عن الدموع البيضاء والدماء البنية

نشر في‫:‬الأثنين, تموز 30, 2018 - 11:23
الصورة من هنا: quotefancy.com
الكاتب/ة: سهى عودة.

حينما احتجت المواطنة السويدية، إيلين إيرسون، أثناء رحلة على متن طائرة محاولة بذلك عدم إبعاد لاجئ أفغاني استجاب طاقم الطائرة وقاموا بإيقاف الرحلة. انتقدت إيرسون، لوسائل الاعلام سياسة الدولة تجاه اللاجئين وعللت قيامها بالاحتجاج بأن السلطات كانت تنوي ترحيل اللاجئ الأفغاني لـ"الجحيم"، قاصدة المناطق تحت سيطرة تنظيم طالبان. تداولت وسائل الإعلام التقليدية منها والحديثة مقطع الفيديو لـ"عملية الانقاذ" وعلق البعض، منهم من هم مثقفون وناشطون انسانيون، عن الدور البطولي الذي قامت به إيرسون ذات الواحد والعشرين ربيعا. 

إذا ما تجرّد قراء الخبر عن هويات الأشخاص الأساسية كاللون والهوية الجندرية والهوية الوطنية والسن والطبقة الاجتماعية قد يبدو الأمر لهم وكأنها قصة بطولية ولكن إذا ما أخذنا بالهويات وما لها من دلالات يبدو الأمر مختلفا تماما. "متلازمة البطل الأبيض" أو "المنقذ الأبيض" وهو مصطلح ابتدعه الكاتب الأميركي تيجو كول، هي متلازمة لدى الكثير من أصحاب البشرة البيضاء لطالما سمعنا وقرأنا عنها.

من أمثلة المتلازمة أن يذهب الشخص الأبيض عادة إلى مناطق حيث ينتمي ذوو البشرة البنية أوالسوداء ويلتقط صورا وهو محاطا بهم. وتُعَدّ القرى الخالية من البنى التحتية أو المياه النظيفة ومخيمات اللاجئين من أكثر الوجهات التي يقصدها السياح والمتطوعين البيض. بحسب وجهة نظر المتطوع أو السائح الأبيض إن التقاط صور مع السكان الأصليين، والذين قلما يكونون من أصحاب بشرة بيضاء، هو إما لتسليط الضوء على قضية سواء كانت انعدام وجود بنية تحتية بسبب الحروب والدمار أو الثقافة التي "ترفض الحضارة" أو تعريف العالم بهذ الثقافة الغريبة والجديدة وكأن السائح أو المتطوع الأبيض محاطا بكائنات فضائية وليس بشرا! لا يشير السياح أو المتطوعين البيض إلى الأسباب الحقيقية للمشاكل التي تعاني منها الشعوب من غير البشرة البيضاء كالفساد، تقسيم مقدرات الشعوب بين السلطات الفاسدة والشركات الخاصة والتي عادة ما تكون مملوكة من أجانب والتدخل الأجنبي في السياسات الحكومية.

لا يسأل السائح أو المتطوع الأبيض نفسه عن حجم إسهامات هذه التجارب في تحسين أوضاع المجموعة التي يفترض أنه ينوي مساعدتها من خلال قيامه بالتقاط صور أو تصوير فيلم وعرضه في وسائل الإعلام. لا يسأل السائح أو المتطوع الأبيض نفسه عن دور هذه التجارب في قيام حروب؛ ذلك أنها تُستخدم في تبرير شن الحروب كمعاملة النساء فيما يسمى بالشرق الأوسط بسبب القوانين والعادات المستقاة من الدين والثقافة، بالإضافة إلى انتشار الأصوليين والميليشيات، فضلا عن وجود أنظمة استبدادية وكأنها لم تكن مدعومة منها، وصولا إلى حيازة الأنظمة الاستبدادية لأسلحة الدمار الشامل.

متلازمة المنقذ الأبيض هي مؤشر خطير على درجة العنصرية. استمرارها يعني استمرارا للعنصرية ذلك أن كل ما تنقله الصور أو الأفلام عن مجموعة من غير البشرة البيضاء لا يمكن أن يتم تداوله إلا من خلال منظور شخص أبيض. ويكون منظور الشخص الأبيض عن الصور أو الفيلم هو الأساس وليس الواقع. فإذا كان صاحب الصور أو الفيلم أو المقال يرمي لأهداف سياسية واجتماعية كرسم صورة نمطية عن مجموعة أو استخدام الصور أو الفيلم للتأثير على الرأي العام أو لأهداف شخصية كتحسين صورته أو إضافة التجربة لقائمة انجازاته فإنه يسهل تسويق الصور أو الفيلم أو المقال والعكس صحيح. متلازمة المنقذ الأبيض هي امتداد للعنصرية لأنها تعتمد على رواية الشخص الأبيض وتضفي عليها صفات ايجابية تنفيها عن الرواة من غير البشرة البيضاء. فالرواية من ذوي أصحاب البشرة البيضاء هي كالمصدر الموثوق والمعتمد به وهي أقرب للواقع والحقيقة، خلافا لرواية المجموعة موضوع الصور أو الفيلم أو الرواية وكأنهم ليسوا المعنيين بكل ذلك وأنهم من يعايشون ما تنقله الصور!

دماء الملايين من الأفغان وقصصهم ومعاناتهم وآلامهم لم تحرك مشاعر السلطات السويدية بل حركتها دموع فتاة بيضاء، وكأن السلطات لم تكن تعلم بكل ما يحصل في أفغانستان إلى أن احتجت إيرسون. وفي ذات السياق هرعت وسائل الإعلام لنقل وقائع إنقاذ الأطفال التايلنديين لا بسبب الكارثة بل بسبب تواجد أشخاص هرعوا لمساعدتهم ومن هم من ذوي البشرة البيضاء، كذلك احتجاج ركاب من ألمانيا على ترحيل لاجئين سياسيين مؤخرا.

إن لم تقترن المساعدات من ذوي البشرة البيضاء على شهادات من يعايشون الواقع الذي تنقله الصور أو المقالات أو كيفية مساعدتهم أو إنهاء أزماتهم منها أزمة اللجوء والأسباب الحقيقية التي تدفعهم لترك أوطانهم كاندلاع الحروب والفساد والرأسمالية وعدم إفساح المجال للمؤسسات الإعلامية النيوليبرالية منها والمحافظة لاستغلالها فهي لا تعدو كونها تسويق أفكار استعمارية أو تحقيق منافع شخصية وإن أنقذ أحدهم حياة شخص ما.