أكثر ما يلفت الانتباه في اجتماع قمة العشرين في المكسيك الذي عقد في منتصف حزيران هو التعهد الصيني بدفع 48 مليار دولار لصندوق النقد الدولي والروسي بمقدار 10 مليارات دولار، وهذا يعني انتهاء مرحلة سابقة واجه فيها كل من روسيا (الاتحاد السوفيتي) والصين استراتيجيات عزل منهجي من جانب الرأسمالية المسيطرة والقوى الغربية، ودخول مباشر لهما على خط الرأسمالية المتوحشة الموجهة ضد شعوب الجنوب، وتكريس حقيقة الصراع بين أقطاب الرأسمالية في العالم الذي ينتج عنه التحاصص وتوزيع مناطق النفوذ، وإحكام السيطرة على شعوب الكوكب وموارده، مع التدمير الممنهج للديمقراطيات حول العالم، وتغذية الصراعات بين المجموعات المختلفة، و

أكثر ما يلفت الانتباه في اجتماع قمة العشرين في المكسيك الذي عقد في منتصف حزيران هو التعهد الصيني بدفع 48 مليار دولار لصندوق النقد الدولي والروسي بمقدار 10 مليارات دولار، وهذا يعني انتهاء مرحلة سابقة واجه فيها كل من روسيا (الاتحاد السوفيتي) والصين استراتيجيات عزل منهجي من جانب الرأسمالية المسيطرة والقوى الغربية، ودخول مباشر لهما على خط الرأسمالية المتوحشة الموجهة ضد شعوب الجنوب، وتكريس حقيقة الصراع بين أقطاب الرأسمالية في العالم الذي ينتج عنه التحاصص وتوزيع مناطق النفوذ، وإحكام السيطرة على شعوب الكوكب وموارده، مع التدمير الممنهج للديمقراطيات حول العالم، وتغذية الصراعات بين المجموعات المختلفة، وتحويل الثورات الشعبية إلى نزاعات أهلية مفتوحة، تشكل أسواقا جديدة للسلاح، وتؤدي إلى تدمير الدول وبناها التحتية، وبالتالي إخضاعها لقروض طويلة الأمد لا يمكن سدادها لصندوق النقد الدولي وغيره من المؤسسات الرأسمالية، بغرض إعادة الإعمار أو ما شابه ذلك من كذب صريح، وبالتالي انجاز الاحتلال الحقيقي للدول عبر المديونات الهائلة والسيطرة على مواردها الطبيعية واستعباد شعوبها.

ومن هنا نجد بأن الخلاف الروسي-الغربي على الملف السوري هو خلاف مصلحي بامتياز، مدفوع بالصراع المتفاقم الناتج عن التقدم الروسي الصيني في خارطة النفوذ العالمي، وهكذا يقوم الطرفان بالكذب العلني، فيجري تمويل الأجهزة القمعية للسلطة السورية بالسلاح الروسي-الإيراني، مقابل تقديم بعض من سلاح ومال لبعض أطراف المعارضة، بسياسة غايتها ضمان عدم انتصار أي من الطرفين، بعد حصرهم باللعبة الطائفية، وتؤدي السياسة الروسية التي تغطي الأعمال الدموية الشنيعة لأجهزة السلطة (المذابح الجماعية، قصف المدن وتدميرها)، إلى إثارة الغضب الشعبي لحدوده القصوى، وتدفع الأطراف الأكثر تشنجا دينيا إلى تبني خط عدمي-ثوري، يتم التسويق له ورعايته حتى من قبل المؤسسات الدولية، بوصف الوضع كحرب أهلية، وقرع طبولها، ودفعها إلى اتخاذ خطوط تماس والقيام بعمليات تطهير عرقية واسعة تتكفل قوات النظام بها، بما يرافق ذلك من تهجير وتجهيز للتغير الديمغرافي، مما يعود بالذاكرة مباشرة إلى حوادث البوسنة في العقد الأخير من القرن الماضي.

لقد بدأ التدخل الخارجي في سوريا منذ فترة، وذلك عبر إمدادات السلاح والخبراء العسكريين الروس والإيرانيين والبوارج العسكرية على الحدود البحرية، وهو عكس التدخل الذي توقعه بعض قصار النظر، إلا أن السياسة الدولية تقوم على توزيع الأدوار والمهام. وإذ تظن السلطة الراهنة بأن هذا التدخل سوف يحميها، بإنقاذها من حتمية تاريخية يجرفها الدم النازف إليها، فهي واهمة، وسوف يتم الاتجار بها كما حدث مع غيرها، فكما قيل سابقا بأن الطغاة يجلبون الغزاة، ومخطط الغزو النظري اليوم يستهدف سوريا الدولة، ويتطلب تفتيتها وتدميرها، بعد إغراق الجميع بالدم، وتحويلهم إلى أمراء حروب بالوكالة.

وبعيدا عن مشهد خريطة المصالح الدولية، وبقراءة متأنية لميزان القوى في سوريا، نجد بأن الثورة هي الأقوى، وهي القادرة الوحيدة على تغيير الموازين مهما اختلت، ومهما زادت قوة أعدائها وأحلافهم، لأنها تجاوز لتناقض عميق بين من استملكوا البلد واحتكروه كملكية خاصة وبين أصحابه الحقيقيين الخارجين من لحظة العبودية إلى الحرية، عبر قصر التناقض وتجاوزه إلى مرحلة صراعية أشد خطرا، تضع الشعب مباشرة أمام أعدائه الطبقيين الحقيقيين، من دون أبعاد وهمية تتعلق بالطائفية والقومية، فالصراع اليوم على سطح الكوكب، لا ينتمي إلى خانة السنة والشيعة، وما حدث بينهم من ثارات وموروث حكائي ديني قبل عشرات القرون، بل هو صراع جلي واضح يهدف إلى محاولة إعادة الشعوب الثائرة بالقوة إلى حظيرة العبودية بعد أن تذوقت طعم الحرية.

نشرة اليساري- تصدر عن ائتلاف اليسار السوري- العدد السادس – الاول من تموز 2012

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *