام قد أثبت فشله. وهكذا فالمليارات التي صُرِفت وتُصرَف على هذه الأجهزة والتي دفع ثمنها الشعب، قد ذهبت سدىً. والجميع يعلم أن أجهزة المخابرات المتعددة في سوريا تُمسِك باللعبة الأمنية (هكذا على الأقل ما يُصرَح به كافة القادة الأمنيين وما تُظهره حالة الاستقرار الامني الطويلة بالمقارنة مع دول الجوار) ولهذه الاجهزة قبضتها الحديدية الشهيرة وتمتلك انتشارًا واسعًا بين صفوف كل الفئات الاجتماعية وفي كافة المؤسسات والمجالات السياسية والاقتصادية والتربوية والثقافية والدينية. وهنا لا ننفي ابدًا دخول اطراف بما يشبه الطابور الخامس على اللعبة، وهذا أمر بديهي، فمن الطبيعي في ظل انفلات الأمن والاضطرابات الاجتماعية أن يسعى البعض من المتضررين من اية حالة للإستقرار كما من المرتبطين بأجهزة مخابرات اقليمية ودولية، من الطبيعي أن يسعى هؤلاء الى تأزيم الوضع وتطويل أمد الأزمة خدمة لمصالحهم الشخصية ومصالح من يرتبطون بهم وليس خدمة للانتفاضة؛ وكفّ يد هؤلاء هو وإن كان مهمة السلطة الأمنية بالأساس فهو أيضًا مهمة الشعب المنتفض حفاظًا على مصلحته في استمرار سلمية الانتفاضة. ما يحصل أيضًا أن النظام يتعامل مع كل الشعب المنتفض على انه من هذه العصابات-القليلة العدد- التي تنشر الترويع والخراب والقتل (وربما يمكننا ان نضع مقتل هذا العدد الكبير من أفراد الجيش ضمن هذه الحالة ايضًا عدا عن الاقتتال داخل صفوف الجيش بين المنشقين والموالين) ، والقنوات الاعلامية الرسمية السورية لا تتوقف-بطريقة مضحكة وسخيفة- عن بث الأنباء التي لا تصوّر الاحتجاجات السلمية الا باعتبارها عمل عصابات مسلحة تفتك بالجيش وقوى الامن وبالمواطنين وهؤلاء-بحسب الاعلام السوري- لا ينفكّ عن لمطالبة بدخول الجيش لحمايتهم!

– يحاجج بعض المحللين والمثقفين والسياسيين أن ما يحصل في سوريا ليس سوى اقتتال طائفي وفتنةً مذهبيةً (تُشعِلُ فتيلها الدول الغربية وتحفزّها دول عربية أخرى عبر قنواتها الاعلامية) أو ما هو في طريقه ليصبح اقتتالاً طائفيًا كما حصل في لبنان أو في العراق. وهذه الحجة لا تصب في مصلحة النظام السوري بأي شكلٍ من الأشكال، فالنظام هو المسؤول الأول عن تفشّي هذه الظواهر وهو الوحيد القادر على بعثها أو على إخمادها حيثما وُجِدَت أو أطلّت برأسها في شؤون الصراع السياسي او التربية او الاقتصاد.ولو إفترضنا أن النظام السوري نظامٌ طائفيٌ يرتكز على المحاصصة الطائفية والمذهبية (كما يحصل في لبنان) لكان من الضروري إسقاط هذا النظام وتغييره جذريًا لصالح نظامٍ علماني الملامح يرتكز على أسس المواطنة والإنتماء الوطني وعلى علاقة مباشرة تربط المواطن بدولته وليس انطلاقًا من انتمائه المذهبي. إلاّ ان النظام السوري، وباعتراف المدافعين عنه، ليس نظامًا طائفيًا او دينيًا، لا بل بالعكس يحاجج عددٌ واسعٌ من الموالين للنظام البعثي عن مقولة ان النظام هو علماني الطابع ويستند في علاقته مع المواطنين على اسس المواطنة السورية. وهذه الحجة ايضًا لا تستطيع فعل شيء سوى إدانة النظام نفسه: فلو كان النظام يرتكز طيلة فترة حكمه المديدة على اسس المواطنة – العلمانية الطابع- لما امكن أن تظهر هذه النعرات والاصطفافات الطائفية بشكلها الدموي كما يروّج هذا النظام يوميًا. وإن عشرات السنين من حكم البعث-كحزبٍ علماني- كانت لتكون كفيلة بإرساء علاقات سياسية علمانية وبناء وحدة وطنية ترتكز على الولاء للوطن وللدولة وليس لولائات تقليدية كالعشيرة أو العائلة أو الدين.إن عشرات السنين من إحتكار البعث العلماني للحكم قد أثبتت-إن صدّقنا مقولات النظام عن بزوغ الطائفية- فشلها المطلق.وهذه حجة أخرى ضده.

– كما لا بد هنا من التطرَق سريعًا الى موضوع القضية الكردية. فالنظام ما زال حتى الآن، ورغم كل الشعارات الرنّانة حول وحدة النسيج الوطني السوري بكافة مكوناته الدينية والثقافية والقومية، ينتهج سياسية تمييز سياسي وإقتصادي واضح ضد الشعب الكردي المتواجد على الأراضي السورية، فالنظام لم يعترف، بعد بدء الإحتجاجات والتي شارك فيها الأكراد بقوة،بالحقوق الثقافية والإجتماعية المشروعة لهؤلاء بإعتبارهم مواطنين لهم حقوقهم وواجباتهم على قدم المساواة مع باقي مكونات الشعب. و”أفضل” ما قدّمه النظام لهم لم يتعدّى إعطاء الجنسية السورية لمن لم يملكها من الأكراد، وهي خطوة لا تقدّم ولا تؤخرّ كما رأى الرأي العام الكردي في سوريا وتشكيلاته السياسية المختلفة. إن النظام لاطالما تعامل مع القضية الكردية بإعتبارها ايضًا ورقة ضغط توجّه ضد اي مضايقات قد تصدر عن الحليف-الخصم التركي، وفي كل الأحوال يظل الأكراد (وغيرهم من القوميات والمكونات الثقافية الأقلوية كالآشوريين مثلاً) مواطنين من الدرجة الثانية. وهذه نقطة بطبيعة الحال لا تُسجَّل لصالح النظام ولا مؤيديه.

– ومن جملة تزييف الحقائق تلك المقولة الأكثر تردادًا: إن ما يحصل في سوريا اليوم لا يشبه لا من قريب ولا من بعيد ما حصل في مصر وفي تونس، فهنا وهناك قد حصلت ثورتان شعبيتان أزاحتا نظامين مواليين لأميركا ولأوروبا، وهما نظامان عميلان في نهاية المطاف، وبالاخص نظام مبارك المصري المتحالف بشكلٍ او بآخر مع “إسرائيل”. اما بالنسبة لسوريا فما يحصل ليس سوى مؤامرة خارجية بأيادٍ داخلية عميلة ومندسة ومخرّبة (إخوان مسلمون-جماعة عبد الحليم خدام ورفعت الاسد-ربيع دمشق-بعض القوى الكردية…وغيرها). ما فشل به الغرب سابقًا في اخضاع النظام السوري المعادي للكيان الصهيوني والممانع في وجه كل المؤامرات التفتيتية التي تستهدف المقاومات والشعوب والمجتمعات العربية في المنطقة، ما فشل به في السابق بوسائل الترغيب والترهيب، يحاول تكراره اليوم مستفيدًا من المشهد الشعبي الجديد في العالم العربي. إن هذه القوى المعادية تحاول ضرب النظام السوري وموقع سوريا الاستراتيجي وتهيئة الظروف المناسبة لتحقيق شرق اوسط جديد تهيمن عليه هذه القوى بذراعها الصهيوني ولتحقيق سلام دائم وشامل بشروط “إسرائيل” وبما يخدمها بالدرجة الاولى. (ومن الملاحظ كيف درج حزب البعث على إعتبار نفسه هو هو سوريا بموقعها وشعبها لا بل وبتاريخها كله، وذلك على غرار كافة الاحزاب الفاشية المضمون التي تحتكر السلطة والتي تعطي ملامحها الخاصة لكل من الجغرافيا والتاريخ والشعب، وتقوم بعملية تشويه وتحويرٍ وتشذيبٍ للذاكرة المجتمعية فهذه لا تأخذ شكلها وتبدأ بوظيفتها إلاّ حين تستلم هذه الاحزاب السلطة ). ردًا على هذه الحجة أمكن لنا ان نطرح عددًا من التساؤلات: لماذا تأخرت الدعوات الدولية أشهرٍ عدة لتنحية بشّار الأسد، هذا في حين أن الدعوة مثلاً الى تنحية مبارك مثلاً -حليف أميركا والغرب- قد أتت على وجه السرعة (منذ الاسبوع الثاني لبدء الانتفاضة المصرية)؟ إن كان النظام السوري يتهم هذه الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة وفرنسا بالتدخل بالشؤون الداخلية وبمحاولة زرعة الفتنة وإسقاط النظام، فلماذا لم يبادر هذا النظام الى قطع العلاقات الدبلوماسية أو على الأقل تخفيض مستواها وفرض عقوبات على كل الشركات الغربية التي تعمل في سوريا، هذا في وقت كان وزير خارجية هذا النظام في مؤتمر صحفي سابق قد أعلن عن تغييب أوروبا عن خريطة علاقات النظام الدولية؟ وألم يكن بإمكان النظام إتخاذ خطوات عملية قادرة على الاضرار بمصالح الولايات المتحدة وحلفائها في سوريا وربما خارجها؟ ثم لا بد لنا أن نتساءل عن ماهية الممانعة التي يصف النظام نفسه بها: ففي ظل الهجمة الاستعمارية المسعورة الجديدة على سوريا وعلى نظامها، ما معنى أن يعترف هذا الأخير بفلسطين المحتلة كدولة على حدود 67 وعاصمتها القدس الشرقية؟ أليس معنى هذا إعترافًا ضمنيًا بالكيان الصهيوني؟ ثم ألا يُعدّ هذا الإعتراف تراجعًا بالمقارنة مع ذلك الموقف “المقاوم” أو “الممانع” الذي لطالما جعله النظام ميزةً قومية له في ظل استسلام الانظمة العربية الاخرى؟ وإن كان الاعتراف خطة تكتيكية كما يروّج البعض، لنا ان نسأل عن جدوى هذه الخطوة الآن في حين أن الغرب بأكمله يسعى-كما يدّعي النظام- الى ضرب هذا الأخير وانهائه خدمة لدولة “إسرائيل”؟ كما نتساءل عن ماهية تلك الممانعة التي يتشدّق بها البعض في حين أن ألوية الجيش السوري تقوم بإقتحام المدن والبلدات بينما جبهة الجولان ما تزال هادئة منذ اربعين عامًا؟! وعن أية ممانعة يتحدث البعض، وفي وجه من تقف هذه الممانعة، في وقت ما زالت العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية والسياسية فاعلة ومستمرة بشكل طبيعي مع “أوكار المؤامرة الدولية والعربية على سوريا” بدءً بالولايات المتحدة وأوروبا مرورًا بتركيا والمملكة السعودية وقطر؟

– أمّا حول الإصلاح، فالنظام لا يتوانى عن الترداد ليلاً نهارًا إنه قام بإصلاحات ويسير في الطريق نحو إصلاحات أخرى وفق الآليات القانونية والدستورية. إلاّ اننا نريد أن نسأل عن اي اصلاح هذا، وماذا يعني؟ فإصلاح النظام يعني في ما يعنيه في خاتمة المطاف سقوط النظام فعليًا. فهل يمكن التكلّم عن إصلاحٍ للنظام لا يتضمن إطلاق الحريات السياسية والتعددية الحزبية وحرية الرأي والتعبير ومحاسبة الفاسدين وإنهاء حالة إحتكار السلطة السياسية وتخفيف القبضة الامنية وإعادة توزيع الثروة وتحقيق حد ادنى من العدالة الاجتماعية والمساواة وتثبيت اسس المواطنة؟ هل يمتلك النظام الرغبة والارادة والقدرة لفعل ذلك؟ وهل يستطيع نظامٌ أمني ديكتاتوري تحقيق خطوات ديموقراطية والقيام بعملية اصلاح جذري؟ إن التاريخ أثبت عبر عشرات التجارب حول العالم أن نظامًا يرتكز على إحتكار السلطة السياسية وعلى القبضة الأمنية لا يستطيع أن يبدّل من طبيعته حتى لو أراد ذلك وهو بطبيعة الحال لا يمكنه أن يقبل بذلك ولو في حدوده الدنيا (والقضية ليست قضية نوايا طيبة او سيئة لدى الرئيس ومن حوله مثلاً، كما إنها ليست قضية عائلة تُحكِم قبضتها على مقدّرات البلد بأكمله، ومن يرى الأمور بهذه الطريقة يسقط في تفسيرٍ مثاليٍ إرادويّ للتاريخ ولا يرى فيه الا صراع نوايا فردية ومصالح شخصية، بينما المسألة تتعدّى ذلك الى صراعات إجتماعية ضمن بنية معقدّة التركيب يتشابك فيها الداخلي والخارجي وتستند في المآل الأخير الى الموقع الاقتصادي-الاجتماعي-التاريخ للفئات المتصارعة والى نمط الانتاج المهيمن وسياسات الفئة الحاكمة إقتصاديًا إجتماعيًا وسياسيًا وتربويًا وما ينتج عن ذلك من إفقار وإحتكار للثروة وبطالة متفشية وأشكال من الردّة الدينية والانغلاق الفئوي..الخ). وما يستطيع فعله لن يكون سوى تقديم اصلاحات مشوّهة لا تطال بنيته وركائزه (كما فعل على كل حال النظام السوري بتخفيف القبضة الامنية والرقابة على المسلسلات التلفزيونية مثلاً). إن كل نظام-ديموقراطي كان ام ديكتاتوري- هو محصلة شبكة واسعة من المصالح الطبقية والاجتماعية والسياسية وفي حالة النظام البعثي تضم هذه الشبكة مصالح الطبقات العليا في المجتمع، التجار الكبار،بقايا البيروقراطية، وكل المستفدين من عمليات الخصخصة، وعمليات النهب والفساد، بالاصافة الى كبار قادة الاجهزة الأمنية..)، ورأسُ السلطة (الدولة بكافة مؤسساتها، والحزب الحاكم المحتكِر) في هذه الحال لن يكون مرتبطًا بنيويًا إلاّ بهذه الشبكة من المصالح ولن يمثّل سوى طموحاتها ومشاريعها بالدرجة الأولى، واي تغيير او اصلاح جذري وجدّي قد يُقدم عليه رأس السلطة هذا لن يضرّ – في الحالة السورية- سوى بمواقع هذه الشبكة. وهذه الأخيرة هي ماهية النظام وجوهره وضمانة استمراره ووجوده. والنظام هو اداتها ووسيلتها في البقاء والتوسّع في طموحاتها ومطالبها.

– ثمَّ ان الاصلاحات والتعديلات القانونية والسياسية التي قام بها النظام ردًا على تصاعد موجة الاحتجاجات تؤشر الى صدقية المطالب الشعبية ومشروعيتها وإعتراف النظام بذلك، وإلاّ لماذا انتظر النظام القائم كل هذه المدة للقيام بهذه الاصلاحات المُفتَرَضة. ومن ناحية أخرى تدلّ هذه الاصلاحات على اعتراف النظام بالخلل في القوانين والمواد الدستورية التي يتخذها كغطاء لتبرير وجوده واستمراره. ولكن هل ما حصل من إصلاحات يستحق هذه التسمية؟ لقد اُلغيَت حالة الطوارىء على الصعيد القانوني النظري ولكنّها ما زالت فاعلة المضمون على أرض الواقع، بدليل القمع المستمر للإحتجاجات وبالاخص في المدن وضواحيها (كما في ريف دمشق، وحمص في الآونة الأخيرة) كما ان الاعتقالات وحالات “التشبيح” والقمع الجسدي والترهيب على اساس الرأي السياسي للمعارضين ما زالت مستمرة على قدم وساق، وهي اعتقالات وأساليب قمع عنيفة ما زالت تطال بالدرجة الأولى معارضين سياسيين ومثقفين وطلاب وفنّانين (كما حصل في الساعات الماضية مع رسّام الكاريكاتور علي فرزات) ينتمي معظمهم لتيارات سياسية وفكرية لا علاقة لها لا من قريب ولا من بعيد بالفكر التكفيري وبالجماعات المسلّحة! وحتّى أنّ قانون الأحزاب الجديد قد لقيَ إنتقادًا من تشكيلات سياسية موالية للنظام البعثي (راجع مثلاً موقف الحزب الشيوعي السوري). وما قد يثير دهشة واستغراب بعض المعارضين المعوّلين على جدّية النظام في القيام بإصلاح حقيقي هو التباطؤ الشديد في تلك العملية في وقت كان من المفترض بقيادة يصفها البعض بالحكيمة أن تسارع منذ اللحظة الأولى لبدء الاحتجاجات بالإنطلاق سريعًا بعملية الاصلاح لقطع الطريق امام تفاقم الوضع الميداني والتدخل الدولي. إلاّ أن ما حصل هو عكسُ ذلك تمامًا، وهذا لن يثير استغرابنا فالنظام لا يريد فعليًا القيام بخطوات إصلاحية جدية وإلا سيكون كمن يحفر قبره بيديه (للأسباب التي مرّت معنا أعلاه).

ما هي الخلاصات التي يمكن الخروج بها بخصوص الوضع السوري بعد مضي أكثر من ستة أشهر على بدء الاحتجاجات الشعبية المطالبة بإسقاط النظام؟ (مع التذكير أنه في الأسابيع الأولى لبدء هذه الإحتجاجات، لم يرتفع هذا الشعار الجذري إلاّ أن الردّ الدموي من قبل النظام قد أعطى الشعب حجةً مشروعة على الارتفاع بخطابه والمطالبة بإنهاء حكم البعث).

1- إن الحركة الإحتجاجية الشعبية في سوريا لا تشكلّ شواذًا أو خروجًا عمّا حصل ويحصل في الشارع العربي من صيرورة تاريخية راديكالية تقوم بها الشعوب العربية بعد سنين طويلة من الإفقار الاقتصادي والقمع البوليسي السياسي.إن البركان الذي انفجر قد سبقته شروط ومسببات امتدت لأعوام عديدة، وما كان يعتمل في داخل هذا البركان الخامد إنفجر في لحظة الذروة. لقد زاد من حدّة غليان الشارع العربي الأزمة الإقتصادية الأخيرة ونهج السياسة الإقتصادية القائم على آليات السوق وتوصيات المؤسسات الرأسمالية الدولية ووصفاتها في التقشّف والخصخصة وتخفيض الدور الإجتماعي للدولة مع ارتفاع مستويات الفساد المالي والنهب المقونن والمقنّع، وفشل كل الوعود التي اطلقتها هذه الانظمة إن على مستوى التطور الديموقراطي الداخلي وتحسين مستوى الحالة الاقتصادية او على مستوى الوطني والقومي في ما يخص بالدرجة الأولى القضية الفلسطينية (بالتحديد بالنسبة للنظام السوري). إن ملايين العاطلين عن العمل من الشباب العربي ومئات الآلاف من المزارعين والفلاحين الصغار والعمال وفئات واسعة من الطبقة الوسطى قد وجدوا انفسهم أمام خيارين لا ثالث لهما: إمّا الرضوخ للأمر الواقع والاستمرار بشروط الحد الأدنى من العيش وبشروط الحد الأقصى من قمع الحريات المدينة والسياسية وإمّا الانتفاضة ومحاولة تغيير الواقع. وبالفعل فما انتصر هذه المرة هو الخيار الثاني ولو كانت تكاليفه دموية ومرتفعة، ولكن يبدو أنه لم يكن امام الشعوب حلٌ آخر مفضّل.

2- لم يخرج النظام السوري عن أساليبه التقليدية في القمع والبطش بكل صوت معارض، كما ما زال مستمرًا بسياسة تمرير الوقت ريثما يتوصل للقضاء نهائيًا على كل صوت معارض بكافة الاساليب الممكنة، كما ريثما يتم إعادة رسم منحىً جديد لعلاقات النظام مع الأنظمة الحليفة منها وتلك التي تندد بالحملات العسكرية لقمع التحركات الشعبية (كقطر والسعودية وتركيا مثلاً). لا ريب أن النظام ما زال يحافظ على علاقة لا يُمكِن وصفها بالسيئة مع هذه الأنظمة حتى الآن، وما زال على كلّ حال يعوّل على هذه الأنظمة للقبول بما سيأتي به من حل بخصوص الوضع الداخلي. كما أن النظام ما زال يلوّح بسياسة التهديد بالأوراق التي يملكها امام الدول الكبرى، ولكن لا يوجد حتى اليوم مؤشر على إنه سيخاطر بلعب هذه الأوراق في لبنان او في العراق أو على جبهة الجولان، ففي الأمر ايضًا خطورة على بقاء النظام نفسه. وخلاصة الأمر، يُمكن الجزم بأن النظام يعيش أزمةً فعليةً تطال وجوده بحد ذاته، وهي أزمة قد تطول لوقتٍ طويل وفي نهاية المطاف عدا عن انها قد زعزعت أركانه وغيّرت كثيرًا من صورة العلاقة التي تربطه بالمواطنين، كما عدا عن كونها خلقت شرخًا اجتماعيًا كبيرًا، فإنها قد تؤدي (وعلى الأرجح ستؤدي) في نهاية المطاف عاجلاً أم آجلاً الى سقوط حكم البعث.

3- وسقوط النظام يرتبط بشرطين رئيسين: أولهما استمرار زخم الاحتجاجات الشعبية السلمية وتوسّع نطاقها، وهي الى حد الآن مستمرة ولو بوتائر مختلفة بين حينٍ وآخر، وبين منطقة واخرى. وثانيهما مصلحة الدول الكبرى في إسقاط النظام: حتى اليوم لا نجد من قرائتنا مصلحة لهذه الدول في اسقاط النظام، ومهما ارتفع الخطاب الأممي ضد السلطة البعثية، فإن الدوائر الدولية الحاكمة ما تزال تجد في النظام السوري ضمانة للاستقرار في المنطقة ولحماية الحدود الشرقية لحليفها الاسرائيلي. إن أقصى ما تريده هذه الدوائر هي بعض المكاسب السياسية المتعلقة بترتيب أوراقها في المنطقة (بالأخص في ما يتعلق بالعراق وفلسطين المحتلة)، ولا يخفي على عاقل أن هذه الدوائر لا تضع في حساباتها مصالح الشعب السوري وطموحاته المشروعة في الحرية والديموقراطية والعدالة الاجتماعية(وهكذا يمكن التحدث عن مؤامرة خارجية ولكنها في الحقيقة مؤامرة ضد الشعب السوري ولصالح نظامه)؛ وهذه الدوائر لطالما تعاملت مع النظام السوري على أساس المصالح المشتركة، كما أن هذا النظام تعامل معها على نفس الأرضية طالما تمنحه الضمانة للاستمرار بالوجود والتحكم بمصير الشعب السوري المقهور. وهو لا يقوم بـ”إزعاجها” إلا عندما تختل هذه الأرضية المشتركة. ومقولة الممانعة (والممانعة الحقيقية الموجودة هي ممانعة النظام ضد مطامح شعبه) التي يرفعها النظام تقع ضمن هذا الإطار من تبادل المصالح والصراع على الهيمنة.

4- بالنسبة للمعارضة الشعبية التي تقدّم الشهداء والمصابين يوميًا (وليس تلك المرتبطة بدوائر خارجية والتي تُطلِق تصريحاتها من بعيد من على مقاعدها الوثيرة ): يمكن القول أن هذه المعارضة الشعبية ما زالت بحاجة لرسم برنامجها الواضح بحدوده الدنيا والتشديد على سلمية تحركاتها، وعلى مدنية وديموقراطية النظام التي تطمح إليه، والتاكيد على الحقوق المشروعة القائمة على المواطنة الحرة والمتساوية للقومية الكردية وغيرها من الأقليات الأخرى. كما أن ما يشكّل خطرًا على المعارضة يكمن في تشتت اطيافها وتشكيلاتها، وبروز أصوات قد توحي احيانًا بقبول التدخل الغربي وتعوّل على الولايات المتحدة وحلفائها الدوليين والاقليميين، كما تبرز بعض الأصوات التي تحاول تحويل الإنتفاضة الى ما يشبه إنتفاضة ثأرٍ مذهبيّ وليس انتفاضة شعبٍ مقموع، ولحسن الحظ ما زالت هذه الأصوات محدودة. كما يشكّل حتى اليوم ضعف الخطاب المعادي لـ”إسرائيل” ثغرة في خطاب معظم التشكيلات المعارضة، وهذه نقطة أساسية لتأكيد الموقف الحقيقي للشعب السوري وهو موقف عُرِف تاريخيًا بمناصرته للقضية الفلسطينية وللمقاومة في لبنان وبالمعاداة المتجذرة لوجود الكيان الصهيوني، كما أن هذا ارتفاع هذا الخطاب سيسحب البساط من تحت النظام الذي ما زال يستعمل هذا الخطاب حجّة قوية في اسكات الاصوات المعارضة المختلفة وتبرير ضرورة استمراره وبقائه، كما في “بزاره” مع الدول الكبرى.

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *