مفهوم الأنتلجنسيا ودور المثقف الثوري في عملية التغيير

نشر في‫:‬الجمعة, كانون اول 22, 2017 - 14:53
Line of speed, 1913 - Giacomo Balla
الكاتب/ة: هيفاء أحمد الجندي.

ميزالمفكر هشام شرابي، وكما جاء في كتابه، مقدمة لدراسة المجتمع العربي، بين عدة نماذج للمثقفين الملتزمين، أي أولئك الذين يتطابق عندهم الفكر والممارسة، بحيث لا يمكن التفريق بين حياتهم الخاصة والعامة، وهؤلاء يقدمون حياتهم الخاصة في خدمة قضية أوهدف اجتماعي فيصبح مصيرهم واحد وقضيتهم واحدة، وهذا أعلى أنواع الالتزام، أي الوعي هنا ممارسة كاملة وهؤلاء يشكلون الأقلية من المثقفين.

في مجتمعنا، ينتمي المثقف إلى الطبقة الوسطى أوالوسطى الصغيرة، ويحمل في تركيبة شخصيته قيم هاتين الطبقتين ودوافعهما من صفات المثقف الأساسية، وعلى الصعيد الذهني التذبذب الفكري، ووضعه القلق والمهدد كثيراً، يدفعه إلى المساومة ولا مستقبل له إلا إذا ساير وساوم، والبعض يختار طريق المساومة والتبريرالذي يتمتع به يساعده على حجب الحقيقة، حقيقة واقعه وتغطية دوافع سلوكه والتمويه بمعنى قول الشيء ونقيضه، ويصبح سلوكه اللفظي بديلاً عن سلوكه الفعلي، أي وكما وصفهم لينين "المصابون بمرض صف الكلام الثوري"، وبذلك يحمي نفسه من النقد والنقد الذاتي وتمكنه من عيش التناقض في حياته، من دون ألم أو قلق ويعادون التغيير الجذري ويدافعون عن امتيازاتهم وعن وضعهم الطبقي وعن تأبيد القائم ومما يضطرهم الى مهادنة البورجوازيات والحكومات.

وبعد اندلاع الانتفاضات الشعبية، انزلق هؤلاء الى مواقع التحليل الثقافويةوتصالحوا مع طوائفهم ومجتمعاتهم الأهلية ومع الوعي التقليدي، وساهموا في تضليل الفئات الشعبية، بدل الإنخراض في السيرورة الثورية وهذا الانخراض يعتبر بمثابة الشرط الأساسي، لإنتاج نظرية الثورة المجبولة بالواقع الملموس والمتفاعلة مع الجماهير الكادحة، ويمكن أن تقلل من احتمالات الخطأ وتمنح العمل الثوري الصلابة والثقة والإدراك العلمي للواقع.

وفي معرض مقارنته بين الإنتلجنسيا العربية عشية هزيمة حزيران، مع الإنتلجنسيا الروسية والفيتنامية، يذكر ياسين الحافظ وفي كتابه "الهزيمة والإيديولوجية المهزومة" بأن الإنتلجنسيا الروسية امتلكت وعياً مطابقاً وكونياً وتاريخياً وأفصحت عن عقلية منفتحة وعداء لا يلين ولا يتصالح مع النظام الاوتوقراطي، إيمانا منها بالتقدم والديمقراطية، وعن شعور حاد بالواجب إزاء الكتلة الشعبية من عمال وفلاحين، بينما الإنتلجنسيا العربية، تصالحت وما زالت،  مع الفكر والوعي التقليديين ولم تتخذ موقفاً نقدياً من البنى التقليدية وكان وعيها مشيخياً امتثالياً.

يقول الحافظ: إن شعباً توفر على طليعة ثورية عقلانية، تمتلك وعياً نقدياً كونياً، لا بد أن ينزعها مزيجاً من تواضع جم وجسارة ثورية ومن الصعب تصور راديكالية ثورية من دون وعي نقدي.

وفي هذا السياق، يستحضر ياسين الحافظ، ماركس وكمثال عن نموذج المفكر الثوري- النقدي والذي توجه الى نقد مجتمعه، الذي كان يعاني من التأخر، مقارنة بفرنسا وانكلترة ولم يتصرف كما تصرف الثورجيين العرب، ولم يحصر همه بدور الامبريالية الفرنسية، ولم يتخذ ردة فعل ضد الثقافة الفرنسية، والتي استمر يثمن دورها الديمقراطي الثوري، واتجه وقبل أن ينتقل إلى إشكالية المجتمع الأوربي الأكثر تقدماً، إلى الواقع الألماني والى التأخر الألماني ينتقدهما ويعريهماويجلدهما.

وحمل الحافظ، الانتلجنسيا المصرية، التي كانت محافظة وخاوية فكرياً، لأنها لم تمتلك وعياً مطابقاً لحاجات التقدم العربي، وكانت ثورية سياسياً ومحافظة اجتماعياً وايديولوجياً وهي انتلجنسيا لا تراكم رأسها برميل بلا قعر، ولم تتخط وعيها التقليدي، على عكس الانتلجنسيا الروسية والفيتنامية، واللتان امتلكتا وعياً مطابقاً وعلى أثر ذلك، انبثق جيشاً قهر التقنية الحديثة، بالإرادة البشرية وانبثقت سلطة تنتمي الى الشعب، انتماءاً أصيلاً ويعود السبب في ذلك، الى ربط النضالين القومي والطبقي وهذا الأخير يسند الأرض الصلبة للنضال القومي، النضال الذي يستند الى قواعد عمالية وفلاحية صلبة.

وبعد هزيمة روسيا، انطوت النخب على نفسها، تعيد النظر في كل شيء، وتنتقد ذاتها على لسان مثقفيها ومفكريها وفنانيها وأحزابها والفئات القيادية الواعية، من طبقاتها الكادحة وفشل ثورة 1905 مهد الطريق لثورة أكتوبر العظيمة، والتي جاءت حاقدة على الأنماط التقليدية والاتباعية والمتوارثة في الإنتاج والتفكير والتنظيم والحكم

وبعبارة أخرى، تمكنت روسيا من تحويل الهزيمة، الى تجربة ودرس حضاري، وما كانت لتحقق ذلك، لو أنها، لم تتقبل مسؤولية الهزيمة، ووضعتها على نفسها ولم تحاول لوم غيرذاتها وواقعها وتنظيماتها وحقيقتها القائمة.

وكما انكب لينين، على دراسة البنى المجتمعية الروسية، ودرس الميول الكامنة في الواقع والتقط اللحظة التاريخية، وقاد ثورته الاشتراكية العظيمة وفي ظل حمأة الصراع الامبريالي والحرب، وحسم الأمور في عام 1917 ووضع هدفاً مركزياً لثورته، وهي الاطاحة بالسلطة من أجل الخلاص من الحرب وحل المسألة الزراعية وتلبية الحاجات الملحة والحيوية لعشرات الملايين من البشر.

روسيا والتي كانت متخلفة ومتأخرة جداً، ولكنها منفتحة وهي في طور الثورة الاشتراكية، وهذا العصر بدا لجميع البلدان الفقيرة والشعوب، الراهن-العام-الغالب والتاريخي العام، وحققت الثورة بعدد قليل من العمال، إنه القانون الأساسي الذي يؤكد على أن الثورة الاشتراكية، تنبع من استفحال التناقض بين قوى الانتاج وعلاقات الانتاج"الملكية" لا تنبسط واقعياً في المناطق والأقطار ومراحل العصر، إلا على أساس العصر اللامتساوي المنقسم، والثورة الاشتراكية تطرق باب شعوب هي في طور سابق، باب شعوب متأخرة وقاصرة عن الشروط الموضوعية للنظام الاشتراكي، ولأن الاشتراكية ضرورة لا غنى عنها، من أجل إنهاء التسلط الأجنبي والتخلف.

روسيا والتي كانت، إقطاعية وفلاحية واستبداية وبورجوازية صغيرة، ولكنها أيضاً روسيا عمال بطرسبورغ، وماركسية البلاشفة وأفكارهم الثورية، والتي وصلت إلى عمال وكادحي العالم، وكانت فاتحة ثورات وانتفاضات وملهمة لشعوب العالم المقهورة.

وعلى المقلب الأخر، ما كانت هذه الثورة لتنتصر، لولا تضافر العام-الموضوعي مع العامل الذاتي، والفضل يعود لعبقرية القائد الثوري لينين، والذي أكد على أهمية التنظيم وقيادة الطبقة العاملة، لأن الثورة من دون أحزاب يعني التعفن والتدهور والتكلس والانتكاس، وصارت الطبقة العاملة،  قائدة وسيدة نفسها بفضل لينين والحزب الثوري.والطبقة العاملة كمقولة سياسية، هي صفر من دون الشمولية أو الكلية، وفق تعبير "الياس مرقص" وهذا هو معنى نضال لينين ضد الماركسية التحريفية والليبرالية.

وبالمقابل، لم ينكر لينين، أن روسيا لا تملك المقومات الاقتصادية للاشتراكية، ولم تبلغ مستوى مناسب للتطور الثقافي، ولكنه، وكما أسلفنا أعلاه انتهز اجتماع ظروف تاريخية وأدخل بلد متخلف وفلاحي ونام، إلى الحداثة ومن أوسع أبوابها أي الاشتراكية، في عصر التوحش الامبريالي ولم تعنِ الاشتراكية، سلطة السوفيتات وكهربة روسيا، بل الاستغناء عن الثقافات الماقبل بورجوازية وتجديد بنيان الدولة السوفياتية.

هذا النزوع التحديثي، والذي هو في أساس التصور اللينيني، عن الثورة وعن الاشتراكية.

لقد قطعت ثورة اكتوبر، ككل ثورة تحدث في بلد متأخر مع المجتمع القائم ونقده من الجذوروقطعت مع التأخرومع كل نزعة ماضوية وتقليدوية بينما مسألة التأخرلا تزال غائبة عند الماركسيين العرب، والفكر التقليدي عاجز عن طرح الأسئلة، واتخاذ مواقف جريئة ونقدية من البنى القائمة، في الوقت الذي وجه فيه لينين الضربة الأخيرة للتأخرالايديولوجي في الحركة الثورية الروسية.

وما يمكن استخلاصه، مما سبق ذكره بأن الثورة سوف تبقى راهنية، طالما يوجد تأخر تاريخي، ولا جدوى من وعي التأخر، من دون وجود أحزاب ثورية، وقيادة تقدمية وثورية وعيها مطابق وهذه الأخيرة هي المخولة ودون سواها تحديث المجتمع والعقل.