أخرج الإضراب المستمر منذ شهرين للعمال المياومين وجباة الإكراء في مؤسسة كهرباء لبنان، إلى العلن قضية فئة واسعة من العمالة التي تُنتهك حقوقها يوميا في إدارات الدولة والمصالح المستقلة والمؤسسات العامة. ولم تكن هذه القضية تحظى باهتمام سوى قلة من المتابعين المتخصصين، قبل الإضراب. إلا أنها تحولت مؤخرا إلى قضية رأي عام، يتداولها الإعلام وتناقش في الأوساط النقابية وتسبب أيضاً أزمة بين الحلفاء السياسيين بخاصة قبيل موسم الانتخابات النيابية إلخ.


أخرج الإضراب المستمر منذ شهرين للعمال المياومين وجباة الإكراء في مؤسسة كهرباء لبنان، إلى العلن قضية فئة واسعة من العمالة التي تُنتهك حقوقها يوميا في إدارات الدولة والمصالح المستقلة والمؤسسات العامة. ولم تكن هذه القضية تحظى باهتمام سوى قلة من المتابعين المتخصصين، قبل الإضراب. إلا أنها تحولت مؤخرا إلى قضية رأي عام، يتداولها الإعلام وتناقش في الأوساط النقابية وتسبب أيضاً أزمة بين الحلفاء السياسيين بخاصة قبيل موسم الانتخابات النيابية إلخ.

هم عمال “مياومون” أو “غب الطلب” أو “عمال الفاتورة”، تختلف تسميتهم من مؤسسة إلى أخرى لكن وضعهم هو إياه هنا وهناك، مأساتهم لا تقف عند حد معين فهم يعملون بظروف وشروط أقرب إلى السخرة في ظل حرمان من أبسط الحقوق التي يتمتع بها العمال النظاميين، وفي ظل غياب الدعم النقابي في الغالب.

ويعود أصل المشكلة إلى السياسات الحكومية التي تم إتباعها منذ بداية التسعينيات والتي أنتجت فئة “المياومين” بسبب امتناعها عن التوظيف تحت ذرائع مختلفة مثل “ترشيق الإدارة” و”ترشيد الإنفاق”. فعمدت إلى ملء الفراغ في الملاك الإداري والفني بالاستعانة بعمال مياومين بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر عبر ما يعرف بالـ”متعهدين”. لكن، وبحسب ما اتضح، فقد أدت سياسة “الترشيق” و”الترشيد” التي اتبعتها الإدارة إلى تسخير العمال وحرمانهم من حقوقهم وضماناتهم الاجتماعية وتعويضاتهم وحقهم بديمومة عملهم مخالفة بذلك قانون العمل. وهنا نسأل، ما دامت هذه الإدارات والمؤسسات بحاجة لخدمات هؤلاء العمال، فلماذا لا يتم تثبيتهم، بخاصة إذا ما علمنا أنهم باتوا بحكم تجربتهم العملية على مدى سنوات طوال من الخدمة من ذوي الخبرات والمهارات؟

وواقع الأمر، أن عدد المياومين يبلغ عشرات الآلاف في ظل عدم وجود إحصاءات رسمية دقيقة. وهم يتوزعون على مختلف الإدارات الحكومية والشركات والمصالح من الكهرباء إلى المياه والضمان الاجتماعي والقطاع التربوي والإعلام والبلديات. ويعود غياب الرقم الفعلي إلى أن المياومين في غالبية المؤسسات كـ”مكتومي القيد”، لا يدرجون كعمال بشكل رسمي في جداول الإنفاق ويتم صرف رواتبهم في إطار الميزانية العامة المخصصة لكل مؤسسة أو قطاع، كما أنهم غير مسجلين في الضمان الاجتماعي ومن هنا تكمن صعوبة إحصائهم. لذا، نحاول في هذا التحقيق الإضاءة على أوضاع هذه الفئة وأعدادها في بعض المؤسسات والمصالح والإدارات على أمل أن تكون مقدمة لدراسة أوفى وأدق حول فئة من العمالة لا تتمتع بأدنى الحقوق المنصوص عليها في قانون العمل وتعيش بشكل مستمر بقلق على ديمومة عملها، محرومة من التعويضات وبدلات النقل ومنح التعليم والإجازات التي يستفيد منها الأجراء قانونا.

وفي هذا التحقيق، عمدنا إلى إجراء مقابلات مع عمال من مختلف القطاعات ومع نقابيين وباحثين وصحافيين، فيما تعذر علينا مقابلة مدراء عامين إما لدواعي انشغالهم أو تهربا من اللقاء بعد معرفة موضوع البحث.

عمال وجباة مؤسسة الكهرباء بانتظار إقرار مشروع قانون تثبيتهم
يواصل العمال المياومون وجباة الإكراء في مؤسسة كهرباء لبنان إضرابهم المستمر منذ ما يزيد عن 60 يوما للمطالبة بتثبيتهم في ملاك المؤسسة، علما أنهم يعملون في كافة المديريات ويشغلون الوظائف الإدارية والفنية ويتبعون رؤساء المصالح في المديريات ويحاسبون من قبل جهاز المراقبة العامة في مؤسسة كهرباء لبنان فيما هم مدرجون اسميا في حساب متعهد، وهم يقومون بكل المهام التي تتطلبها المؤسسة من الجباية إلى التفتيش فالتوزيع والصيانة والإنتاج.

وعلى الرغم من ظروف العمل التي لا تخلو في أحيان كثيرة من الخطورة والتي أدت في حوادث متفرقة إلى التسبب بوفاة عشرات العمال خلال أدائهم واجبهم المهني وإصابة آخرين بتشوهات دائمة، يحصل العمال على أجر يومي لا يزيد عن 28 ألف ليرة وهم محرومين من كافة الضمانات الاجتماعية والصحية. وعلى الرغم من شغور 3235 مركزا في ملاك المؤسسة من أصل 5036، إلا أن وزارة الطاقة، ترفض حتى الساعة تثبيتهم بذريعة أن العمال البالغ عددهم 1813 والجباة البالغ عددهم 737، سيكلفون الخزينة مبالغ طائلة!

والحقيقة أنه إذا ما أقرت مطالب العمال بتثبيتهم في ملاك مؤسسة كهرباء لبنان من قِبل الهيئة العامة لمجلس النواب، بعد أن أتمت اللجان النيابية المشتركة دراسة مشروع قانون تثبيتهم وأقرته وفق صيغة نالت رضى العمال، فإن الأمر يشكل سابقة قد تفتح المجال أمام آلاف العمال المياومين في المؤسسات العامة والمصالح الأخرى للمطالبة بالحقوق نفسها.

وإذا كان هناك من خلاصة يمكن أن تختصر التحرك الذي قام به عمال المؤسسة وجباتها فهي أن إتحادهم حول قضيتهم المطلبية أدى بهم إلى انتزاع حق أساسي من حقوقهم، يصفه أحمد شعيب أحد قياديي الإضراب بقوله: “نحن برهنا بوحدتنا كعمال من مختلف الطوائف والانتماءات أنه إذا ما قلنا للشيء كن، فيكون… وعليه، نحن نقدم نموذجا للحركة النقابية والعمالية في لبنان.”[1]

مياومو مستشفى رفيق الحريري الحكومي يلتقطون عدوى التحرك
يتحرك مياومو مستشفى رفيق الحريري الحكومي منذ نحو سنتين للمطالبة بحقهم بالضمانات الصحية والاجتماعية، إلا أنهم لم يحصدوا إلا تجاهل المسؤولين لمطالبهم باستثناء تسجيلهم من قبل أحد مفتشي الضمان الاجتماعي في المؤسسة بحيث حصلوا على رقم انتساب للضمان لكن من دون القدرة على الاستفادة من تقديماته نظرا لعدم اعتراف إدارة المستشفى به.

وبوحي من إضراب عمال وجباة مؤسسة كهرباء لبنان، تشجع مياومو المستشفى على تجديد تحركهم وإعادة طرح مطالبهم فتوجهوا بالعشرات إلى مقر الإتحاد العمالي العام لحثه على التحدث باسمهم وتبني مطالبهم.

ويبلغ عدد المياومين في مستشفى رفيق الحريري نحو 650 عاملاً، وهم يعملون كأجراء من دون أدنى ضمانات مهنية أو صحية. إذ يحصلون فقط على بدل أجر الساعة الذي يراوح بين 3 و10 آلاف ليرة، من دون أي حق في إجازة مرضية أو فرصة سنوية أو عطلة رسمية علما أن معظمهم يعمل في المستشفى منذ أكثر من خمس سنوات.

ويقول رئيس لجنة المياومين في المستشفى، محمد بخاري بهذا الصدد: “نحن العمال نواجه معضلة حقيقية أنتجتها وتتحمل مسؤوليتها إدارة المستشفى بحرماننا من حقنا في الضمان الاجتماعي. فعند احتياج أي منا إلى الاستشفاء نتوجه إلى وزارة الصحة فتفيدنا بأننا مسجلين لدى الضمان الاجتماعي ولا يحق لنا الاستفادة من تقديمات الوزارة. وعندما نتوجه إلى الضمان الاجتماعي، يفيدنا بأن لدينا رقما لكنه يطلب في المقابل أن نستحصل على إفادة عمل، ترفض إدارة المستشفى تزويدنا بها بذريعة أننا غير مضمونين”.

والواضح أن العمال والعاملات في المستشفى يتجهون لتصعيد تحركهم في الفترة المقبلة، فحسب ما قال بخاري: “لن نترك منبرا حرا إلا وسنقصده. وإن لم نجد آذانا صاغية، فقد يكون الإضراب خطوتنا التالية.”

مؤسسة الضمان: “عمال الفاتورة” لا يشملهم الضمان والنقابة تستثنيهم
في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي هناك بين 120 و150 عاملاً مياوماً يعملون بـ”الفاتورة”، تتراوح مدة خدمتهم بين 5 و15 سنة ولا يتمتعون بأي نوع من الضمانات. والمفارقة، أن المؤسسة التي يفترض أنها الضامنة لحقوق العمال، تخالف وظيفتها القانونية وواجباتها تجاه عمالها فتحرمهم أدنى حقوقهم التي ينص عليها قانون العمل في الوقت الذي تتطلب فيه مسؤولياتها مراقبة مدى تقيد أرباب العمل بهذا القانون وإخضاع المخالفين منهم للمحاسبة في حال تمنعهم أو تهربهم من تسجيل الأجراء في الصندوق (خلال مدة 15 يوما من بدء العمل) فكيف إن كان هذا الأجير يعمل لدى مؤسسة الضمان؟!

وواقع الأمر أن هذا التناقض الحاصل بين وظيفة المؤسسة الاجتماعية تجاه العمال بشكل عام، وممارستها تجاه أجرائها يطرح إشكالية يشرحها أحد مسؤولي الضمان، الذي فضل عدم الكشف عن اسمه، بالقول أن عدم تثبيت هؤلاء المياومين يعود بالأساس إلى مجلس الوزراء الذي خالف عام 2004 قانون الضمان بمصادرته قرار التوظيف من إدارة الضمان، ضاربا بعرض الحائط استقلالية المؤسسة المالية والإدارية ومتمنعا في الوقت نفسه عن تلبية احتياجاتها من الموظفين، ما دعا بالمؤسسة إلى التحايل على قرار المجلس باللجوء إلى استخدام العمال بالفاتورة، فيما بلغ الشغور في المؤسسة نحو الألف مركز.

وبحسب هذا المسؤول فإن سياسة الحكومة تجاه الضمان تبطن توجها لضربه ووضع اليد على موارده المالية عبر إيقاعه في عجز بدأت ترتسم ملامحه مع تخفيض قيمة الاشتراكات دون دراسة جدية ووقف الدولة تسديد الاشتراكات المتوجبة عليها لصندوق الضمان، بالإضافة إلى إقرار الضمان الاختياري بدلا من الضمان الإلزامي الشامل، مما رتب على المؤسسة عجزا ماليا بلغ 140 مليار ليرة بعد سنتين من بدء العمل به.

وواقع الأمر أن الضمان الاختياري أفسح في المجال أمام انتساب فئة معظمها من المرضى والكبار في السن إلى المؤسسة بحيث بلغت تكلفة استشفائهم نحو 70 مليار ليرة سنويا، فيما تبلغ قيمة اشتراكاتهم 17 مليار فقط. إلا أن إقرار الضمان الإلزامي الشامل فيما لو تم، كان ليقيم توازنا في ميزانية الضمان عبر اشتراك فئات واسعة لا تحتاج بالضرورة إلى الاستشفاء.

ويضيف المسؤول أن سياسة إدارة صندوق الضمان أثبتت في الوقت نفسه أنها غير مستعدة للإصغاء إلى مطالب المياومين بدليل إقدامها على طرد بعضهم تعسفيا لدى توسطهم مع بعض السياسيين بهدف تثبيتهم في ملاك المؤسسة. بحيث أوصلت الرسالة إلى جميع العمال بأن مصير من يتحرك هو الطرد . وعلى الرغم من وجود نقابة لموظفي الضمان الاجتماعي، إلا أنها تستثني المياومين من غطائها كونهم غير مثبتين في ملاك المؤسسة، فشرط الانتساب مرهون بالتوظيف، مما يعريهم من كافة الحقوق التي يتمتع بها زملاؤهم من المثبتين، مما يكرّس إجحافا بحقوقهم على أكثر من صعيد.

أوجيرو تنتقم من المياومين
وتتشعب مشكلة المياومين لتصل إلى شركة “أوجيرو” للاتصالات، التي تضم نحو 500 عامل خارج الملاك، تتراوح مدة خدمتهم بين 5 و10 سنوات ، على الرغم من أن النظام الداخلي للمؤسسة يفرض تثبيتهم بعد مضي ثلاثة أشهر على مزاولتهم عملهم، وعلى الرغم من مطالبتهم المستمرة للإدارة بتثبيتهم إلا ان مطالبهم قوبلت بالتجاهل حيناً وبردود فعل انتقامية أحياناً أخرى.

وفي إشارة إلى هذا الواقع، علمنا بان رسالة موقعة من 130 عاملا تم رفعها مؤخرا إلى المدير العام لأوجيرو عبد المنعم يوسف تطالبه بتثبيتهم، فرد هذا الأخير بطرد أحدهم تعسفا على الرغم من عمله في المؤسسة منذ 7 سنوات، في تصرف يشكّل بحسب أحد العاملين “ضربة كف إلى العمال لتجرئهم على إعلاء الصوت” علماً انها ليست المرة الأولى التي يعاني فيها العمال من مزاجية المدير العام، فقد سبق له أن طرد تعسفا 8 عمال مياومين دفعة واحدة من دون مبرر فعلي[2].

وكان صوت العمال قد ارتفع في السنوات الأخيرة أيضاً للمطالبة بوقف التأخير بتحويل مرتباتهم، وبشمولهم بتأمين صحي، وبحقهم بتقاضي تعويض عن الساعات الإضافية التي يعملون بها، ويتضاعف الإجحاف بحقهم إذا علمنا أن نقابة العمال والموظفين في أوجيرو لا تتحرك لتبني مطالبهم.

الريجي: تحايل سافر على القوانين
ولا يقل الوضع سوءاً في إدارة حصر التبغ والتنباك (الريجي) عن غيره من الإدارات، بل يزيد. إذ يضم الريجي 270 عاملا مياوماً، تراوح سنوات خدمتهم في المؤسسة بين 5 و 18 سنة، ويحصلون على ما مقداره 34 ألف ليرة مقابل كل يوم عمل، والمفارقة اللافتة أن الإدارة تعمد إلى “التذاكي” على حقوق العمال، بتشغيلهم شهرين وتعطيلهم شهرا لتجنب تثبيتهم، في التفاف منها على قانون العمل (المادة 74 الفقرة الثانية) الذي ينص على تثبيت الأجير حكما بعد مضي ثلاثة أشهر على استخدامه، وبهذه الطريقة تتحايل الإدارة على أحكام القانون معتدية على حق الأجراء بديمومة العمل والضمان والتعويضات.

وعلى الرغم من النقص الحاد في ملاك المؤسسة التي فقدت ما يزيد عن 1371 أجيراً من عديدها، لا يتم اللجوء إلى توظيف أناس جدد بسبب سياسة وقف الاستخدام، ويتم التعويض عن هذا النقص بالاستعانة بالمياومين الذين يعملون في تقليب طرد الدخان، والصيانة العامة وفي تسيير ماكينات تعليب الدخان واللف، مما يوفر على إدارة المؤسسة أكلاف الضمانات الصحية والاجتماعية والتعويضات والإجازات وغيرها من التقديمات المحقة، على الرغم من الأرباح الكبيرة التي تحققها المؤسسة التي بلغت عام 2009 على سبيل المثال 600 مليار ليرة.

والجدير بالذكر انه بعد مضي أسبوع تحديداً على إضراب عمال مؤسسة كهرباء لبنان، عمدت إدارة الريجي إلى تعميم قرار من المدير العام على العمال حذرهم فيه من الإقدام على أي تحرك للمطالبة بتثبيتهم تحت طائلة الصرف. وبحسب أحد العمال المياومين الذي مضى على عمله في الريجي 12 سنة، والذي فضل عدم ذكر اسمه، فإن تهديد الإدارة للمياومين لم يلق اعتراضاً علنيا من قبلهم لمعرفتهم بمدى هشاشة وضعهم داخل المؤسسة، لا سيما انه سبق للإدارة منذ 4 سنوات أن صرفت أربع عمال بعد إقدامهم على رفع دعوة قضائية ضدها مطالبين بتثبيتهم، ولم يعودوا إلى العمل إلا بعد أن تنازلوا عن الدعوى بعد سنتين على رفعها.

ويرد العامل السبب في عدم بت القضاء بشكوى العمال التي مضى عليها سنتين، إلى “الضغط السياسي الذي مورس على القضاء من قبل الإدارة والتيار السياسي الذي يقف خلفها، مما أوجد حالاً من الإحباط لدى العمال دفعهم للسكوت على مضض فيما يعتبر القضاء المدخل الصحيح لتصحيح أوضاعهم وتأمين حقوقهم القانونية كعمال”.

ومما يزيد في “الطين بلة” أيضاً، تجاهل نقابة عمال الريجي لأوضاع المياومين إلى درجة توصيفها من قبل العمال بأنها “نقابة الإدارة، لا نقابة العمال”، فيما يلقي رئيسها كمال يتيم كرة المسؤولية في ملعب الاتحاد العمالي العام قائلا: “كنقابة لا يمكننا تغطيتهم لأنهم غير مثبتين. لذا يجب تنسيبهم عبر الاتحاد العمالي العام.”

المياومون في وزارة المالية، نخشى الصرف التعسفي إن تحركنا
أما في وزارة المالية، فثمة 533 مياوما يعملون تحت اسم “مقدمو خدمات فنية” وتشمل خدماتهم أعمالاً إدارية من أرشفة ومحاسبة ومعلوماتية وغيره، ويحصلون على بدل يومي قيمته 38 ألف ليرة ، إلا أنهم يواجهون المعاناة نفسها لجهة عدم تثبيتهم وحرمانهم من أي ضمانات مهنية أو صحية علماً أن بعضهم التحق بعضهم بالوزارة منذ عام 1993.

وفي محاولة منهم للضغط لتصحيح أوضاعهم، نفذ مياومو وزارة المالية اعتصامات احتجاجية في مبنى الضريبة على القيمة المضافة، للمطالبة بحقهم بالتثبيت لكنهم لم يحصلوا للأسف سوى على تهديدات بالصرف.

ولدى اجتماعهم بوزير المالية محمد الصفدي وعدهم بحل لقضيتهم في مدة أقصاها شهرين، ورغم انقضاء المهلة لم يحصد العمال سوى الوعود. وأفادنا أحد العاملين، الذي طلب عدم الكشف عن اسمه بهذا الخصوص: ” نحن نعمل في واحدة من أهم وزارات الدولة، فكل الوزارات والإدارات تصبّ عندنا، وفي حال أضربنا سنشل عمل الدولة كلها، لكن العمال لا يتحركون مخافة الصرف التعسفي أو رد الفعل الانتقامي من قبل الإدارة على التحرك، بخاصة في ظل وضعنا الوظيفي الهش وفي ظل غياب جسم نقابي داعم لنا”.

المياومون في مصالح المياه: إنجاز نقابي قيد…التطبيق
يوجد في لبنان 4 مصالح للمياه، تغطي كل الأراضي اللبنانية وهي تضم [3]3074 عاملاً ما يزيد عن نصفهم (حوالي 1600) من المياومين يعانون الحرمان من أبسط الحقوق والضمانات التي يفيد منها غيرهم من الموظفين بدءا من الضمانات الصحية والاجتماعية والتعويضات وصولا إلى منح التعليم والاستشفاء والطبابة. أما المسؤول عن هذا الواقع فهو إدارات المصالح ووزارة الوصاية.

يعمل في مؤسسة مياه لبنان الشمالي 350 عاملاً، بينهم 50 من المياومين. وفي مؤسّسة مياه البقاع نحو 600 عامل مياوم، فيهم 235 عاملاً فقط ضمن الملاك، أما مؤسسة المياه في بيروت وجبل لبنان، فتضم 635 مستخدماً ضمن الملاك، و500 عامل مياوم. وفي مصالح الجنوب هنالك 460 عاملاً مياوماً و240 ضمن الملاك.

وتظهر هذه الأرقام، مدى ارتكاز الإدارة على العمال المياومين أو “غب الطلب” وسط مخاوف جدية من الإبقاء على المراكز في مؤسسات المياه شاغرة، في مقابل إبقاء العمال المياومين من دون الحصول على حقوقهم في الضمان والتثبيت في الملاك الإداري.

ويشير كمال مولود، رئيس نقابة العمال في مصلحة الشمال، إلى أن النقابة “حققت إنجازا تمثل في صدور المرسوم رقم 7560 في 1 آذار 2012 الذي ينص على إجراء مباراة محصورة لتثبيت عمال “غب الطلب”، وحقهم كذلك في الانتفاع من درجة تدرج عن كل 3 سنوات خدمة فعلية، وذلك بعد نضال قادته النقابة لسنوات لمصلحة “عمالها وزملائهم من المياومين” بحسب قوله. فيما يشير فرانسوا بشعلاني، رئيس نقابة عمال مياه بيروت وجبل لبنان، إلى أن النقابة “تضغط في الاتجاه نفسه الذي سبقتها إليه نقابة الشمال”.

لكن يبقى أن صدور المرسوم شيء، وتطبيقه شيء آخر. فعلى الرغم من أن نقابة مستخدمي وعمال مؤسسة مياه لبنان الجنوبي توصلت في السابق إلى أن تنتزع مرسوما حمل الرقم 14914 ينص على إجراء مباراة محصورة لملء الشغور في المؤسسة التي يشغلها العمال المياومون والذين انقضت 30 سنة على خدمة بعضهم! إلا أنه حتى الآن لم ينفذ

[1] أحمد شعيب متوجها إلى العمال بتاريخ 14 حزيران 2012 في كلمة احتفالية بإقرار اللجان النيابية المشتركة لمطالب العمال في مؤسسة كهرباء لبنان.

[2] جريدة الأخبار، “مياومو أوجيرو تحت رحمة المدير”، العدد ١٣٨٥ الاثنين ١١ نيسان ٢٠١١

[3] رشا أبو زكي، “جيش العمال غب الطلب، يعملون في المياه والكهرباء منذ عشرات السنوات بلا أي ضمانات، جريدة الأخبار، العدد ١٥٦٨الثلاثاء ٢٢ تشرين الثاني ٢٠١١

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *