ملفات فلسطينية

سحر مندور

مرت سنتان على نهاية حرب البارد، ولا يزال الإعمار الذي أعلنته الدولة اللبنانية بصيغة «المؤكد» و«المعجّل» مؤجلاً. أي عنوان هو عنوان قابل لأن يأتي في تسلسل الأهمية قبل إعمار المخيم وعودة أربعين ألف ابن آدم إلى حيواتهم. أنشأت «الأونروا» براكسات حديدية في المخيم الجديد (وهي الأرض التي توسع فيها المخيم القديم، قبل الحرب)، فأمّتها الحشرات قبل وصول الناس إليها. وما إن وصلوا، حتى راحت الأمراض تفتك بأبدانهم، صغيرة كانت أم كبيرة.

ابنة هذه السيدة المشاركة في تظاهرة المطالبة بإعادة إعمار «البارد»، في ساحة الشهداء ظهر أمس، تبلغ العاشرة من عمرها واسمها جيهان. جيهان مصابة بالالتهاب في العمود الفقري، بسبب «الثلج في الشتاء، والنار في الصيف»، حسبما تشرح الأم عن حرارة المكان الذي تجرأت هيئة دولية، بموافقة لبنانية، على إعلانه مسكناً قابلاً لاحتواء...

ساري حنفي
إسماعيل الشيخ حسن

تبدو الاوضاع المحيطة بتدمير مخيم نهر البارد مثيرة للقلق على أكثر من صعيد. فعلى الرغم من تبرؤ اللاجئين العلني من "فتح الاسلام"، ألقت بعض وسائل الاعلام اللوم فيما يتصل بهذه الظاهرة على المخيم وعلى اللاجئين، وذلك من دون إجراء أي تحقيق يتناول مصادر تمويل هذه المجموعة والجهات التي تقف وراءها. وخلال المعركة تم اعتقال لاجئين فلسطينيين في جميع أنحاء لبنان عند الحواجز التي أقامها الجيش أو قوى الأمن الداخلي، وجرى حصار المخيم وإعلانه منطقة حرب، كما منع الجيش دخول مواد للاغاثة، أو دواء، أو الصحافة. وفي حين فضّل اللاجئون في بداية المعركة البقاء في المخيم خشية أن تؤدي مغادرتهم المخيم الى تدميره بالكامل، فإن القصف العشوائي الشديد الذي لم يستثن المنازل والمدارس والمساجد، أجبر السكان في النهاية على إخلائه تماماً. وهذه هي الحادثة الاولى التي يغادر فيها...

فرح قبيسي

حكاية الشعب الفلسطيني مع التهجير كحكاية إبريق الزيت. عادةً ما تقترن ذاكرة الفلسطينيين، وخاصة كبار السن منهم بـ"طلعات" عدة. أبو داوود، من أول لاجئي مخيم نهر البارد، في منتصف السبعينات من العمر، أبٌ لأحد عشر ولدًا وجدٌّ لواحد وثلاثين حفيدًا، "لواءٌ يقاتل فيه إسرائيل إذا أراد" على حد تعبيره. يروي أبو داوود بحماسة كبيرة تاريخ فلسطين قبل هجرته إلى لبنان، من الثورة الفلسطينية ضد الإنكليز والصهاينة إلى دخول الجيوش العربية ومن ثم انسحابها و"تسليمها فلسطين للاحتلال" عام 1948.

ويروي أبو داوود قصة الهجرة: "طلعنا من صفوري، قضاء الناصرة، لواء الجليل، ووصلنا إلى بنت جبيل، وبعد شهر تم نقلنا إلى القرعون، قضينا سنة هناك، ولكن كان البرد قاسي، فتم نقلنا إلى نهر البارد حيث قعدنا بشوادر". يتذكر أيضا أن اللاجئين في المخيم حينذاك رفضوا بناءه بالاسمنت...

وليد ضو

منذ بداية قصف مخيم نهر البارد، كثُرت الأغاني. أغاني جاهزة وأخرى جاهزة تحت الطلب. فأطلّ وائل كفوري على جمهوره بأغنية واعدة. هذه المرة لم يتجنّد، إنما حلق شعره تكفيرا عن ذنوبه. هذا الفنان ترقّى، وأصبح ملازماً، يتكئ على الطوّافة العسكرية، وتطلّ صُور قصف بيوت المخيم بين أقسام أغنيته المصوّرة، بالطبع يتخللها صُور لجنازات شهداء الجيش وتغيب عنها صور الشهداء الفلسطينيين المدنيين الذين تحدّثت عنهم فقط بعض الجمعيات غير الحكومية وبعض المقالات هنا وهناك وهذا المنشور، ويكمل كفوري نضالاته من خلال الصعود إلى الطوافة مرتدياً النظارات، بمن تذكّر هذه النظارات(!)، محوّما بشكل مفترض فوق المخيم، ويتساقط القصف الثقيل ويضيق الخناق، منهياً "واثق الخطوة يمشي ملكاً".

أما نانسي عجرم فقد تخلت عن "عك القمصان" و"شطف الأرض"، وأرادت أن تتحرّر. والتحرّر في هذا...

هبة عباني
باسم شيت
غسان مكارم

في السنوات الماضية اعتمدت الدولة سياسة التعميم والتنميط تجاه الفلسطينيين وقامت بتصويرهم كمجرمين خارجين عن القانون، حارمة إياهم من أبسط حقوقهم المدنية كالحق في العمل أو البناء أو الامتلاك، وهي تحكم السيطرة على مداخل المخيمات لتبقي الواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والأمني فيه على حاله وتمنع الفلسطينيين من حقوقهم المدنية والسياسية. واليوم، يدخل حصار مخيم نهر البارد أسبوعه الرابع، وما زالت السلطة تأمر الجيش بالحسم وحصار المخيم وضربه بالقذائف والطائرات متجاهلة المدنيين الذين تتخذهم فتح الإسلام رهائن.

منذ اغتيال الحريري، بدأت الدولة اللبنانية تتهيأ لنزع سلاح الفصائل الفلسطينية بعد انتفاء موجبات اتفاقية القاهرة. قضية السلاح قديمة، لكن المشكلة ليست السلاح نفسه. اليوم يتم طرح الموضوع بشكل مبدأي، أي إذا كانت السلطة هي مَن يحتكر...

خالد صاغية

تخيّلوا عجوزاً فلسطينياً محاصراً الآن داخل مخيّم نهر البارد، من دون دواء ومن دون ماء. ماذا يفعل هذا العجوز في أوقات فراغه؟ إنّه حتماً يخوض مؤامرة لتوطين نفسه وتوطين أحفاده داخل الكيان اللبناني.

تخيّلوا طفلاً فلسطينياً أجبر على ترك منزله داخل مخيّم نهر البارد. ماذا يفعل هذا الطفل ليلاً، وهو يبحث عن فراش له في مخيّم البداوي المكتظّ؟ إنّه حتماً يحلم بالتوطين.

تخيّلوا آلاف الفلسطينيّين الذين دُمِّرت بيوتهم لأنّ ثمّة مجموعة إسلاميّة، معظم أفرادها لبنانيّون منذ أكثر من عشر سنوات، تتعرّض للقصف من قبل الذراع العسكريّة للسلطة اللبنانية. تلك السلطة التي غضّت الطرف عن تنامي هذه المجموعة أشهراً طويلة. ماذا يريد هؤلاء الآلاف اليوم؟ التوطين... حتماً.

هذا هو التوقيت الرسميّ للبدء بتنفيذ المؤامرة. فليشرئبّ نعمة الله أبي نصر....

Syndicate content