يطير سرب صغير من عصافير الدوري عن الشجرة ويحطّ على العشب الأخضر قبل أن يتفرّق كل عصفور منه إلى ناحية بحثاً عن فتات يقتاته. يكاد الصمت يكون مطبقاً في «حديقة جبران خليل جبران» في وسط بيروت. في الحديقة الهادئة حيث تنتصب خيمة أهالي مخطوفي الحرب ومفقوديها منذ أكثر من سبع سنوات ليس أكثر من خمسة أو ستة أشخاص. عاملا تنظيفات قررا الاستراحة في فيء شجرة وارفة. عاشقان تعانقا واختبآ عن العيون المتطفلة تحت شجرة أخرى. ورجلا أمن، واحد بلباس مدني وآخر ببزة «قوى الأمن الداخلي»، جلسا على مقعد خشبي يقتلان الملل بجهازيهما الخلويين.

يطير سرب صغير من عصافير الدوري عن الشجرة ويحطّ على العشب الأخضر قبل أن يتفرّق كل عصفور منه إلى ناحية بحثاً عن فتات يقتاته. يكاد الصمت يكون مطبقاً في «حديقة جبران خليل جبران» في وسط بيروت. في الحديقة الهادئة حيث تنتصب خيمة أهالي مخطوفي الحرب ومفقوديها منذ أكثر من سبع سنوات ليس أكثر من خمسة أو ستة أشخاص. عاملا تنظيفات قررا الاستراحة في فيء شجرة وارفة. عاشقان تعانقا واختبآ عن العيون المتطفلة تحت شجرة أخرى. ورجلا أمن، واحد بلباس مدني وآخر ببزة «قوى الأمن الداخلي»، جلسا على مقعد خشبي يقتلان الملل بجهازيهما الخلويين. بين وقت وآخر، تجمّعت مجموعة عصافير الدوري نفسها لتطير إلى الشجرة التي انطلقت منها قبل أن تعود مجدداً إلى العشب الأخضر.
غلت ماجدة بشاشة، شقيقة المخطوف أحمد، القهوة فوق النار داخل الخيمة، وصبّتها لسامية عبدالله، شقيقة المخطوف عماد. القهوة هذه يحفظ طعمها جيداً أبو عماد، الجنيناتي الذي يقلّم أشجار الحديقة ويسقيها كل يوم.

كان يمكن لهاتين السيدتين ألا تلتقيا أبداً، لا في الماضي ولا في الحاضر، لو لم تجمعهما قضية واحدة عنوانها الاختطاف.
أخذت ماجدة على عاتقها النوم في الخيمة مع آمنة شرقاوي والدة مخطوف آخر، أحمد. تنام ماجدة، صاحبة العينين الزرقاوين الغائرتين في التساؤل، من الخميس إلى الاثنين في الخيمة. وتمضي آمنة، ذات الظهر المحدودب الذي لا يقوى على حمل الجسد، بقية أيام الأسبوع فيها. تحضر من صبرا حيث تعيش في غرفة تقع لناحية قريبة من سكن حفيدها، ابن ولدها المفقود.

تتناوب السيدتان على الاهتمام بالخيمة بعد رحيل أوديت سالم، شهيدة الخيمة وحارستها. أوديت، والدة المخطوفين ريشار وماري كريستين، قضت على بعد أمتار من الخيمة بعدما صدمتها سيارة أثناء عبورها الشارع من ناحية إلى أخرى. حملت معها أسئلتها التي ظلت من دون إجابات إلى عالم آخر. عالم ربما يكون أكثر عدالة. وتركت الخيمة وديعة في أعناق الباقيات.

تتذكر سامية اختطاف شقيقها عماد ذات حزيران من العام 1984 في مدينة طرابلس. كان الشاب العشريني أعزبَ وضابطاً برتبة ملازم في «حركة فتح». قبض عليه «المردة» وعندما عرفوا أنه فلسطيني سلّموه لمجموعة من «فتح – الانتفاضة» التي سلمته بدورها إلى السوريين، على ما علمت لاحقاً. ومذاك لم تره مرة واحدة، «غير أن كثراً أكدوا رؤيته في السجون السورية». تضيف: «كان رامياً للمدفعية ويقاتل إسرائيل. خلال الاجتياح الإسرائيلي العام 1982 جاء في إحدى المرات أطرشَ من قلعة الشقيف التي كان يقاتل فيها. اعتقلته إسرائيل وعذبته. ولم يقاتل غيرها».

لا تستثني سامية أياً من الأحزاب اللبنانية المشاركة في الخطف. ولا تستثني الفلسطينيين أيضاً. تقول هذا، مؤكدة أنها لم تعد تخاف. صارت جدة اليوم. في ما مضى كانت والدتها تتابع القضية. بعدما توفيت الوالدة أخذت المهمة على عاتقها.
ترفض سامية الخطف والخطف المضاد. ففعل الخطف «يحرق قلب الطرفين. نحن أقوياء على بعضنا بالخطف لأن الزعماء علمونا الحقد. الخاطف متجرّد من الإنسانية والضمير والمحبة. وهو حقود ومريض». ترتب كلماتها قبل أن تطرح التساؤل التالي: «ماذا لو اختطف ابن وزير أو ابن نائب. ماذا كانوا سيفعلون حينها؟».

ومثل سامية، ترفض ماجدة بشاشة الخطف بكل أشكاله. كيفما كان وكائناً من كان مسؤولاً عنه. يوم اختطف شقيقها أحمد في منطقة خلدة كان ابن ثماني عشرة سنة. قبضت عليه «الصاعقة» خلال توجهه من بلدته برجا إلى بيروت. لاحقاً يسلّم إلى السوريين، تتذكر ماجدة. وتقول آخر أخباره أنه كان موجوداً في سجن المزة.

تهتم ماجدة وآمنة بالخيمة اليوم. الخيمة الأخيرة كان قد تقدم بها النائب السابق سليم عون ومجموعة من شباب زحلة في «التيار الوطني الحر». ومع هذا لم يزرها النائب ميشال عون ولا أي من زعماء «الصف الأول» منذ نصبها. حتى أن بعضهم رفض استقبال أهالي المفقودين والمخطوفين لمجرّد البحث معهم في الموضوع. أما الباقون، من زعماء الصف الثاني وما دون، فاكتفوا بالتقاط الصور التضامنية أمام الخيمة. وبقي النائب غسان مخيبر مواظباً على المشاركة في أغلب نشاطاتها.

هكذا، لا في أيام «السلام اللبناني» المؤقت الذي حلّ بعد الحرب، ولا في حمأة الخطف المجنون التي دارت مؤخراً انتبهت الدولة للحظة إلى هذه الخيمة أو إلى أصحابها. لم تشأ أن تراها. وقررت غض البصر عنها على الرغم من أن فيها قصص عائلات أكثر من سبعة عشر ألف مفقود ومخطوف. فالدولة، المشكّلة اليوم من الأحزاب والقوى التي مارست الخطف خلال الحرب، خرجت لتدين فعل الخطف بعدما نسيت قبله أن تدين نفسها. لكن الأهالي، أو من بقي منهم على الأقل، لم يستسلموا ولم يتخلوا عن قضيتهم. لم ولن يفعلوا هذا الأمر.

راهنت الدولة على النسيان والموت. أوديت سالم قضت في حادث سيارة. سميرة زخريا والدة المخطوف اسكندر مريضة جداً وتمضي معظم وقتها في المستشفى. منيرة طباع والدة المخطوف عادل توفيت. كمال شمعون والدة المخطوف جوزف توفيت أيضاً. أم المخطوف إيلي حداد (عسكري في الجيش)، عادت إلى زحلة. فاطمة الزيات، والدة المخطوفين غسان وفادي مريضة. لم تعد تزور الخيمة كما في السابق. كذلك أم محمد الهرباوي.

لكن الباقيات والقادرات، مثل آمنة وماجدة وسامية وغيرهن لن يتخلين عن الخيمة مهما حصل. تقول ماجدة: «أمي أوصتني. قالت لي لا تتركي قضية أخيك». والوصية لحاملها الأمين، كما القضية، لا تحتمل التخلي مهما طال الزمن.

«المعتقلين في سوريا»: أين الدولة؟
طالب رئيس «لجنة المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية» علي أبو دهن وزير الداخلية بتسلم قضية المعتقلين في السجون السورية على أمل اطلاق سراحهم كما يحصل مع المخطوفين، الذين «نأمل عودتهم سريعاً إلى لبنان».
أضاف «ندعو السياسيين الى العمل من أجل الافراج عن المعتقلين»، مشيرا الى «تحرك ستقوم به اللجنة لقضية إنسانية تصب في خانة اطلاق سراح المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية».

وأشار إلى أن الاتصالات مع «الأمم المتحدة» قائمة، «وفي حال لم تتم الاستجابة إلى مطالبنا سنعمد إلى تقديم شكوى إلى مجلس الأمن، إلا أننا لا نزال تحت سقف الدولة ولا نريد أن نتخطى حدودها لأنها هي المسؤولة على الرغم من أنها تظهر عدم مسؤوليتها».

وإذ كشف «أننا سلمنا 610 أسماء إلى السلطات السورية وقد نفت وجودهم»، سأل: «من أين أتى المحرّر يعقوب شمعون»، مؤكدا «وجود معتقلين لبنانيين في السجون السورية أسماؤهم معروفة».

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *