موقف المنتدى الاشتراكي من الانتخابات النيابية

نشر في‫:‬الأثنين, نيسان 30, 2018 - 11:40
الكاتب/ة: المنتدى الاشتراكي (لبنان).

تأتي الانتخابات النيابية ٢٠١٨ في لبنان في وقت انتصرت فيه الثورة المضادة في المنطقة وفرضت سلطتها بقوة القتل والبراميل والسجون. وبرغم طغيان الخطاب الأمني "المناهض للإرهاب" الذي يقف بوجه أي محاولة للتغيير، فإن لبنان لم يكن يوماً بعيداً عن تلك الثورات أو تبعات الثورات المضادة التي تأخذ الطابع الأمني المخابراتي تارة والطابع الاقتصادي النيوليبرالي المتوحش طوراً، المكملان لبعضهما البعض، تحت حماية نظام طائفي تحاصصي مافيوي.

 

فمنذ بدايات عام ٢٠١١، تجذّرت النقمة العامة ضد الطبقة الحاكمة بأشكال عدّة، من حملة إسقاط النظام الطائفي وتحركات هيئة التنسيق النقابية والتظاهرات النسوية التي فرضت مسألة تحرر المرأة في صلب برنامج الحركة التغييرية، فضلاً عن الحملات الداعمة للاجئين وحرية الشعوب المنتفضة ومعارضة الامبرياليات وكل أنواع التدخل الرجعي. وصل الأمر إلى ذروته خلال أزمة النفايات وتجلى بالمظاهرات والإضرابات عام ٢٠١٥ والإنتخابات البلدية في ٢٠١٦ التي ساهمت بطرح ما يسمى بالمجتمع المدني كفريق أساسي في اللعبة السياسية، قادر على تحدي قسم من الطبقة الحاكمة في اللعبة الانتخابية.

 

لكن البديل الذي قدّمه "المجتمع المدني" في الانتخابات البلدية اقتصر على اقتراح بعض الإصلاحات الشكلية، وحصر المشكلة باستبدال سلطة "فاسدة" و"ميليشياوية" بشريحة من التكنوقراط التي يستعين بخدماتها أحياناً من طرف السلطة لترميم صورتها أو إتمام ما لم تنجزه أو زيادة كفاءتها في مجالٍ معين. تطرح هذه الشريحة نفسها، بخبرائها واستشارييها، كبديل للسلطة، يحمل قضايا الإصلاح ويتّسم بنظافة الكف، من دون المس بركائز النظام الرأسمالي البطريركي الطائفي القائم. ويعتبر "المجتمع المدني" أن فرصته لخرق لوائح السلطة متاحة مرتكزاً على القانون الجديد، الذي لم يشوّه النسبية فحسب، بل خلق نوعاً من الزبائنية السياسية في الترشّح واستجداء المقاعد على لوائح يديرها مجموعة من الخبراء.

 

أما الإصلاحات الشكلية الواردة في القانون فهي توازي شكلية المجلس النيابي المرتقب، الذي يقر أعضاء من الطبقة الحاكمة أن "ما حققه الحريري بباريس بحاجة لحكومة وازنة تحقق المشروع بعد الانتخابات". فنتائج مؤتمر "سيدر"، مثلاً، ستكون لها آثار سلبية، ليس أقلها "إعادة هيكلة" الدين العام، بتسول قروض بقيمة ١٠،٢ مليار دولار وهبات بـ ٨٦٠ مليون دولار، مما يعني خصخصة ما تبقى من القطاع العام (أو الدخول في شراكات بين القطاع العام والخاص، كما يروّج له بعض مرشّحي المجتمع المدني)، فضلاً عن تعويم الطبقة الحاكمة بكل أطيافها، بتدخل دولي مباشر. وفي حين أُقرّت الموازنة خلال وقت قياسي لمواكبة هذه المؤتمرات، يبقى على المجلس الجديد إن يبصم على ما "تحقق". هذا ولم يطرح المجتمع المدني أي بديل أو إجراءات لعكس مفاعيل قرارت أخذت في ظل برلمان غير شرعي.

 

فالبرنامج الاقتصادي لأكثرية مجموعات المجتمع المدني المشاركة في الانتخابات لا تختلف كثيراً عن توصيات المجتمع الدولي (من برامج الأمم المتحدة التي تثبت عدم جدواها يومياً إلى وصفات صندوق النقد والبنك الدوليين). فتخلو أغلب برامجها من أي إشارة لمعالجة تركز الثروة والدين العام والنظام الضريبي وسياسات مصرف لبنان، وتهدف بعضها إلى تعديل قوانين التجارة لتسهيل إنشاء الشركات دون اعتبار لتأثير اقتصاد السوق النيوليبرالي في ظل غياب حق العمال والعاملات في التنظيم النقابي، وفرض الترخيص المسبق للنقابات وحظرها في القطاع العام، وغياب دور العمال في صياغة السياسات العامة، أو هي تطالب بإنعاش القطاع العقاري من المال العام، من دون طرح أي سياسة إسكانية مستدامة.

 

وهكذا، يختصر المجتمع المدني جل الأزمة بالفساد بمعناه التقني الضيق، مع إغفال دور الفساد في تراكم رأس المال وسيطرته على الفائض الاجتماعي لصالح القلة، وبالتالي لا تمس هذه اللوائح بنظام اللامساواة المتحكم بالطبقات المفقرة والمهمشة، فتتقارب نظرتها مع خطاب قوى السلطة المناهض للفساد. ويبقى أن يدخل حزب الله على خط "مكافحة الفساد"، مستوحياً من "حليفه الوطني" ومحاولاً إظهار نفسه خارج المعادلة التي أوصلتنا إلى هنا (هذا إذا نأينا بأنفسنا عن دوره في قمع الثورة السورية وبرنامجه الاجتماعي الرجعي، وصمته ومشاركته في كل المشاريع الاقتصادية التي أقرت في الحكومة والمجلس النيابي التي أوصلتنا إلى هذه الحالة). 

 

ومع انكشاف الفضائح التي تشير إلى تدخلات سياسية وأمنية لصالح لوائح أحزاب السلطة، قبل أيام معدودة من الانتخابات، يبقى اللافت هو تفاجؤ المراقبين بمخالفات سلطة استعملت في الماضي كل الوسائل للحفاظ على مواقعها. فهل تناسى المراقبون أن هذه السلطة هي وليدة اتفاق الطائف وقانون العفو عن جرائم الحرب الأهلية التي أوقعت عشرات الآلاف من القتلى والجرحى والمفقودين/ات والمخطوفين/ات و"أهدتنا" باقة من المجرمين يحكموننا ويتحكمون بمصير حرياتنا وأماننا الاجتماعي واقتصادنا وماليتنا العامة ومواردنا الطبيعية؟

 

وهي السلطة نفسها، بكل أركانها، التي تعتمد على الطائفية كوسيلة تفرق بين أبناء الطبقة العاملة، وتعيق أي محاولة لتعديل قوانين الأحوال الشخصية وإقرار الزواج المدني وصولا إلى علمنة النظام، لكنها تختبئ (والعديد من مرشحيها) خلف بنود اتفاق الطائف "الإصلاحية". فأي تغيير يُرتجى عندما يُطرح، وعن خجل، شعار الدولة المدنية لعدم تخويف الناس من شعار الدولة العلمانية؟

 

وهي السلطة نفسها، التي تمارس وتحمي كل أنواع التمييز بحق النساء ومجتمع الميم، سواء بعدم إقرار القوانين الحامية من العنف تجاههم/ن أو في تحقيق المساواة الاقتصادية والاجتماعية ووقف كل التوقيفات الجائرة بحق مجتمع الميم وعاملات الجنس والممارسات المهينة لهم/ن ومحاسبة المرتكبين/ات من القوى الأمنية عن تجاوزاتهم/ن.

 

لكن كل ما فعلته الدولة هو التفاف المجلس النيابي على مطالب النساء، وإفراغ مطالبهن من مضمونها، وتطويع العديد من النساء في سلك القوى الأمنية واستعمالهن في قمع التظاهرات (مظاهرات ٢٠١٥ أبرز مثال). في المقابل تواجه أغلب اللوائح المعارضة ذلك بالاعتماد على طرح هوياتي بحت، ليس بعيداً عن المقاربة النيوليبرالية.

 

وهي السلطة نفسها التي تطبق على حياة اللاجئين/ات من مختلف الجنسيات، فتحولت المخيمات الفلسطينية، على يد محبي فلسطين والقضية الفلسطينية، إلى سجن كبير، مع حرمان اللاجئين من الحقوق الإنسانية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية الأساسية. وها هي السلطة التي لطالما تغنى أركانها بحلفهم وصداقتهم مع سوريا ترمي اللاجئين/ات من هناك في مخيمات غير صالحة للسكن وتغض النظر عن السياسات القمعية، بل يمعن بعض أركانها ببث الكراهية والحقد من مواقعهم الرسمية. وهي لم تكتف بذلك، إنما عمدت مراراً وتكراراً إلى التسول بحجة "أزمة اللاجئين"، وانهالت عليها الأموال من الدول الغربية على قاعدة "خذوا ما شئتم من الأموال، ولكن أبعدوا عنا اللاجئين". ولا ننسى نظام الكفالة الاستعبادي بحق العمال/ات المنزليين/ات الذي يحرم الآلاف منهم/ن من أبسط حقوقهم/ن الإنسانية.

 

وهي السلطة نفسها التي لم تكتف بالتسبب بإعاقة العديد من المواطنين/ات خلال حروبها الأهلية، إنما همّشتهم/ن إلى أبعد حد، حارمتهم/ن من حقوقهم/ن الأساسية، ومن تطبيق المعايير الدامجة لهم/ن، فضلا عن إقصائهم/ن خلال يوم الانتخاب من إمكانية وصولهم/ن إلى أقلام الاقتراع غير المجهزة بالتسهيلات اللازمة للوصول الحر وغير المذل، وهذا يدل على أن الإقصاء لا يقتصر على يوم الانتخاب إنما على امتداد حياتهم/ن، لأن أغلبية مراكز الاقتراع هي مدارس رسمية ومراكز بلدية وأماكن عامة، بنيت في الأصل لاستبعاد شريحة أساسية في هذا المجتمع.

 

إذاً، هي سلطة معادية للفئات الشعبية المفقرة، هي سلطة محابية للبرجوازية، وهي سلطة معادية للطبقة العاملة المضطهدة والمستغلة والمحرومة، ويجب إسقاطها.

 

ولكن كيف تواجه المعارضة كل ذلك؟ علينا دوما أن نتذكر الطريقة التي تم فيها تشكيل لوائح المجتمع المدني، حيث غلب على الترشيحات الطابع الفردي، وعجت وسائل التواصل الاجتماعي بالمزايدات، إلى أن انتهى الأمر بتأسيسها على أسس انتهازية بحتة - كانعكاس مباشر للنظام الزبائني/البطريركي، حيث يستطيع "المستقل" الأقوى فرض أعضاء اللائحة.

 

أكثر من ذلك، تضم اللوائح المعارضة طيفاً واسعاً يبدأ من اليسار وصولاً إلى أقصى اليمين، وتضم مؤيدي/ات للثورات بشكل عام وآخرين يؤيدون/ن الأنظمة ويسهرون/ن بضيافة السفير الروسي، وتضم من هم/ن مع الخصخصة ومن هم/ن مع استعادة الأملاك العامة، وتضم مرشحين/ات متوسطي/ات الحال وآخرين برجوازيين/ات، وتضم مدافعين/ات عن حقوق العمال/ات وآخرين مارسوا/ن الانتهاكات لقانوني العمل والضمان الاجتماعي في مؤسساتهم/ن وشركاتهم/ن أو من مارس البلطجة بحق المياومين/ات في مؤسسة كهرباء لبنان عام ٢٠١٢. وتضم معارضين شرسين للعسكرة والنظام الأمني إلى جانب من تظاهر أمام المحكمة العسكرية في صيف عام ٢٠١٧ يطالبها بالقيام بدورها. وتضم معارضين/ات للعنصرية إلى جانب من يريد ترحيل اللاجئين أو التفاوض مع حكومة النظام السوري الإجرامي "لحل الأزمة". أمام كل ذلك، ما الذي بقي من السياسة يا رفاق ورفيقات؟

 

بكل الأحوال، على الرغم من قتامة الصورة الحالية، وعلى الرغم من أن الواقع أشد سخرية من قدرتنا على السخرية منه، لكن لا بد من التنويه بجهود العديد من الناشطين/ات وحتى بعض المرشحين/ات، الذين بذلوا الكثير كي لا تكون النتائج أكثر كارثية مما هي عليه اليوم. ونؤكد، في الوقت عينه، على تأييدنا لـمعايير مجموعة مستعدين المتمحورة حول العلمانية والنسوية الجذرية والعدالة الاقتصادية والكرامة المعيشية والأمان الحقيقي والديمقراطية الحقيقية والحرية بكل أنواعها، وهي لا تختلف في الجوهر عن مطالبنا ومعاييرنا.

 

ونرحب بترشح بعض الإصلاحيين/ات، وحتى بعض الثوريين/ات، إلى الانتخابات النيابية، إلا أننا نتحفظ على تحالفهم/ن مع مَن ت/يتبنى الخصخصة والسياسات النيوليبرالية المتوحشة أو ت/يأخذ مواقف عنصرية ضد اللاجئين أو مؤيدة للأنظمة. وبكل تأكيد سيتواصل نضالنا وتضامننا معاً، وإلى جانب بعضنا البعض، في المعارك اللاحقة التي سنخوضها بوجه النظام الرأسمالي والأبوي والطائفي والقمعي والعنصري.

 

هذا هو التحدي الأكبر، أمام هذه السلطة المتجبرة الرأسمالية والطائفية والعنصرية والأبوية والقمعية، لا نملك خيارا اليوم إلا ببناء أسس المواجهة ومد أيدينا آملين/ات أن نتمكن من بناء جبهات متحدة تحمل برامج سياسية واضحة، وتعمل على إسقاط النظام وتحقيق الديمقراطية والمساواة والعدالة الاجتماعية والعلمانية.

كل السلطة والثروة للطبقة العاملة

بيروت، ٣٠ نيسان/ أبريل ٢٠١٨