The Shape of Water والرقابة ذات المفعول العكسي

نشر في‫:‬الثلثاء, اذار 20, 2018 - 17:26
The Problem with Censorship is XXX, Budapest, Hungary | Cory Doctorow
الكاتب/ة: سهى عودة.

حضرت قبل أيام لدار سينما في إحدى الدول العربية لمشاهدة فيلم لطالما سمعت عنه. "The Shape of Water" الذي فاز مؤخرا بأربع جوائز من أكاديمية السينما الأميريكية من بينها جائزة أفضل مخرج لـغييرمو دل تورو الذي ترك بصمة في صناعة الأفلام بعد كتابته وإخراجه لفيلم "Pan's Labyrinth" والذي يتناول تأثير الحروب على خيال الأطفال، بالإضافة إلى جائزة أفضل فيلم.

تدور أحداث الفيلم حول اكتشاف مخلوق يشترك في صفاته البيولوجية مع الأسماك والإنسان ومحاولة وزارة الدفاع الأمريكية إرساله للفضاء في خطوة للتغلب على روسيا إبان فترة الحرب الباردة. المخلوق وضع تحت الحراسة المشددة في أحد المختبرات. تتعرف آلايزا ايسبوسيتو، والتي تلعب دورها الممثلة البريطانية سالي هوكنز، على المخلوق صدفة وهي تقوم بتنظيف أرضية المختبر. تنتبه آلايزا إلى وجود دماء على سطح المغسلة، فقامت بتنظيفها للتو مع زميلتها زيلدا فولر، والتي تلعب دورها الممثلة الأميريكية والحائزة جائزة أوسكار لأفضل ممثلة مُساندة عن دورها في فيلم "المساعدة" اوكتافيا سبنسر. تكتشف آلايزا أن آثار الدماء تعود لموظف في وزارة الدفاع الأمريكية (أو متعاقد معها)، ريتشارد سترايكلاند والذي يلعب دوره الممثل الأمريكي مايكل شانون، وكأن هذا يجعل يداها أقل اتساخا.

ترتبط آلايزا فيما بعد بعلاقة حب مع المخلوق. ما يميز علاقة آلايزا الحميمية مع المخلوق هو إقرارها بحقوقه ككائن حي كحقه في الحياة والسلامة والطعام والرفقة. لم يكن دافع آلايزا العلاقة التي تربطها به إنما مساعدة المخلوق في الفرار والعودة للمياه، على الرغم من وجود مشاعر متبادلة بينهما، بل احترامها لكينونة هذا المخلوق، في وقت حرمت فيه جماعات كثيرة من حقوقها الأساسية كالسود مجسدة في شخصية زيلدا، ومجتمع الميم ممثلا بشخصية جايلز، والذي يلعب دوره الممثل ريتشارد جنكنز، والأشخاص ذوي الاعاقة ممثلين بآلايزا. يسهل على من يعاني ويعايش الاضطهاد التعاطف مع آلايزا. ولكن ليس كل من يعاني الاضطهاد يتعاطف مع شخص آخر يعاني منه. وهو ما أظهره دل تورو في لقطة زيارة جايلز لمخبز حيث يعمل رجل مثلي الجنس يعجب به الأول.

استغرقت مدة الفيلم حوالي الساعتين، ارتبط في ذهني خلالها اللقطات التشويقية التي تظهر فيها محاولة كل من آلايزا، جايلز، زيلدا وديميتري تهريب المخلوق وإعادته للمياه قبل قبض وزارة الدفاع الأمريكية عليه. يظهر في الفيلم عددا من المشاهد الدموية تغلب في كميتها المشاهد العاطفية، وكأن الهدف من كتابة النص هو التشجيع على العنف وممارسته نحو "الآخر" وليس العكس. لا أنكر أنني تفاعلت مع قصة الحب التي ولدت في مجتمع يمارس فيه الجميع الكراهية، إلا أنني كنت أتمنى أن تفوق المشاهد الحميمية نقيضتها الدموية عددا. والسبب في ذلك يعود إلى الرقابة على المصنفات الأدبية والفكرية وما يتم تفريغه على هيئة فيلم سينمائي منها في بلداننا العربية. 

كمُشاهدة لا أدعو لممارسة الرقابة على المشاهد العنيفة من خلال هذا المقال، بل هي واقع نعايشه في كل يوم ويتكرر، ويتخذ أشكالا عدة: كالحروب والعنف المؤسساتي من خلال القوانين، عقوبة الإعدام، التمييز ضد مجموعات على أساس اللون، الجنس، الدين، الطائفة، الأصل، الهوية الجنسية والجندرية، القدرة الجسمانية، التوجه السياسي، الفئة العمرية والطبقة الاجتماعية، السلطة الأبوية، سطوة رجال الأعمال، سياسة الاقتصاد الحر، فضلا عن حرمان الملايين من العلاج والتعليم والمسكن لعدم قدرتهم على الوفاء بقيمة الخدمات. لكنني لا أنكر الدور التي تلعبه المؤسسات العامة والخاصة، خصوصا تلك التي توفر خدمة بث مواد مرئية كدور السينما، في نشر ثقافة العنف ضد "الآخر".

كيف يسمح بعرض المشاهد الدموية بينما لا يسمح بتلك الحميمية، وكأن في الأولى قيما ايجابية لا توجد في الثانية والحقيقة هي عكس ذلك تماما؟ كيف تجعل فيلما يشجع على تقبل "الآخر"، في الوقت عينه، يشجع على العنف ضد الآخر بعرض المشاهد حيث الضرب والصعق والرمي بالنيران والركل ومنع مشاهد التقبيل والعناق؟ كيف أصبح التقبيل والعناق ممنوعا، بل محرما في العلن، بينما الأمر ليس كذلك مع المشاهد الدموية والعنيفة؟

ألم يعِ مسؤولو الرقابة أنهم يناقضون أنفسهم حين يقومون بحذف مشاهد القبل والابقاء على المشاهد العنيفة في فيلم يهدف الكاتب والمخرج من خلاله إلى تقبل الآخر؟ 

وعلى الرغم من سيطرة وزارة الدفاع الأمريكية على محتوى الأفلام ومحاولتها التأثير على الرأي العام وتوجيهه من خلالها وهو ما كشفت عنه مصادر عدة، وصولا إلى مشاركتها في اختيار الجوائز العريقة، استطاع دل تورو الافلات من قبضتها كما استطاع المخلوق في الفيلم ذلك أنه لم يجسد الشر في مجموعة مستهدفة من حكومة الولايات المتحدة الأمريكية كروسيا والروس مثلا. حين يعلم العميل الروسي في الفيلم الدكتور روبرت هوستلتفر أو ديمتري، الذي يلعب دوره الممثل الأمريكي مايكل ستولبرغ، عن نية وزارة الدفاع الأمريكية قتل وتشريح جثة المخلوق، فيبدي اعتراضه وحين يتجاهله سترايكلاند (الموظف في وزارة الدفاع) ينضم إلى آلايزا والبقية لانقاذه.

لم يجعل دل تورو من الشخصية الروسية العدو كما هو الحال في معظم الأفلام السينمائية خصوصا التي تُعنى بالحروب؛ فالقيم الإنسانية ليست حكرا على فئة دون فئة أخرى، وهو أمر ليس مستغربا في فيلم لا تقتصر فيه العاطفة على البشر بل يشمل جميع أشكال الحياة. وهنا تكمن قمة الانسانية.