روسيا: 1905، 1917، الثورة وتعرجاتها

نشر في‫:‬الأحد, نيسان 29, 2018 - 10:19
الكاتب/ة: هيفاء أحمد الجندي.

ظلت الدعاية المناهضة للبلشفية، تردد دائماً بأن لينين، لم يفعل شيئاً سوى الاستيلاء على السلطة، وأن أحداث ثورة أكتوبر، ما هي إلا محاولة انقلاب ومؤامرة دبرتها أقلية غير ديمقراطية. وذهب بعض المثقفين اليساريين إلى حد القول بأن ثورة أكتوبر، لا تعدو كونها خطأ تاريخياً، وينبغي محاكمة لينين! لأنه قاد الثورة الاشتراكية في بلد متخلف، عائم على بحر من الفلاحين وأقلية عمالية، وأن روسيا كان ينتظرها، تحولاً رأسمالياً، ومهام ثورة بورجوازية ديمقراطية، لأنها تقوم على إنتاج سلعي صغير ولن يسمح بالتالي هذا النمط إلا بنشوء نظام استبدادي، حتى لو ارتدى رداء بلشفياً. وأصبح المفكر الليبرالي ماكس فيبر مرجعيتهم والذي لم يكتف بنعت ثورة أكتوبر بالفتنة، بل قال بأن جماعة لينين وقسما من الاشتراكيين، يعملون ومن زمان على تهيئة هذه الانتفاضة السخيفة! 

بيد أن السؤال الذي يطرح نفسه اذا كان العمال أقلية والرأسمالية غير متطورة في روسيا، فما الذي دفع لينين إلى تغيير الدفة باتجاه الثورة العمالية ذات المهام الاشتراكية، في بلد ينتظر انجاز مهام رأسمالية، هل كان لينين غير واع لنظرية ماركس القائلة: بأنه لا يمكن تجاوز الرأسمالية إلا بعد وصول القوى المنتجة إلى مرحلة من النضج والتطور؟! وهل كانت هذه الشروط غائبة عن روسيا؟ وإذا كان لينين غير واع  لهذا المنزلق فما الذي دفعه إلى تغيير الدفة باتجاه البحث عن تجاوز الرأسمالية في ظروف بلد لم تتطور فيها الرأسمالية بدرجة معقولة؟!

لا ضير من القول، بأن لينين كان ينتظر أن تحرّك الثورة الروسية، فتيل ثورات عمالية في القارة الأوروبية ولا سيما في ألمانيا والتي كانت مثله الأعلى في التنظيم الصناعي والعسكري. وعلى المقلب الأخر، كان لينين قد طرح التساؤل التالي ومبكراً، وفي غمرة التدخل العسكري الامبريالي والحرب الأهلية والثورة المضادة: هل سنترك يا ترى، آمنين حتى نطور الاشتراكية، وماذا سيحدث إذا لم تندلع ثورات عمالية في القارة الأوربية؟سننتهي إلى وضع أسوأ مما نحن عليه! وهذا ما حصل.

لم يخن لينين، نظرية ماركس، بل انطلق من تحليله الملموس للتركيب الاقتصادي- الاجتماعي الروسي، ومن تمايز الخصوصية الروسية ومن الوضع الدولي الامبريالي، ومن الوضع الثوري، أي نضج الشرط الموضوعي، والتقط حينها اللحظة التاريخية، ولم يتردد وهو القائل: ما يزال أساتذتنا الأوربيون، ينادون بأن قيام ثورة في بلد متخلف، يناقض التعاليم الماركسية، يا لهم من حمقى، فلسوف تعلمهم قارة آسيا درساً لن ينسوه!

عن المحتوى الاجتماعي-الطبقي لثورة 1905 وأسباب الهزيمة

بات معلوماً للقاصي والداني، بأن أهم عامل لفهم الثورة الروسية، هو طابعها الطبقي وقواها المحركة، ووسائلها النضالية، سيما وأن ثورة 1905 أيقظت روسيا من سباتها ومن تخلفها، وأنشأت شعباً ثورياً، إذ كان الفلاحون يحصدهم الجوع والعمال يهيمون بلا عمل، في الوقت الذي كان التجار فيه، يشحنون الى الخارج، ملايين البودات وكانت المصانع متوقفة عن العمل، ولا يعرفون إلى أين ترسل البضائع، نظراً لانعدام أسواق التصريف، وكانت المعامل والمصانع والمشاغل والآلات والأبنية ملكاً لعدد صغير من الأغنياء، وكان الشعب يبيع قوة عمله، إلى هؤلاء الأغنياء، من ملاكين عقاريين وتجار ورأسماليين لقاء أجر زهيد، ولقاء كسرة خبز، وكان الفلاحون وصغار الحرفيين، يعانون لأنه لم يكن لديهم، أي احتياطي ويعيشون بالتقتير كل يوم بيومه، وفي كل سنة كان عشرات الألوف، لا بل مئات الألوف من الفلاحين، يغلقون بيوتهم ويسلمون حصصهم من الأرض، ويغدون عمالاً مأجورين أو أجراء زراعيين وبروليتاريين، بينما تزداد ثروة أصحاب الثروة، ويكدسون الأموال في المصارف ويغتنون من خلال المال، الذي يودعه الأخرون في المصارف.

إن واقع البؤس والحرمان والتفاوت الطبقي، دفع العمال والفلاحين الى الاحتجاج وشهدت روسيا عشية ثورة 1905 غلياناً كبيراً، وعمت الاضرابات في عموم البلاد ولوحظ استيقاظ أول حركة فلاحية في روسيا، ولم تكن اقتصادية وحسب بل سياسية وبلغت الاضطرابات الفلاحية، أبعاداً أكبر من ذي قبل، وهاجم الفلاحون وفي عدة محافظات الملاكين العقاريين، واقتحموا مستودعاتهم واقتسموا ثرواتهم ووزعوا على الجياع الحبوب، وأعلنت على أثر ذلك، حكومة القيصر بأنهم مشاغبون ونهابون، وأرسلت الجيش كي يقمعهم، وانهزم الفلاحون وقتل عدد كبير منهم، وعذبوا واغتصب الجنود نساءهم، وجرت مذبحة لتظاهرة، انطلقت من مقر النقابات. فعجلت هذه الأخيرة باندلاع الثورة، وكان الغليان الاجتماعي في أوجه وفي تعاظم مستمر، واستؤنفت احتجاجات الفلاحين، وقام العمال بتنظيم ما تطور إلى اضراب عام، وترددت أصداء الحركة الفلاحية في عموم روسيا، الأمر الذي أدى إلى نشوء تمردات عسكرية، وإلى اصطدامات مسلحة، بين أقسام الجيش.

وهكذا دخل بلد شاسع المساحة الثورة ومن أوسع أبوابها أي الإضرابات، التي كانت أهم وسيلة للاحتجاج إذ بلغ عدد المضربين حينها، مليونين و800 ألف. وكان تشابُك الإضرابات الاقتصادية والسياسية، غاية في الأصالة إبان الثورة. هذا التلاحم بين هذين الشكلين هو الذي كان يؤمن للحركة الثورية قوتها وزخمها. وبفضل هذا النضال، هبت ريح جديدة في صفوف كل جمهور الشعب الروسي، وتلاقت الحركة الإضرابية في المدن مع الحركة الفلاحية في الريف. وكان العمال والفلاحين، روح هذه الانتفاضة الشعبية، وشملت أغلبية المستغلين، وأكثرهم تخلفاً. وفي شهر كانون الأول من عام 1905 تصاعدت الحركة الثورية، وسارت البروليتاريا على رأس الحركة، ووضعت نصب أعينها مهمة الظفر، بيوم العمل من 8 ساعات وبالسبل الثورية.

وبقدر ما كانت موجات الثورة تتصاعد، بقدر ما كانت الرجعية تتسلح، وبمزيد من العزم والحزم، كي تواجه المد الثوري. وكانت رد فعل الحكومة القيصرية، أن أنشأت جبهة قوية محافظة من الفلاحين، وعملت في الوقت عينه، على رفع الانتاجية الزراعية، وجرى تفكيك الكومونات، بصورة منظمة، وقسمت الى ملكيات خاصة للأراضي لصالح طبقة عريضة من  الفلاحين المقاولين، ومن ذوي العقلية التجارية الأمر الذي أدى إلى تنامي الاستقطاب الاجتماعي بين أثرياء القرى وفقرائها.

لقد سحقت انتفاضة الفلاحين، لأنها كانت انتفاضة عفوية، ولا مطالب سياسية واضحة لها فلم يطالبوا بتغيير النظام السياسي، ونزع الأراضي من الملاكين والمصانع من الرأسماليين والأموال من المصارف، وتسليمها الى الشعب العامل. فليس سهلاً تغيير النظام السياسي، لأنه يتطلب الكثير من النضال العنيد والصبور ومن التنظيم، خاصة لأن البورجوازية ستدافع وبقوة عن ثروتها وسيتولى الجيش مهمة الدفاع عنها.

لكي تنجح الانتفاضة، ينبغي لها أن تقوم عن وعي، وبعد تحضير. في المقابل، بيّنت حكومة القيصر للفلاحين ماذا تعني سلطة الدولة، ومن تخدم وعمن تدافع. كان يتوجب على الفلاحين، أن يتذكروا هذا الدرس، ويدركوا أهمية تغيير النظام السياسي، وضرورة الحرية السياسية. كما أثبتت هزيمة ثورة 1905، وفق تحليل لينين، بأنه لا يمكن أن يتم نقل سلطة الدولة الى الطبقة البورجوازية، بطريقة سليمة كما كان يأمل المنشفيون. كما أثبتت أيضاً، بأن مجالس السوفييت المكونة من ممثلي العمال، والمحركين للنضال الشعبي، لا النظريات ولا المناشدات، ليست كافية لتنظيم قوة حربية مباشرة، ولا حتى تنظيم ثورة بأبسط معانيها.

وبالمقابل، كان يأمل لينين أن يتم تشكيل جبهة يسارية، مع كل الثوريين الاشتراكيين. لكن المناشفة، فضلوا التحالف مع حزب الكاديت حزب البورجوازية الكبيرة. وعلى أثر ذلك، قام ستولبين بحل مجلس الدوما، وأصدر مرسوما ينص على وضع قوانين جديدة للانتخابات. الأمر الذي أدى، إلى تخفيض أصوات الفلاحين إلى النصف والعمال إلى الثلث، وأصبح المجلس، مكتظاً بالبورجوازيين وملاكي الأراضي.

غني عن البيان القول، بأن ثورة 1905 حملت في ثناياها، طبقة بورجوازية مناهضة للثورة. وبذلك تكون قد انتهت المرحلة الأولى من السيرورة الثورية التي وضعت السلطة في يد البورجوازية، يعود ذلك إلى عدم كفاية الوعي والتنظيم الداخلي لطبقة البروليتاريا، مما أدى الى انتصار القيصرية والرجعية، وحل محل السياسة الانحطاط والتفسخ والارتداد والانشقاق. وكانت المنشفية هي التيار السائد بدعم من البورجوازية الليبيرالية.

واقع الفلاحين في الارياف

أجمع المراقبون على أن الرأسمالية نمت نمواً سريعاً بعد عام 1861 لدرجة أنها حققت، في عقود معدودة، تحولاً كان سيستغرق قروناً طويلة، لو قدر له أن يحدث في أي من الدول الأوربية. وكان ما يقارب 70% من الأقنان لا يملكون أرضاً تكفي لإعالة أسرهم. وكان هذا الجيش من الجوعى، مصدراً للعمالة الرخيصة، التي تلقفتها الصناعة الرأسمالية. وفي عام 1891 اجتاحت روسيا مجاعة مهلكة، أتت على قرى بأكملها، وعمل الإنتاج الرأسمالي، منذ عام 1861 على تحويل الواقع الطبقي للفلاحين، وأصبح ما نسبته 20% يشكلون طبقة صغار الملاكين ونسبة 65% يمتلكون أراض قليلة جداً، ومن لا يملكون أراض هم طبقة البروليتاريا الريفية. وأصبح 15% ملاكاً أغنياء للأرض، مكونين بذلك، طبقة البورجوازية الريفية. وكان الفلاحون مشرذمين، بين مزارعهم الصغيرة الفردية، ولم يضعوا نصب أعينهم عدواً واحداً يتمثل في الرأسمالية. 

وكانت الضرائب العالية، مع التعرفات الجمركية والاستثمارات الضخمة الوافدة، بمثابة العنصر الجوهري، في تقوية روسيا القيصرية وذلك عن طريق التحديث الاقتصادي، وحقق المزج بين الرأسمال الخاص ورأسمالية الدولة نتائج مذهلة. غير أن الوجه الآخر للعملة، تمثل في أن روسيا القيصرية شهدت تزايداً متسارعاً للبروليتاريا الصناعية والتي تجمعت في عدة مراكز صناعية رئيسية مع ما استتبع ذلك، من ولادة بواكير حركة عمالية ملتزمة بالثورة الاجتماعية، وكان الدعم الجماهيري الأقوى للديمقراطية الاجتماعية بين أوساط الفقراء المتبلترين من العمال الحرفيين.

كان المنظور اللينيني، ينطلق من تنامي الطبقة العاملة، لأن روسيا دخلت مرحلة التصنيع في السنين العشر الأخيرة، التي سبقت الثورة مع استمرار الفلاحين كقوة ثورية.

واعتبر لينين، بأن الانقلاب الديمقراطي، لن يتحقق إلا اذا ارتكز على طبقة حرة من الفلاحين. يتطلب هذا التحول إلغاء الامتيازات وهدم الإقطاع. هذا لا يعني وفق لينين انقلاباً اشتراكياً بقدر ما سوف يمهد الطريق للقيام بنضال حقيقي من أجل الاشتراكية في ميدان الجمهورية الديمقراطية. لأن نجاح انتفاضة الفلاحين، سوف يشكل الدعامة الاجتماعية للثورة الديمقراطية.

ويتعين على القادة الثوريين، وفق ما طرحه لينين، وفي عهد الثورة الديمقراطية أن يجذبوا سواد الفلاحين، كي يشلوا، تذبذب البورجوازية ويحطموا الأوتوقراطية ويسحقوها. كما ينبغي عدم الخلط بين مهام الثورة الديمقراطية والاشتراكية المختلفتين، سيما وأن التناقضات الطبقية بين صفوف الفلاحين هي ظاهرة محتمة، في عهد الثورة الديمقراطية سوف تخلق الأسس لتطور الرأسمالية. لأن انعدام التطور الطبقي، من شأنه أن يبقي، على الأشكال المتخلفة للاشتراكية، والتي سوف تبقى اشتراكية بورجوازية صغيرة.

سيما وأن انتقال الأرض من الملاكين إلى الفلاحين، كان جزءاً من الانتقال الديمقراطي في أوربا، ومرحلة من مراحل الثورة البورجوازية، وسيكون توزيع الأراضي في روسيا ضرورياً، من أجل انتصار الديمقراطية ومحو آثار القنانة، والإرتقاء بوعي الجماهير وسوف يعجل من التطور الرأسمالي.

واعتبر لينين، بأن النضال ضد القنانة والملاكين العقاريين، يمكن أن يسهل حصول الشعب الروسي على الحرية السياسية والتي سوف تسهل بدورها اتحاد الطبقة العاملة، الأمر الذي سوف يزيد من تقدم الاشتراكية. ورأى لينين بأن البؤس في الأرياف، لا يقل عنه في المدن، وكل عامل وفلاح يعرفان، ما ينطوي عليه البؤس والمجاعة والبرد والخراب. ولكن ما ينقص الفلاح هو الوعي بالبؤس والحرمان ولكي يعرف، ينبغي عليه أن يدرك، من أين يأتي هذا الحرمان وهذا البؤس ويتوجب على العمال والفلاحين، في الأرياف أن يتحالفوا مع عمال المدن. وهذا ما دفع لينين الى الانكباب على دراسة واقع الفلاحين في الارياف، من أجل معرفة من هم الذين سوف يسيرون، مع الاغنياء ومع الملاكين، ومن هم الذين سوف يتحالفون مع عمال المدن.

وخلص الى نتيجة مفادها بأنه يوجد تنوع، ومن مختلف الفئات في الأرياف والبعض منهم، يعانون البؤس والجوع والحرمان، والبعض الآخر، سوف يغتني وسوف يزداد بالتالي، عدد الفلاحين الأغنياء، وهؤلاء سوف يميلون الى الملاكين العقاريين، وسيقفون الى جانب الأغنياء ضد العمال. وينبغي أيضاً معرفة عدد الفلاحين الأغنياء، ومعرفة مدى قوتهم، كي لا يسير الفلاح الفقير، على غير هدى ومغمض العينين، إذ يتوجب عليه، أن يعرف من هو العدو ومن هو الصديق!

ولأنه، عندما يشتد الاستقطاب، سوف يقف الفلاح المتوسط، في الوسط ولن يعرف أين يقف، وسوف تسعى البورجوازية، إلى أن تصرف الفلاح المتوسط، وحتى الصغير، ونصف البروليتاري، عن الاتحاد مع العمال. وبدون التحالف مع العمال لن يتحرر الفلاحون الفقراء من كل أشكال العبودية الإقطاعية. وفي معرض مقارنته مع الوضع الفرنسي، وضح لينين بأن الجمهورية، كانت أمرأً واقعاً، وتوفرت للطبقة العاملة الحرية، كي تنظم صفوفها ضد خصومها، أما في روسيا، فالبروليتاريا الروسية تقف أمام مهمة الانقلاب الديمقراطي، وبدون هذا التحول، يستحيل تطوير التنظيم الطبقي من أجل الانقلاب الاشتراكي.

ولم يكن لينين متغافلاً، عن الشرط الموضوعي، والتطور الاقتصادي الروسي. وهذا الأخير، سوف يكون بمثابة العقبة، التي تحول دون تحرر الطبقة العاملة بشكل فوري وسريع، سيما وأن سواد العمال لا يعرفون إلا القليل عن الاشتراكية ووسائل تحقيقها، بسبب الجهل والتخلف. هذا ما يعطي شرعية ومصداقية لأطروحة لينين حول ضرورة انتصار الإنتفاضة الفلاحية، وتوزيع الأراضي على الفلاحين. هذه الأخيرة، لن تقضي على الرأسمالية، بقدر ما سوف تحفز تطورها، وتعجل من التمايز الطبقي. إذ لا يمكن القفز فوق الرأسمالية، والتخلص منها، بغير النضال الطبقي في ميدان وحدود هذه الرأسمالية، سيما وأن الطبقة العاملة الروسية، لا تعاني من الرأسمالية فقط، بقدر ما تعاني من النقص في تطور الرأسمالية، ومن مصلحتها أن تتطور في منتهى السرعة. ومن المفيد للطبقة العاملة، أن يتم القضاء على جميع بقايا الماضي، التي تعيق تطور الرأسمالية، وبهذا المعنى، ستكون الثورة البورجوازية انقلاباً، سوف يكنس بقايا الماضي، وبقايا القنانة، والتي لا تشمل الأتوقراطية وحسب بل والملكية، وسوف تقدم للبروليتاريا، أكبر الفوائد، لأنها سوف توفر لها النضال في سبيل الاشتراكية ضد البورجوازية. ومن مصلحة البروليتاريا أن تتم التحويلات وبالطرق الثورية، لا بطريق الإصلاحات لأن طريق هذه الأخيرة تعني المماطلة واللف والدوران.

ولذلك توجه لينين الى رفاقه وجمهوره قائلاً: إن الماركسية لا تعلمنا أن نبتعد عن الثورة البورجوازية، وأن نتخذ منها موقف اللامبالاة، بل على العكس، تعلمنا أن نشترك فيها، وأن نناضل بقوة في سبيل الديمقراطية، والحرية السياسية. والفلاح الذي سوف يشهر سلاحه ضد الملاك العقاري، هو أيضاً ديمقراطي بورجوازي. والثورة البورجوازية، هي ضرورة للفلاحين، الذين يعانون من نقص الثقافة ومن الجهل ومن التخلف والذي لا يزال رهيباً. 

وليس من سبيل لتقريب الاشتراكية، إلا الحرية السياسية والجمهورية الديمقراطية والتقليل من شأنهما، واستصغار هذه المهمات، يمكن أن تحول النظرية إلى مجرد كاريكاتور.

الوضع الثوري ومقدمات ثورة أكتوبر

أصبحت روسيا القيصرية ناضجة للثورة، وفي عام 1917 كان هناك، ما يقارب من 15 ألف عامل، وبدأت موجة المد الثوري الكاسح، وكان لينين قد أيقن بأن الوضع الثوري قد آن أوانه، وكان هناك اكثر من 200 ألف عامل، قد أعلنوا الاضراب في بتروغراد، وبدأ إطلاق النار على الثوريين. وفي 28 فبراير تم إلقاء القبض على وزراء القيصر، وأصبح الجيش مفككاً بعد أن تسرب منه ما يقرب من مليوني جندي، وعمل المنشقون الذين عادوا إلى قراهم، على تخفيض شعبية الثوريين الاشتراكيين بين جموع الفلاحين. وكان الجيش قد سئم من القتال. انتشرت الثورة وتسارعت الحركة الثورية، ولصالح البلاشفة، ومنح الفلاحون تأييدهم للثوريين الاجتماعيين، وبالفعل كانت روسيا متعطشة للثورة الاجتماعية، وكان إنجاز لينين أنه حول الانتفاضة الشعبية الفوضوية، إلى سلطة بلشفية، وهنا تكمن أهمية لينين ورفاقه البلاشفة.

وكان المهاجرون الشباب، الوافدين من الأرياف الى المصانع، في موسكو يميلون إلى الراديكاليين البلاشفة لا إلى المناشفة المعتدلين.

وبالمقابل، أدرك لينين بأن البورجوازية، أضعف من أن تنتزع السلطة، من العرش القيصري، وأدرك أيضاً، وفي حال ضعف البورجوازية، يمكن أن نصنع الثورة البورجوازية، ومن دون هذه الأخيرة وسوف تصنعها الطبقة العاملة المنظمة.

صمد البلاشفة، ويعود ذلك إلى أن الثورة، كانت تمتلك أداة فريدة، تتمثل في وجود 600 ألف عضو في الحزب الشيوعي، المحكم الانضباط والتنظيم المركزي، وفضلاً عن أنها  سمحت للفلاحين، أن يضعوا أيديهم على الأراضي، وهذا أعطى للبلاشفة أفضلية حاسمة.

وكانت حكومة البلاشفة، هي الوحيدة القادرة والعازمة، على إبقاء روسيا دولة متحدة فحظيت بتأييد الوطنيين الروس، والذين كانوا من ألد خصومها السياسيين! إذ لم يكن الخيار، بين روسيا ديمقراطية- ليبرالية بل بين روسيا والتفكك. وفي عام 1917، استنتج لينين بأن الحصان الليبرالي لن يكون الرابح في السباق الثوري. واتضح للينين ولجميع الماركسيين، أن ظروف ثورة اشتراكية لم تكن ببساطة متوفرة، ولكن الاحتمال الأكبر هو أنها كانت ستسلك هذا السبيل!

ولا تزال ثورة أكتوبر، ومنذ اللحظة، التي أصبح فيها سقوط الحكومة المؤقتة مؤكداً مثاراً للكثير من الجدالات، وأغلبها مضلل. وإذا لم تكن المسألة الحقيقية، كما يرى المؤرخون المعادين للشيوعية، تتمثل في أن الثورة كانت مؤامرة، أو انقلاباً من جانب لينين، المعادي للديمقراطية، بل فيما كان يمكن أن يحصل، بعد سقوط الحكومة الانتقالية. وحاول لينين، أن يقنع العناصر المترددة في حزبه، أن السلطة لا يمكن أن تهرب منهم فحسب، إذا لم يتم الإمساك بها، وفق عمل مخطط له، عندما تصبح في متناول أيديهم، بل حاول أن يقنعهم بالقدر نفسه، من الإلحاح أن يجيبوا عن سؤاله: هل يستطيع البلاشفة أن يحافظوا على سلطة الدولة، إذا ما أمسكوا بها؟ وما الذي يستطيع أن يفعله، أي إنسان يحاول أن يتحكم، بالانفجار البركاني لروسيا الثورية؟

ولم يكن هناك، أي حزب سوى بلاشفة لينين، مستعدين لتحمل المسؤولية وتشير كتابات لينين، إلى أن البلاشفة، لم يكونوا يماثلونه العزم، نظراً الى الوضع السياسي في موسكو وبتروغراد. وكان من الصعب، حسم مسألة الاستيلاء على السلطة في المدى القصير، بدلاً من انتظار الأحداث القادمة، لأن الثورة العسكرية، كانت قد بدأت وقد تقوم حكومة يائسة، بدلاً من أن تستسلم للسوفيتات بتسليم بتروغراد للجيش الألماني.

وإذا ما فشل البلاشفة، في انتهاز اللحظة المناسبة، فإن موجة من الفوضى الحقيقية ستصبح أقوى من قدرات البلاشفة، واستطاع لينين أن يقنع وبحجته المعهودة وواقعيته حزبه فيما إذا أخفق حزب ثوري في الاستيلاء على السلطة، عندما تدعو الفرصة والجماهير لذلك، فما الذي يميزه عن حزب غير ثوري؟

وفي غضون ذلك، كانت المهمة الوحيدة أمام البلاشفة، أن يواصلوا التقدم لم يفعل النظام الجديد، إلا القليل بشأن الاشتراكية، باستثناء الاعلان، عن أنه يرمي إلى وضع اليد على المصارف وسيطرة العمال على الإدارات القائمة.

ومع ذلك، استطاع البلاشفة تحقيق النصر، وعززوا سلطتهم على مدى سنوات الأزمة المستمرة والغزو الألماني والثورة المضادة والحرب الأهلية والانهيار الاقتصادي.

وجرى إقناع الجماهير، بأن مجالس السوفييت المكونة، من ممثلي العمال، هي الصيغة الممكنة، لحكومة ثورية، بعدما جرى إسقاط الحكومة المؤقتة. وبدا واضحاً، أن البناء الفوقي بدأ يتصدع، من كل الجهات، ولن يصمد أمام الضغط الشعبي، وجرى دمج لكافة البنوك ووضعت رقابة من قبل مجلس السوفييت.

وما انفك لينين يكرر ويعيد في كل كتاباته، بأن كل من لا يفهم، شعار الحكومة الثورية واللجان الفلاحية الثورية والجيش الثوري، إما أنه لا يفهم مهمات الثورة، وهو عاجز عن تحديد المهمات الجديدة، أو المهمات العليا التي تمليها الساعة، أو أنه يخدع الشعب ويخون الثورة! ويسيء استعمال شعار الثورة. وبالفعل وفي عام 1917 تم الاستيلاء على السلطة، ولم تبد قوات الحكومة المؤقتة أي مقاومة تذكر، ويعود الفضل في ذلك، إلى التنظيم المحكم والذي اشتغل عليه كل من الرفيقين لينين وتروتسكي.

تحديات ما بعد الثورة والحرب الأهلية والتدخل الامبريالي والثورة المضادة

انتصرت الثورة، وبدأ لينين، يفكر في بناء النظام الاقتصادي الجديد، ولكن لم يتسن له وضع استراتيجية جديدة، حتى بدأ التدخل الخارجي. وفي تلك الأثناء، قام الألمان بتشكيل جيوش بيضاء مضادة للثورة، خشية أن تنتقل العدوى البلشفية إلى بقية البلدان التي حاصرت روسيا. وكان البيض قد احتلوا الموانىء والسكك الحديدية والمناطق الرئيسية، في مجال الصناعة وإنتاج الحبوب. وهددت المجاعة الملايين من الروس، وللتغلب على هذه الأوضاع الصعبة، اقترح لينين تأميم الصناعة وتشجيع الفلاحين على مساعدة البروليتاريا في مصادرة الحبوب التي يختزنها الموسرون، وقال لينين وقتذاك، بأنه ينبغي على الفلاح، وفي ظروف الأزمات والعجز أن يقرض السلطة السوفييتية ولصالح الصناعة الروسية.

وكان لينين يدرك ويعرف جيداً، أنه طالما لم تندلع ثورات، في دول أخرى، فلن ينقذ الثورة الروسية، سوى تعاونها مع طبقة الفلاحين، وحاول أن يبني جسوراً صغيرة كي يعبر عليها، من أجل الانتقال من الملكيات الصغيرة إلى الاشتراكية وذلك من خلال رأسمالية الدولة. وبالفعل كانت ظروف روسيا تفوق الوصف، إذ انتشرت المجاعة في الريف، وتفشت الأوبئة، وقامت الإنتفاضات وانتشرت اللصوصية. وفي المدن، كان هناك الجوع والبطالة والاضرابات والتمرد، وكان لا بد من القيام بشيء ما وبسرعة، من أجل تنشيط الاقتصاد الروسي، ورأب الصدع المتنامي بين الحرب وعموم الشعب الناقم، على السياسات الجديدة، وفي الحقيقة، لم يجد لينين، من يقدم له المساعدة، وكان الإتحاد السوفيتي الناشىء، مضطراً إلى انتهاج سياسة تنموية ذاتية وفي ظل عزلة تامة عن الاقتصاد العالمي، أي اقتصاد بزغ من ثورة وحرب أهلية. ومن الطبيعي أن تلجأ اقتصادات "الحرب الشيوعية”، ومن حيث المبدأ، إلى إحلال الملكية والإدارة العامة. وبدت الوصفة السوفياتية، للتنمية الاقتصادية، متمثلة في التخطيط الاقتصادي الحكومي والمركزي لبناء الصناعات الأساسية ولم تكن "شيوعية الحرب" الا حلاً مؤقتاً، فرضته الظروف الصعبة، ولن يكتب لها الاستمرار لما لها من تداعيات من شأنها أن تخلق بلبلة واعتراضاً بين أوساط الفلاحين والعمال.

وفي عام 1921 اقترح لينين، ما سماه وأطلق عليه بسياسة "النيب" والتي أعادت طرح مفهوم السوق، وتراجعت عن "شيوعية الحرب" الى رأسمالية الدولة، وكانت الحاجة الى التصنيع الكثيف، عن طريق التخطيط الحكومي، هي الأولوية بالنسبة الى الحكومة السوفيتية.

بدأت السياسة الجديدة، تفكك أوصال "شيوعية الحرب" لصالح نموذج اقتصاد مركزي التخطيط. وظلت سياسة "النيب" موضع سجال في روسيا، وطالب راديكاليون من أنصار تروتسكي، بالابتعاد عن هذه السياسة، ولكنهم كانوا واعين للضغوط السياسية والاقتصادية، التي كانت الحكومة البلشفية تنوء بظلها، إذ لم يكن من خيارات أمام النظام الجديد، الذي كان معزولاً ومقاطعاً من جانب الحكومات الأجنبية والرأسمالية، فكان اقتصاد سوق فلاحي موجه من قبل الدولة الناشئة.

لا ضير من القول، بأن السلطة في الاتحاد السوفيتي، هي كل ما اكتسبه البلاشفة من خلال ثورة اكتوبر، وكانت أداتهم الوحيدة التي مكنتهم من تغيير المجتمع، ومواجهة التخلف الثقافي لعموم الشعب الروسي، الذي كان غارقاً في الجهل والأمية والمؤمن بالخرافات.

وكان النموذج الذي بناه لينين، هو نموذج رأسمالي حكومي مؤقت، على أمل أن تأتيه النجدة من الثورات العمالية في أوربا الرأسمالية والتي لم تقم ولم تندلع حينها! وانتهى المطاف، ببناء وقيام دولة بيروقراطية مركزية، على الرغم من التطور الجزئي الذي لحق بالقوى المنتجة والتصنيع الثقيل والكهربة ومد سكك الحديد وهي مهمات رأسمالية أصلاً، إلا أنهم عجزوا عن مواكبة الثورات العلمية اللاحقة. كما أن البيروقراطية المتحكمة بالفوائض لم تسمح بإجراء أي تعديل في بنية النظام السياسي مع أن هذه الريوع، سدت الثغرات الاقتصادية، ولفترة طويلة. تحول هذا النظام إلى حكم فردي مطلق تحت زعامة ستالين، الذي فرض سيطرة كاملة، على جميع جوانب حياة مواطنيه وأفكارهم وعلى وجودهم وكيانهم وأخضعهم، لإنجاز أهداف النظام كما حددتها وفضلتها السلطة العليا.

غني عن البيان القول، أن روسيا، لم تنجح ككيان موحد متعدد القوميات، إلا بفضل ثورة أكتوبر التي اعتبرت الرأسمالية العالمية بمثابة العدو الذي ينبغي الإطاحة به، حيثما أمكن عن طريق الثورة العالمية، والتي لم تأت! فكانت العزلة والحصار، وكان هذا النموذج  مرشحاً للانهيار، لولا التحام البلشفية، بالنزعة الوطنية الدفاعية، خلال الحرب ولولا العطف الثوري، الذي حظيت به، هذه الثورة في البلدان الرأسمالية والعالم الثالث. كما ورد في كتاب فالح عبد الجبار "ما بعد ماركس"

ولم تكد تمضي ثلاثون أو أربعون سنة، بعد وصول لينين الى محطة فنلندا في بتروغراد، حتى وجد ثلث البشرية، يعيشون في ظل أزمة انبثقت من الأيام العشرة التي هزت العالم! وتحول هذا الانجاز الثوري العظيم للشعب الروسي إلى شمس أضاءت الإنسانية وحولت أوربا، إلى كومة من المتفجرات الاجتماعية القابلة للاشتعال، وألهمت هذه الثورة العظيمة، بأخطائها وتعرجاتها وعثراتها كل ثورات العالم. (عصر التطرفات لإريك هوبسباوم)

المراجع

عصر التطرفات إريك هوبسباوم

لينين والثورة الروسية

لينين المجلد الثاني

ما بعد ماركس فالح عبد الجبار